
لقطة من الفيلم (إدارة المهرجان)
ملخص
تعيش السينما السودانية لحظة نهوض متأخر لكنه لافت، و”ملكة القطن” جزء من هذه اللحظة بكل ما فيها من طموح وارتباك.
في قرية سودانية تتنفس القطن قبل أن تتنفس الهواء، تكبر نفيسة على صوت جدتها “الست” وهي تروي حكايات المقاومة ضد المستعمر البريطاني، فتختلط في ذاكرتها الطفولية أسطورة “ملكة القطن” بحقول حقيقية تحيط بها من كل جانب.
من هذا الفضاء المزدوج، بين الأسطورة والحقل، تبني المخرجة السودانية الروسية سوزانا ميرغني فيلمها الروائي الطويل الأول، بعد نجاح باهر حققته بفيلمها القصير “الست”، الذي جمع أكثر من 29 جائزة عالمية، رقم يشي بأن ما تحضره ميرغني مشروع سينمائي طويل النفس لا تجربة عابرة.
العمل الذي عرض ضمن مهرجان عمان السينمائي الدولي – أول فيلم في دورته السابعة، تدور أحداثه في قرية تعيش على زراعة القطن كنمط حياة وقدر محتوم، إذ تعمل نفيسة ورفيقاتها في حقول تعود ملكيتها الرمزية لـ”الست”، سيدة القرية التي ورثت سلطتها من ماض استعماري لم يمحه الاستقلال بقدر ما أعاد إنتاجه بصور جديدة.
وعلى عكس صديقاتها اللاتي يقبلن واقعهن وتقاليده، تحمل نفيسة بذرة تمرد صامتة تكبر مع وصول نادر، وريث العائلة الثرية التي سيطرت على البلدة منذ زمن الإمبراطورية البريطانية.
نادر عائد من لندن، حيث عاش ودرس، وغرضه المعلن مزدوج: الزواج من إحدى بنات أفضل عائلات القرية وأجملهن، والترويج لبذور قطن معدلة وراثياً يقول إنها ستحسن إنتاجية الفلاحين ودخلهم.
لكن الفيلم يكشف تدريجاً أن الغاية الحقيقية وراء هذا “التطوير”، تمكين شركات البذور من السيطرة على القرار الزراعي للقرية، وإعادة إنتاج إرث الاحتلال القديم بثوب حديث، بما يهدد بضياع نضال الست من أجل الاستقلال والحرية بمعناهما الفعلي لا الرمزي.
القطن كرمز
يتحول القطن داخل الفيلم من مجرد محصول زراعي إلى استعارة مركزية للصراع بين الماضي والحاضر. فحين كان القطن، في حكايات الجدة، رمزاً للكرامة والرزق والانتماء ووسيلة لتمويل المقاومة، يصبح اليوم، عبر بذوره المعدلة وراثياً، أداة لاستعادة السيطرة الاقتصادية بأدوات ناعمة لا تحتاج إلى جيوش ولا إدارات استعمارية مباشرة.
تمنح هذه القراءة الفيلم عمقاً سياسياً حقيقياً: الاستعمار هنا لا ينتهي بجلاء الجيوش، بل ينتقل إلى عقود البذور واتفاقات التنمية والشركات المتعددة الجنسيات، ومعركة الست الأصلية ضد الإنجليز لم تحسم فعلياً، بل تغير خصمها فقط.
المشكلة أن هذه الفكرة، على رغم قوتها النظرية، تبقى في مواضع كثيرة مطروحة بصورة مباشرة أقرب إلى الخطابة منها إلى الدراما المتجسدة في المواقف والحوارات، فيشعر المشاهد أحياناً أنه يستمع إلى أطروحة سياسية أكثر مما يتابع مصائر شخصيات حية.
نساء الحقل
يعكتض الفيلم بمشكلات النساء، وتحديداً المراهقات، وطريقة تحكم النظام الأسري والاجتماعي بمصائرهن، من ختان البنات إلى الزواج المبكر إلى القيود غير المنطقية المفروضة على حرية الحركة والاختيار.
تجسد نفيسة الجيل الحائر بين الرفض والعجز عن التصرف، بينما تمثل “الست” نموذجاً أكثر تعقيداً، فهي امرأة قوية أفلتت من قيود كثيرة، لكنها في الوقت ذاته حارسة لنظام يعيد إنتاج بعض تلك القيود على الجيل الذي يليها.
