عصام حوج… كاتب. سوري
حوار هادىء مع صديق **
فاتحة الكلام- وحتى لا يلتبس الموقف على أحد- لا بد من الانطلاق من حقيقة أساسية، وهي أن النظام السوري الذي سقط في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 كان قد استنفد، منذ ما قبل عام 2011، كل مقومات بقائه التاريخية. فقد بات عاجزًا عن أداء أهم وظائف الدولة في ادارة التوازن الاجتماعي في السياسة والاقتصاد والإدارة والحريات والعلاقات الدولية، وكان تغييره قد أصبح استحقاقًا وطنيًا ملحًا.
وانطلاقًا من ذلك، كانت الحركة الاحتجاجية السلمية التي بدأت في آذار/مارس 2011 ظاهرة موضوعية ومشروعة، تعكس أزمة عميقة في بنية النظام. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كانت تلك الحركة ثورة مكتملة الأركان؟ وهل يمثل ما تحقق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 انتصارًا لثورة؟ هذا ما نحاول مناقشته هنا.
ما هي الثورة؟
بالمعنى العام، الثورة هي تحول تاريخي نوعي يفتح أمام مجتمع أو دولة آفاقًا جديدة في الاقتصاد والسياسة والثقافة والقيم، بما يعبر عن مصالح الأغلبية الاجتماعية، وينقل المجتمع إلى مرحلة تاريخية أكثر تقدمًا.
فالثورة الفرنسية، على سبيل المثال، لم تكن مجرد إسقاط للملكية، بل مثلت انتصار البرجوازية، بوصفها طبقة صاعدة، على النظام الإقطاعي، وأطلقت مرحلة تاريخية جديدة في أوروبا.
وكذلك الأمر بالنسبة لثورات التحرر من الاستعمار الاجنبي، وبناء الدولة الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية
ومن هذا المنطلق، لا تُقاس الثورة بمجرد تغيير الحكام أو انتقال السلطة، بل بقدرتها على إنجاز المهام التاريخية التي يفرضها الواقع الموضوعي، بصرف النظر عن الموقف من الحزب أو التيار أو الجماعة التي تقودها.
ماذا كانت تقتضي الثورة السورية؟
كان الواقع السوري عشية عام 2011 يتسم بجملة من الاختلالات العميقة، أبرزها:
-فساد واسع النطاق أدى إلى نهب جزء كبير من الثروة الوطنية، حيث كانت تقديرات شبه رسمية تشير إلى أن نحو 40% من هذه الثروة أصبح خارج الدورة الاقتصادية الطبيعية.
-تفكيك تدريجي للدور الاجتماعي للدولة، واتساع رقعة الفقر والتهميش، والانفتاح غير المنضبط أمام رأس المال والاستثمارات الأجنبية والعربية.
-مستوى متدنٍ من الحريات السياسية، تمثل في استمرار حالة الطوارئ والأحكام العرفية، والاعتقال السياسي، وغياب قانون عصري للأحزاب وقانون للإعلام.
-تراجع في مضمون المسألة الوطنية، مع استمرار انتهاك السيادة السورية.
وعليه، فإن أي ثورة سورية كان يفترض أن تعالج هذه الاختلالات، من خلال إنهاء الفساد الكبير، وإعادة توزيع الثروة بصورة أكثر عدالة، واستعادة الدور الاجتماعي للدولة، وتنظيم الحياة السياسية عبر قوانين ديمقراطية تكفل حرية التنظيم والتعبير والتظاهر السلمي، إلى جانب استعادة السيادة الوطنية.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تنعكس هذه المطالب في الشعارات التي رفعتها الحركة الاحتجاجية خلال أشهرها الأولى.
لن نخوض هنا في تفاصيل ما آلت إليه الأحداث لاحقًا، سواء ما يتعلق بسياسات السلطة السابقة، أو بالدور الذي لعبته القوى التي فُرضت ممثلًا سياسيًا للحراك السوري (الائتلاف)، إذ أصبحت تلك المرحلة معروفة إلى حد بعيد. وسنركز بدلًا من ذلك على تقييم ما جرى بعد سقوط سلطة بشار الأسد.
