من يقرأ كتاب “سورية: الدولة المتوحشة” الذي صدر للمرة الأولى بالفرنسية عام 2012، ثم تُرجم وصدر بالعربية عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر عام 2017، يجد إجابات عديدة وموثقة للسؤال الذي يُطرح حتى الآن: لماذا وصلت سورية إلى هذه الدرجة من الدمار والخراب والفقر والعُنف والانهيار الاقتصادي والمعيشي الخانق؟
لقد كشف هذا الكتاب الذي ألّفه الباحث وعالم الاجتماع الفرنسي ميشيل سورا، وترجمه مارك بيالو وأمل سارة، مبكرًا الحقائق وواقع اختطاف الدولة من السوريين، وبنية وحقيقة النظام الأسدي العميقة، الذي نهب موارد البلاد ووضعها في خدمة سلطته وأجهزته وحاشيته وأتباعه بعد أن جرّد الناس من حقوقهم. واستبق فيه المؤلف الأحداث في تحليلاته واستنتاجاته، كما ذكر الدكتور برهان غليون، أستاذ علم الاجتماع السياسي في تقديمه له، مضيفًا أنه: “كشف العلة الرئيسة لهذا النظام الذي امتهن القمع وسيلة للحكم. وجعل السلطة عدوًا للشعب وأداة لقهره وإذلاله”.
هو مجموعة دراسات ومقالات كتبها مؤلفه على مدى سنوات بعد أن اندمج بالمجتمع السوري، وعاش الواقع في سورية ولبنان لفترات طويلة. وهو أيضًا تفكيك علمي وأنثروبولوجي وتاريخي لبنية النظام السوري والمجتمع في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين. فسّر الآليات والمبادئ الأولى لتأسيس نظام الأسد الأب وأساليب حكمه وتعامله مع الرأي العام العربي والدولي، وتناول إرهاب الدولة وسياسة القمع في التصدي للحركات الاحتجاجية، وكان الكاتب فيه من قلائل الليبراليين اليساريين الذين أدركوا أن النظام يتأرجح ما بين الاشتراكية واقتصاد العائلة، وادّعاء العلمانية والتحريض الطائفي الذي يضمن له الاستمرار. وقد لامس في موضوعاته أبرز ملامح الأزمة والتراجيديا السورية التي فجّرت الثورة عام 2011، وكان أول من اقترب من جوهر الاستبداد الأسدي، ودفع حياته ثمنًا لذلك بعد اختطافه في بيروت في أيار/ مايو عام 1985، وإعدامه فيما بعد على يد منظمة الجهاد الإسلامي، أحد الأوجه المستترة لحزب الله آنذاك.
اكتشف سورا منذ مقالاته الأولى أن نظام حافظ الأسد لا يسعى لبناء دولة أو أمة، ولا لإقامة العدالة الاجتماعية، وإنما لتأسيس سلطة مطلقة وتأمين وسائل القوة للدفاع عنها. ولم تخدعه شعارات التقدمية والاشتراكية، والعِداء لـ”الإمبريالية” التي كان يدّعيها كل يوم.
اكتشف تبني الأسد لمفهوم “العصبية الخلدونية” نسبة إلى الفيلسوف والعالم والمؤرخ ابن خلدون الذي يرى أنها الشرط الأول من شروط التداول الطبيعي على السلطة أو نشوء “مُلك جديد”، ومن دونها- أي العصبية- لن يكون للسلطة عصب لأنها تحوّل الأفراد إلى جماعة متحدة وقادرة على التصرف كقوة متماسكة. وذكر سورا أن الاستيلاء على الحكم بالقوة ارتكز عند النظام السوري على اعتماده على الأقليات، وخاصة “الطائفة العلوية” من خلال نظام الولاءات العشائرية والعائلية للسيطرة على الأغلبية الساحقة من الشعب. وهنا لا بد أن نذكر أن عصب السلطة عند الأسد الأب كان يتم تشكيله فعلًا على أسس طائفية، ولكن مع مراعاة تعيين الضباط والوزراء وغيرهم من مكونات مختلفة في العديد من المناصب بصلاحيات محددة وشكلية، في الوقت الذي كان القرار فيه محتكرًا من رأس النظام الذي يمثل سلطة الفرد القوية والمتحكمة بكل شيء، والواقع أن الأسدين، الأب والابن، صادرا هذه الطائفة بأساليب الترهيب والترغيب والتحريض على الآخر وإثارة المخاوف منه، وربطا مصيرها بمصيرهم الشخصي لتدفع أثمانًا باهظة لحماية هذا النظام الذي قدم نفسه دائمًا كحامٍ للأقليات، ولا سيما بعد انطلاق الثورة السورية، وبالتالي أعاد الناس إلى مرحلة ما قبل الدولة: “منذ عشرين سنة كنا ناصريين. شيوعيين. بعثيين. أو قوميين عربًا. واليوم نحن سُنة. مسيحيون. علويون. دروز وغيرهم”، كما قال سورا، الذي رأى أن النظام استمر واستقر بسبب استخدامه للطائفية تحت شعار العروبة والوطنية. وهنا أغفل دور الكثيرين من الطوائف المختلفة الذين دعموا هذا النظام وكانوا من حاشيته، والدور الإقليمي والدولي، ودور المؤسسات الأمنية والعسكرية وغيرها من الأسباب التي أدت لاستمراره طويلًا.
