أثار عقد الجلسة الأولى لمجلس الشعب الجديد، يوم 12/7/2026، بعد تأجيل عقدها مرات ومرات؛ وتسرّب روايات عن تجاذب بين كتله على الواتساب حول الترشُّح للمناصب الرئيسة فيه: رئيس المجلس ونائبيه وأمين سره، أسئلة حول هدف السلطة من تركيب المجلس بهذه الصورة، وعن تدخُّلها المبكر في عمله عبر دعوة الرئيس الانتقالي النواب، يوم 11/7/2026، إلى غداء في القصر الرئاسي، وحديثه أمامهم عن الانتخابات، وتضمينه تفضيلاته، وانتقاده التكتل والمناطقية، ورفضه لأي تعبيرات سياسية، واعتباره الأعضاء يُمثّلون أنفسهم فقط ولا يُمثّلون تكتلات أو أحزاباً. ما يشير إلى سعي السلطة لضبطه ودفعه في مسارات محدّدة ستمس بدوره ومسؤولياته بالضرورة، ويثير أسئلة حول مدى تمثيله للقوى الاجتماعية والدينية والقومية والعشائرية؛ إذ ثمة من يرى أن تشكيل المجلس الحالي لا يعكس تمثيلاً عادلاً لجميع السوريين.

لم يكن تأخير الإعلان عن الثلث الرئاسي، الثلث الذي حدَّده الإعلان الدستوري المؤقت – أي 70 نائباً من أصل 210 نوَّابٍ؛ هم عدد أعضاء المجلس الموقر – والذي تُرِك للرئيس الانتقالي حق تسميته؛ بما يسمح له بوضع بصمة رئاسية على تركيبة المجلس تخدم تصوُّره لدور هذا الأخير، لم يكن هذا التأخير من باب التريُّث وإجراء دراسة وافية حول الأشخاص قبل اختيارهم، بهدف «إجراء موازنة دقيقة في تشكيل المجلس بعد صدور نتائج الانتخابات غير المباشرة التي ستُجريها اللجنة العليا للانتخابات»، كما روج، بل لاستنزاف النواب وتوليفهم وترويضهم، في ضوء عدم رضا الرئيس لانتقالي عن نتائج الانتخابات غير المباشرة، خاصة في محافظة حلب حيث فازت كتلة خلفيتها إخوانية، ودفعهم لخفض سقف تطلعاتهم السياسية؛ وأخذ الوقت الكافي لتمرير رؤية السلطة لدور المجلس العتيد؛ وهو ما أكده رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد طه الأحمد، حين أعلن «أن المجلس يضطلع بدور تشريعي محوري خلال المرحلة الانتقالية، يتمثل في 3 مهام رئيسة، تشمل مراجعة المراسيم السابقة، وإقرار القوانين والأنظمة اللازمة للمرحلة، وتشكيل لجنة لإعداد مسودة دستور جديد تراعي ظروف سورية وتطلعات السوريين». فمهمة المجلس وفق رؤية السلطة هي «إقرار القوانين والأنظمة» لا التشريع واقتراح مشاريع قرارات استجابة لمتطلبات المصالح الوطنية السياسية والاقتصادية والمعيشية والخدمية؛ ولا مراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية، رئاسة وحكومة. فإقرار القوانين والأنظمة تعني أن مهمة المجلس شرعنة سياسات السلطة وليس طرح سياسات وخيارات مستقلة عنها. وهو ما أكده النائب نوار نجمة عندما قال: «إن مهمة المجلس دعم سياسات الدولة»؛ وأكدته تركيبة القائمة الرئاسية إذ جاء معظم الأسماء من خارج الخط المركزي السوري، دمشق حمص حماة حلب، الذي يحوي الكتلة البشرية والعلمية والثقافية والخبرات السياسية والإدارية الأكبر والأقدر في البلاد، معظم التعيينات في القائمة الرئاسية جاءت من المدن والبلدات الصغيرة والأرياف في المحافظات الطرفية التي تعاني، بسبب سياسات النظام البائد التمييزية، من نقص في الخبرات السياسية والإدارية والقيادية، مع ملاحظة اشتمالها على أشخاص من شبيحة النظام البائد، وهو ما تكرر في اختيار رئاسة المجلس ونائبيه وأمين السر، في حين كانت الحصافة والعقل السياسي يستدعيان، في حال كان هدف السلطة إقامة مجلس فعّال وحاكم، منح مراكز المحافظات الكبرى المذكورة، دمشق وحلب بشكل خاص، أولوية في المواقع الرئيسة في هيكل السلطة والمؤسسات السياسية والاقتصادية والإدارية نظراً لثقلهما البشري وللخبرات السياسية والإدارية والقيادية المتوفرة فيهما، فالذين سُموا في القائمة الرئاسية، باستثناءات قليلة، لا يتمتعون بالخبرة اللازمة ولا بالثقل الاجتماعي لتسنّم هذا الموقع وهم يدينون للرئيس في حصولهم على الموقع. ومعروف ما لذلك من تأثير على مواقفهم وتوجهاتهم العامة.