فرصة تاريخية لم تُستثمر
لقد شكّل الفراغ السياسي الذي أعقب انهيار السلطة السابقة فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة السورية، وتصحيح المسار الذي انحرف لعقود.
غير أن هذه الفرصة، حتى الآن، لم تُستثمر بالشكل الذي يحقق أهداف التغيير.
اقتصاديًا
استمر التراجع في الدور الاجتماعي للدولة بوتيرة أسرع مما كان عليه سابقًا، وتزايد نفوذ أمراء الحرب ومراكز القوة الاقتصادية، كما أُعيد تأهيل بعض رموز الفساد المرتبطين بالسلطة السابقة، وواصلت معدلات الفقر ارتفاعها.
وفي الوقت نفسه، استمر التعويل على الاستثمارات الأجنبية والعربية وطرح أصول القطاع العام للبيع، وكأن الأزمة السورية يمكن حلها عبر المزيد من الليبرالية الاقتصادية.
وللتذكير، فقط فإن منح امتيازات للشركات النفطية الامريكية من قبل حافظ الاسد كان بداية النهاية للمشروع التنموي الوطني وتوقف عملية التقدم الاجتماعي في اواسط السبعينيات الذي كان قد جاء ثمرة نضالات اجيال من السوريين منذ معركة ميسلون.
سياسيًا
لا يمكن إنكار وجود هامش أوسع للتعبير عن الرأي والتظاهر مقارنة بالمرحلة السابقة.
غير أن هذا التطور يبدو أقرب إلى كونه نتيجة لميزان القوى الجديد، وأمر واقع، والعمل بمبدأ (دعهم يقولون ما يريدون ونحن نفعل ما نشاء) فحتى الآن لم يصدر قانون حديث للأحزاب، ولم تُنظم الحياة السياسية على أسس ديمقراطية مستقرة، كما أن مؤتمر الحوار الوطني جاء على عجل، من دون أن يؤسس لعقد اجتماعي جديد.
أما شعار “من يحرر يقرر”، إذا تحول إلى قاعدة دائمة للحكم، فإنه يستبدل الشرعية الديمقراطية بشرعية القوة، وهو ما يتناقض مع أي مشروع ديمقراطي حقيقي.
أما على صعيد استعادة السيادة الوطنية فحدث ولا حرج.
باختصار، ما زالت الصورة بعيدة عن تحقيق الهدف الذي نادت به الحركة الاحتجاجية في بداياتها، لا بل حدث تراجع في مجالات عديدة.
وتضاف إلى ذلك مظاهر خطيرة، مثل تصاعد الخطاب الطائفي، والانتهاكات والجرائم التي شهدتها مناطق الساحل والسويداء، وهي كلها عوامل تهدد بتبديد فرصة التغيير التي أتاحها سقوط رأس السلطة.
عوداً على بدء
إن القول بأن ما جرى لم يكتمل بوصفه ثورة، لا يعني بأي حال من الأحوال، الانتقاص من مشروعية الحركة الاحتجاجية السلمية التي انطلقت عام 2011، ولا الانتقاص من التضحيات الجسيمة التي قدمها السوريون خلال العقود الماضية، قمعاً وفساداً ودماراً وقهراً ونزوحاً ولجوءاً، كما أنه لا يعني تبني موقف معادٍ للتغيير، بل على العكس، هو دعوة إلى استكمال المهام التي لم تُنجز بعد، وتحقيق أهداف السوريين في العدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والسيادة الوطنية، وبناء دولة حديثة تعبر عن مصالح أغلبية مواطنيها.
وإذا أردنا توصيف الحالة السورية من منظور علمي، فيمكن القول إن سوريا كانت تعيش وضعاً ثورياً، لا ثورة منجزة. والوضع الثوري، بحكم تعريفه ومعناه، لا يقود بالضرورة إلى الثورة، فقد ينتهي إلى ثورة فعلية، أو إلى ثورة مضادة، أو إلى تسوية تاريخية تقع بين هذين الاحتمالين.
**كتبت هذه المقالة بعد ندوة ظهر فيها خلاف حاد حول المشهد السوري الراهن، مع مجموعة من الأصدقاء ممن يعتبرون أنفسهم أنصار السلطة المؤقتة، لم يسمح الوقت في حينه بعرض كل الأفكار