| رأى سورا أن النظام استمر واستقر بسبب استخدامه للطائفية تحت شعار العروبة والوطنية (Getty) |
أسهب الكاتب أيضًا في الحديث عن التركيبة الطائفية والعرقية في سورية، وعن جماعة “الإخوان المسلمين” التي رأى أنها تنطبق عليها القواعد ذاتها لنظرية الحكم لدى ابن خلدون، وأنها ونظام الأسد يمثلان مظاهر ما قبل الدولة. وأن العصبية هي ما جمعت عددًا كبيرًا من الضباط حوله، وجعلته وهو “القومي العلماني” كما يدّعي، يتحالف مع الثورة الإسلامية في إيران، ومع: “رجل الدين الشيعي موسى الصدر في لبنان. والمعارضة العراقية. لتشكيل هلال شيعي يخنق دول الخليج”.
ركّز سورا على العنف والتوسع في إنتاجه والذي: “بقي الثابت والحاضر في سياسة النظام وتعامله مع الداخل والخارج”. وذلك بموازاة تحول هذا “المُلك” من سياسي إلى وراثي. ورصد أصول العنف الممنهج بشكل عام في الشرق الأوسط، مؤكدًا على الوحشية التي واجه بها نظام حافظ الأسد “انتفاضة الثمانينيات” وتحويله الاحتجاجات المدنية والنقابية إلى مواجهة دامية مع السلطة و”جماعة الإخوان المسلمين”. ووثق سياسات القتل والاجتياح العسكري للمدن، حماة مثلًا، معتبرًا أن ذلك ليس طارئًا بل طبيعة أساسية للبقاء بالسلطة وإدخال المجتمع السوري في حالة من الرعب الأبدي والموت السياسي، بعد حل النقابات والهيئات الاجتماعية وتشكيل الميليشيات المسلحة، والبدء بمرحلة المجازر للتصدي “للحلف الرجعي”. والقيام بحملات اعتقالات واسعة للمعارضين لسياسة “الأب القائد” بغياب تام للدولة التي تحولت إلى أداة لإنتاج العنف ومناصرته، وتواطؤ واضح وصريح من المجتمع الدولي الذي رأت صحافته الغربية آنذاك أن ما حدث في حماة وغيرها شر لا بد منه، لإزاحة شبح الخمينية عن بلاد الهلال الخصيب، دون أن تنسى شجب العنف والتنديد به. وبوجود أحزاب سورية منضوية تحت “الجبهة الوطنية التقدمية”.
والحقيقة أن النظام الأسدي خلال عقود حكمه افتقر للحلول السياسية، وكان يدرك تمامًا أن أي تنازل سياسي أو إصلاحات جذرية تعني نهايته وفقدانه السيطرة، وهذا ما يفسر اللجوء الدائم للخيارات العسكرية الأمنية واللجوء للقتل والاعتقالات والتعذيب الوحشي وقصف المدن والبلدات وحمامات الدم والتضليل الإعلامي والخطاب الطائفي المُعلن والمستتر، إضافة إلى المتاجرة بقضية التطرف واستثمار الحركات الإسلامية لما فيه مصلحة النظام، وهذا ما فعله بشار الأسد بداية الثورة السورية حين أفرج عن بعض المعتقلين الإسلاميين المتهمين بالإرهاب ليحملوا السلاح فيما بعد ويشكلوا فصائل مسلحة لعسكرة الثورة وتخويف المجتمع الدولي وتبرير المقتلة السورية التي لم يُحاسب عليها أحد حتى اليوم. لقد كان النظام خلال أكثر من خمسين عامًا يريد الاستيلاء والسيطرة على البلاد والعباد، ولذلك كانت شعارات قواته ومواليه: “الأسد أو لا أحد” و”الأسد أو نحرق البلد” في عهد الوريث بعد انطلاق الثورة السورية.