هذا التوتر بين المرأة الناجية والمرأة الحارسة للتقليد هو أحد أكثر خيوط الفيلم نضجاً، لأنه يرفض تبسيط العلاقة بين النساء والتقاليد إلى ثنائية جلادة وضحية، ويطرح بدلاً من ذلك صورة أكثر واقعية عن كيفية تكيف النساء مع أنظمة القمع، أحياناً بالخضوع لها وأحياناً بإعادة إنتاجها لحماية أنفسهن أو من يعشن بينهن.
الواقعية السحرية بين الطموح والارتباك
على مستوى الأسلوب، تراهن ميرغني على الواقعية السحرية، ذلك المزيج بين تفاصيل يومية خشنة ومشاهد ذات طابع رمزي شاعري، وهو خيار جمالي طموح لم ينفذ بالثبات الكافي. يتأرجح الفيلم بين واقعية خالصة تقترب أحياناً من المباشرة الفجة، ورمزية تعتمد على استعارات بدائية ومستهلكة، فيبدو الغموض في بعض المشاهد غير محبوك ولا مبرر درامياً. هذا التذبذب الأسلوبي يضعف من قوة أفكار جيدة كثيرة يحملها النص، ويجعل مقارنته بـ”الست”، الفيلم القصير السابق لميرغني، مقارنة غير منصفة له.
ويبدو العمل الطويل أقل جرأة وابتكاراً من سابقه القصير، وكأن أعوام الانتظار بين العملين لم تثمر نضجاً حرفياً يوازي الطموح الفكري. كذلك فإن مشكلة الفيلم الأعمق تطبيقه حرفياً ما يوصف بأنه أول أعطاب الأفلام الأولى: حشد كل ما يريد المخرج قوله والتفكير فيه والشعور به دفعة واحدة، من دون مراعاة إيقاع السرد أو حاجة المشاهد إلى مساحة يستوعب فيها كل خيط على حدة.
ما ينقذ التجربة من الانزلاق الكامل العنصر البصري. عدسة فريدة مرزوق، مديرة التصوير التونسية الفرنسية، التي تمنح حقول القطن وملابس الشخصيات ولهجتها المحلية طابعاً بصرياً متماسكاً وأصيلاً، تسنده موسيقى أمين بوحافة التصويرية.
هذا الجمال يخدم فكرة مركزية في الفيلم، أن جسد المرأة السودانية وجسد الأرض يتشاركان مصيراً واحداً، كلاهما ساحة صراع بين من يريد الحماية بمنطق القديم، ومن يريد الاستغلال بذريعة التحديث.
أما على مستوى الأداء، فمشاركة رابحة محمد محمود ومهاد مرتضى وطلعت فريد وحرم بشير ومحمد موسى وحسن محيي الدين تحمل لحظات جيدة متفرقة، لكنها تبقى أسيرة نص لا يمنحها دائماً الفرصة الكافية للتصاعد الدرامي.
سينما سودانية تبحث عن صوتها
فبعد عقود من الغياب شبه الكامل عن الخريطة السينمائية العالمية، بدأت أسماء سودانية شابة تفرض حضورها بدعم وتمويل متزايدين من جهات إنتاج عربية وعالمية، من أمجد أبو العلا صاحب “ستموت في العشرين” إلى محمد الكردفاني مخرج “وداعاً جوليا”.
وتأتي ميرغني ضمن هذا الجيل، لكنها تحمل عنه رمزية إضافية، بوصفها أول امرأة سودانية تكتب وتخرج فيلماً روائياً طويلاً بهذا الحجم الإنتاجي، وبوصفها صوتاً يضع قضايا النساء والمراهقات وسلطة العائلة والمجتمع عليهن في قلب السرد لا في هامشه.
لا يبرر هذا الموقع التاريخي ضعف الحرفية في مواضع من الفيلم، لكنه يمنح المشروع كله وزناً يتجاوز حدود الشاشة، فـ”ملكة القطن” محاولة لإثبات أن هذه السينما قادرة أخيراً على أن تروي حكايتها بصوتها الخاص، لا كما رواها عنها آخرون طويلاً.
“ملكة القطن” فيلم يستحق المشاهدة أقله بفضل صوره وجمالياته البصرية ونيات صانعته النبيلة، وانشغالها الجاد بمشكلات بلدها وهموم بنات جنسها، لكنه فيلم يذكرك، في الوقت نفسه بأن حكاية بحجم السودان، بعمقه التاريخي وتعدد طبقاته الثقافية والاجتماعية، لا تختزل بسهولة في 90 دقيقة، مهما بلغ إخلاص من يرويها وجرأة رؤيتها.
وربما يكون هذا بالضبط ما يجعل من “ملكة القطن” عملاً أقل اكتمالاً بوصفه إنجازاً فنياً، لكنه يبقى مؤشراً إلى صوت سينمائي واعد لم يبلغ نضجه الكامل بعد.