ليس ذلك فحسب، بل إن الرئاسة لم تترك عملية انتخاب رئيس المجلس ونائبيه وأمين السر تجري بحرية؛ فقد تسرّب ما دار في لقاء الرئيس الانتقالي مع النواب في حفل الغداء الذي دعاهم إليه في القصر الرئاسي قبل انعقاد الجلسة؛ حيث دخل الرئيس الانتقالي في حديث حول المجلس وتركيبته ودوره بلهجة حازمة وقاسية مستهجناً وجود تكتلات وتنافس على المواقع بين النواب وذكر أسماء مُحددة وطلب الاختيار من بينها للمناصب الأربعة المذكورة، قبل أن يطلب من نواب كل محافظة الالتقاء بمحافظها لاستكمال عملية التوجيه. أراد الرئيس الانتقالي ضمان وصول شخصيات مناسبة له إلى هيئة رئاسة المجلس، لا سيما منصب رئيسه، لما لهذا الموقع من أهمية تبرز في أمرين:

– تحديد جدول أعمال المجلس والقوانين التي ستُقترح داخله.

ـ تحديد القوانين التي يمكن أن تحال إلى المحكمة الدستورية العليا للنظر في دستوريتها باعتبار أن الإحالة إلى المحكمة من صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشعب.

وقد كان لافتاً تحرك موالين للسلطة من الكتّاب والمؤثرين للترويج لرؤية السلطة لطبيعة المجلس ودوره، «أعضاء يُمثّلون أنفسهم فقط»، من «المؤثر» جميل الحسن، الذي سُمح له ببث فيديو من داخل قاعة المجلس، رفض فيه ما أسماه تحويل المجلس «من صوت شعب إلى صوت أحزاب»، إلى ما دعا إليه النائب نوار نجمة «تأجيل قيام أحزاب سياسية إلى حين توفر شروط محددة: اكتمال العقد الاجتماعي، تحقيق الاستقرار، إنجاز العدالة الانتقالية، والارتقاء بالثقافة السياسية»، إلى نشر محمد خالد الرهاوي مقالاً تحت عنوان «الأحزاب.. تجسيد لحرية العمل السياسي أم مصادرة لحرية الأفراد؟»، (موقع تلفزيون سوريا: 17/7/2026)، عرض فيه ما تفعله الأحزاب في أعضائها من تقييد حرية التفكير والتعبير وتحويل العضو إلى تابع سلبي لقرارات القيادة ومروّج لسرديات ليست صحيحة بالضرورة، وهي ملاحظات وجيهة تستدعي من الأحزاب البحث عن مخرج يُنهي هذه الأعراض، لكن هذه الأعراض لا تلغي ضرورة الأحزاب وأهميتها في الحياة الوطنية، كما أراد الكاتب الإيحاء، حيث ثمة جانب إيجابي في الأحزاب، تجاهله الرهاوي، كامن في قدرتها على التأثير على المشهد السياسي وإغنائه من خلال طرح رؤى سياسية وبرامج اقتصادية واجتماعية من زوايا متعددة، فالفرد، حتى لو كان مطلق الحرية، لا يمكنه أن يؤثر بالقوة والدرجة نفسهما.

