لم تعد الديمقراطية في سورية قضيةً قابلةً للتأجيل أو خيارًا سياسيًا يمكن استبداله بصيغ حكم التفافية أخرى، بل أصبحت شرطًا بنيويًا لإعادة بناء الدولة والمجتمع في المستقبل، ولا يجوز اختزالها – كما ينظر بعض السياسيين السوريين الجدد – في مجرد السماح بأشكال محدودة من الاحتجاج على الأوضاع المعيشية أو الخدمية أو التعليمية، وإنما النظر إليها بوصفها منظومة متكاملة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس المشاركة والحقوق وسيادة القانون.
لقد أثبتت التجربة السورية خلال الحقبة الأسدية، كما تؤكد ذلك تجارب العديد من الدول الاستبدادية، أن احتكار السلطة من قبل حزب واحد أو اتجاه سياسي مهيمن لا يؤدي إلى بناء دولة قوية ومستقرة، بل يفضي غالبًا إلى نشوء دولة هشة تتآكل مؤسساتها، وتتراجع شرعيتها، وتتعمق الانقسامات داخل بنيتها الاجتماعية والسياسية، فتغدو أقل قدرة على إدارة تنوعها الداخلي أو ضمان حقوق مواطنيها، وبالتالي لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل تحتاج سورية إلى الديمقراطية؟ بل كيف يمكن بناء نظام ديمقراطي يمنع عودة الاستبداد ويؤسس لدولة المواطنة وسيادة القانون؟
لقد فتح سقوط النظام الأسدي الاستبدادي في أواخر عام 2024 الباب أمام فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة السورية على أسس جديدة، إلا أن هذه الفرصة قد تضيع إذا اقتصر التغيير على تبديل الوجوه السياسية أو إجراء تعديلات شكلية على مؤسسات الحكم، من دون تغيير الثقافة السياسية التي أنتجت الاستبداد ورسخته، فالديمقراطية لا تُبنى بمجرد إصدار دستور جديد أو إجراء انتخابات دورية، وإنما تحتاج إلى ثقافة تؤمن بأن الاختلاف حق، وأن السلطة ملك للسوريين كافة ، وأن تداولها السلمي يمثل أساس استقرار الدولة واستمرارها.
وتؤكد تجارب التحول الديمقراطي أن نجاح الديمقراطية لا يقاس بوجود المؤسسات وحدها، بل بقدرة أفراد المجتمع على حمايتها من خلال منظومة من القيم تقوم على احترام القانون، وقبول التعددية، والثقة المتبادلة، والمساءلة. فالمؤسسات يمكن إنشاؤها خلال فترة زمنية قصيرة، أما الثقافة الديمقراطية فتحتاج إلى وقت أطول لأنها ترتبط بأنماط التفكير والسلوك والعلاقات الاجتماعية المتراكمة.
ويقدم عالم السياسة الأمريكي غابرييل ألموند، من خلال مفهوم “الثقافة المدنية”، تفسيرًا مهمًا لاستقرار الأنظمة الديمقراطية، إذ يرى أن نجاح الديمقراطية يحتاج إلى مواطنين يؤمنون بالمشاركة السياسية، ويحترمون التعددية، ويقبلون إدارة الخلافات عبر الحوار والمؤسسات بدلًا من الإقصاء أو العنف، فالديمقراطية بهذا المعنى ليست مجرد نظام للحكم، بل أسلوب لتنظيم الحياة العامة.
وعند إسقاط هذا التصور على الحالة السورية، يظهر أن أحد أبرز التحديات يتمثل في ضعف الثقافة المدنية نتيجة عقود طويلة من الحكم الأمني التسلطي، الذي رسخ أنماطًا من السلوك السياسي والاجتماعي تتعارض مع الممارسة الديمقراطية، مثل الخوف من الاختلاف، وانعدام الثقة، والاحتماء بالجماعات الطائفية والقبلية الضيقة، والنظر إلى الخصم السياسي بوصفه عدوًا لا شريكًا في الوطن.
وهنا تبرز أهمية مفهوم “الهيمنة الثقافية” عند أنطونيو غرامشي، الذي أوضح أن الأنظمة الاستبدادية لا تستمر بالقوة وحدها، بل عبر إنتاج منظومة من الأفكار والقيم تجعل الطاعة والخضوع أمرًا مقبولًا، فالاستبداد لا يسيطر على مؤسسات الدولة فقط، بل يترك أثره في الثقافة المجتمعية وطريقة فهم الناس للسلطة والعلاقة بينهم وحدود الحرية.