واقع الحال أن السلطة السورية الجديدة لا تتبنى نظرة شك وريبة في كل الأشخاص والأصوات المختلفة والناقدة لكل أو بعض سياساتها فحسب، بل وتتبنى أيضاً تراتبية داخلية لمدى الثقة والاطمئنان حول الأشخاص الذين تختارهم لتسنّم مناصب رئيسة ومؤثرة حيث تحظى الشخصيات الجهادية التي سبق أن بايعت تنظيم القاعدة بالمرتبة الأولى يليها الذين انضموا إلى جبهة النصرة يليها الذين انضموا إلى هيئة تحرير الشام وتأتي الفصائل التي شاركت في عملية ردع العدوان في ذيل القائمة. وهذا بالإضافة إلى انعدام الشفافية والوضوح (مثل الإعلان عن حل «الأمانة العامة للشؤون السياسية» قولاً وتحويلها إلى مؤسسة سرية عملاً؛ حيث ما زالت تُمارس الدور الذي حُدّد لها يوم إطلاقها: الإشراف على الشؤون السياسية في البلاد)، وتجنّب مصارحة المواطنين بتوجهاتها وخياراتها الحقيقية والاكتفاء بالكلام العام الذي لا يُحدِّد حقيقة الموقف ولا يُلزم السلطة بهدف محدد، ولا يُعتبر دليلاً كافياً لِلومِها وتحميلها مسؤولية الفشل في تحقيق أهداف طرحتها ومحاسبتها عليها، كالكلام المرسل عن الكفاءة والمسؤولية وترسيخ ثقافة الحوار وسيادة القانون واحترام المؤسسات والاستعانة بالآخرين عبر الشورى الذي قاله الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، في كلمته أمام جلسة مجلس الشعب، والذي انطوى على محاولة لتشكيل صورة إيجابية، لكنها بعيدة عن الواقع، عن سياسات السلطة، لأن ما تم خلال المرحلة الانتقالية يتعارض مع ذلك بالمطلق فلا تعيينات حسب الكفاءة ولا احترام للقوانين، الشرع نفسه أصدر مراسيم منعه الإعلان الدستوري من إصدارها، والشورى التي تحدث عنها كانت وما زالت تُثير الخلاف بين فقهاء المسلمين بين من يعتبرها «معلمة» ومن يعتبرها «ملزمة»، ما يستدعي منه الإعلان عن موقفه أهو مع شورى «معلمة» أم مع شورى «ملزمة». فالتحديد هنا يُحدث أثراً وينعكس بصورة سلبية أو إيجابية على مجلس الشعب ودوره، واحترام المؤسسات الذي نادى به لا ينفصل عن طريقة تشكيل هذه المؤسسات، كيف يكون الاحترام و«جميع المؤسّسات التي يفترض أن تمنح النظام شرعيته، نشأت بقرار من النظام نفسه. البرلمان لم ينتخبه السوريون، والإعلان الدستوري لم تكتبه جمعية تأسيسية، والمحكمة الدستورية لم تنشأ عن سلطة مستقلة، بل خرجت جميعها من السلطة التنفيذية، والآن يفترض أن تضفي الشرعية عليها»، وفق تعليق مروان قبلان المحق.

لقد أطبقت السلطة التنفيذية على كل السلطات بشكل صريح وعلني وغير قابل للتورية، وذلك عبر تعيين قضاة المحكمة الدستورية وأعضاء مجلس الشعب ورئيسه، ناهيك عن السيطرة على الدورة الاقتصادية في البلاد عن طريق اقتصاد ظلٍّ يُلزّم المشاريع والأعمال لشخصيات مُحدَّدة مقربة من السلطة ويُعيد إنتاج تشكيلات احتكارية تدور في فلكها؛ وكأنك يا أبا زيد ما غزيت.