ولهذا فإن سقوط النظام الأسدي الاستبدادي لا يعني بالضرورة زوال الثقافة التي أنتجها، إذ قد تستمر بعض الممارسات السلطوية بسبب استمرار الأنماط الذهنية التي تشكلت عبر عقود طويلة من الاستبداد، ويمكن تفسير ظواهر مثل التخوين ورفض النقد واحتكار الحقيقة حتى لدى بعض الشخصيات التي تتبنى خطاب الحرية والديمقراطية في ضوء هذا الإرث الثقافي والاجتماعي.
ويتقاطع ذلك مع مفهوم “الهابيتوس” عند عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، الذي يوضح كيف تتحول التجارب الاجتماعية الطويلة إلى استعدادات ذهنية وسلوكية تؤثر في تصرفات الأفراد، فقد أنتجت الدولة الأمنية في سورية مجتمعًا اعتاد الحذر والخوف والصمت، وأضعفت روح المبادرة والمشاركة العامة، حتى أصبحت الرقابة في بعض الأحيان ممارسة اجتماعية يمارسها الأفراد تجاه بعضهم بعضًا بشكل روتيني يوميًا.
ومن مظاهر ضعف الثقافة الديمقراطية أيضًا التعامل الانتقائي مع المبادئ والقيم، إذ تُرفع شعارات حرية التعبير عندما تخدم موقفًا سياسيًا معينًا، ثم يجري إزاحتها عندما يستفيد منها الخصوم، أو عندما تخالف توجهاتهم السياسية، كما تُدان انتهاكات حقوق الإنسان عندما يرتكبها طرف، بينما تُبرَّر أو تُتجاهل عندما تصدر عن طرف آخر، مما يكشف أن الديمقراطية لم تتحول بعد إلى قيمة وطنية راسخة، بل ما تزال تستخدم أحيانًا ضمن الصراع السياسي.
ولا تقتصر مسؤولية بناء الثقافة الديمقراطية على السياسيين وحدهم، بل تشمل النخب الثقافية والإعلامية أيضًا، فالمثقف في المرحلة الانتقالية ينبغي أن يكون مدافعًا عن الحقيقة والحرية وكرامة الإنسان، لا ممثلًا لجماعة أو تيار سياسي، كما يتحمل الإعلام مسؤولية تعزيز ثقافة المواطنة واحترام التنوع بدلًا من تأجيج الاستقطاب وإعادة إنتاج خطاب الكراهية.
وقد كشفت وسائل التواصل الاجتماعي عن جانب مهم من هذا التحدي، فعلى الرغم من أنها وسعت مساحة التعبير لدى معظم السوريين، فإنها تحولت في كثير من الأحيان إلى فضاءات للتشهير والتخوين، حيث أصبح الانتصار على الخصم السياسي أو الاجتماعي أهم من البحث عن الحقيقة أو بناء التفاهم، وهذا يؤكد أن المشكلة لا تكمن في أدوات التواصل ذاتها، بل في الثقافة التي توجه استخدامها.
إن بناء الديمقراطية في سورية يمثل مشروعًا طويل الأمد يتجاوز صياغة الدساتير وتنظيم الانتخابات، ليشمل إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، وبين المواطنين أنفسهم، ويتطلب ذلك إصلاح التعليم والإعلام، وتعزيز استقلال القضاء، ودعم المجتمع المدني، وترسيخ المواطنة المتساوية، إلى جانب تحقيق العدالة الانتقالية وتعزيز المصالحة المجتمعية واستعادة الثقة بالمؤسسات.
إن الدولة السورية لن تستقر بمجرد تغيير الحكومات أو تبديل الإداريين، وإنما حين يشعر كل مواطن بأن حقوقه مصانة بصرف النظر عن انتمائه السياسي أو الديني أو القومي، وأن القانون يمثل المرجعية العليا للجميع، فالديمقراطية ليست مجرد وسيلة لتوزيع السلطات، بل إطار يحول التنوع السوري من مصدر محتمل للصراع إلى مصدر للقوة، ويجعل المنافسة السياسية وسيلة لبناء الدولة لا لهدمها.
وفي النهاية، فإن الديمقراطية في سورية ليست مطلبًا للنخب السياسية ولا برنامجًا انتخابيًا عابرًا، بل ضرورة وطنية لحماية الدولة من التفكك، وصون المجتمع من الاستبداد، وضمان المساواة بين المواطنين. فنجاح سورية في بناء نظام ديمقراطي يقوم على القانون والمواطنة والمشاركة السياسية يمثل شرطًا أساسيًا لتجاوز إرث الاستبداد والصراع، وبناء دولة عادلة وآمنة ومستقرة لجميع السوريين.