حضور حزب البعث
كان لحزب البعث حضور كبير في هذا الكتاب، إذ اعتبره المؤلف “الواجهة المدنية للنظام الحاكم” والغطاء السياسي له. نشأ هزيلًا في الأرياف بعيدًا عن المدنية السورية، لضرب المدن وتقزيم دورها والحكم عن طريق البطش والطغيان، وتسويق سياسة الأسد الأب والتصفيق لها كما ذكر. وهذا ما حدث مثلًا خلال المؤتمر القطري السابع للحزب عام 1979، عندما أعلن رفعت الأسد أمام الجميع استعداده “لقتل مليون إنسان” في مقابل استمرار الثورة كما ادّعى. وحدث ذلك فيما بعد في تبريرات الحزب للحرب الوحشية التي شنها بشار الأسد على الشعب السوري الثائر، وتصفيقه للمجازر التي ارتكبها نظامه وأجهزته القمعية وحلفاؤه، ولاستخدامه السلاح الكيماوي ضد المدنيين والأطفال والنساء.
وهنا لا بد أن نذكر أن حزب البعث بدأ من المدينة، وتحديدًا في العاصمة السورية دمشق، حيث عقد مؤتمره التأسيسي الأول في مقهى الرشيد في نيسان/ أبريل عام 1947، وقاده مؤسسون مثل ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وشخصيات أخرى فكرية وسياسية من مدن مختلفة، ولكنه انتشر فيما بعد ريفيًا وعسكريًا في الساحل ودير الزور ودرعا وريف حماة وغيرها وفق سياسة مدروسة وممنهجة.
حلل ميشيل سورا في كتابه أيضًا كيف أصبح الجيش جزءًا من البنية الحاكمة، وليس مؤسسة تابعة للدولة، وتحول مع الأجهزة الأمنية إلى مدافع شرس عن السلطة لا عن الشعب والدولة وحدود البلاد، وذلك بعد أن عمل النظام على عسكرة الدولة والمجتمع وخاض صراعًا دمويًا مع “الإخوان المسلمين” مستندًا إلى ضوء أخضر إقليمي ودولي. وهذا ما تكرر خلال الأربعة عشر عامًا الماضية، حيث قام الأسد الابن بعسكرة المؤسسات المدنية، “الإعلامية- الثقافية- الصحية- التعليمية”، وحولها إلى مشارك مادي ومعنوي في الجرائم وعمليات القتل والتعذيب والنهب والفساد، وحول معها البلاد بالكامل إلى سجن كبير مغلق يعجّ بالشبيحة والمجرمين وشبكات الولاء الأعمى والفساد والمقابر الجماعية والانتهاكات الجسيمة، وهذا ما عزز الطابع الأمني والوحشي للسلطة.
كشف المؤلف عمق العلاقة بين النظام والولايات المتحدة الأميركية التي ادّعى محاربتها، وذهب إلى أبعد من ذلك عندما قال بأن حافظ الأسد جاء إلى الحكم بتوافق أميركي- سوفياتي، وراح يمارس لعبة الابتزاز السياسي وتعزيز قبضته على الداخل وبعض الملفات الإقليمية للبقاء في الحكم.
كما توقف مطولًا عند محاولات النظام الأسدي المتواصلة لإحكام سيطرته على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ومؤسساته، واحتكار حق تمثيلها وتمثيل القومية العربية، واعتبارها ورقة رابحة يتلاعب بها ويُبرزها حسب مصالحه وسياساته، مشيرًا إلى تبادل الأدوار نفسها بينه وبين إسرائيل، لتصفية رموز النضال الفلسطيني في لبنان والعالم، وتهجير وتركيع الشعب الفلسطيني من خلال الحروب والمجازر، مؤكدًا خيانته للقضية الفلسطينية وتسليمه الجولان والقنيطرة للصهاينة: “كانت نكسة حزيران/ يونيو عملية سياسية رائعة لمصلحة النظام البعثي الذي أصبح بذلك وبعد موت عبد الناصر حاملًا مشعل الحرية”، وذلك بعد أن جعل القضايا الوطنية والقومية سلعة للتجارة داخليًا وخارجيًا كما هو معروف.
بالعموم أكد الكاتب في مقالاته أن النظام الأسدي كان قمعيًا وطائفيًا، قوّض أسس الدولة السياسية، ونهب البلاد وأفقر أهلها، معتبرًا المدرسة الرحم الأساسي للمجتمع السوري، رغم كل التغييرات الجذرية الاستبدادية في مناهجها والتضييق على كوادرها. وتحدث عن تزييف المجتمع و”الشبيبة” الذين يدخلون المدارس والكليات بأسلحتهم لترهيب الطلاب والأساتذة، ويدرسون في الجامعات من دون تحقيق المعدل المطلوب، ما أفرز جيلًا من الجهلة حاملي الشهادات.
وحظي كتاب “سورية: الدولة المتوحشة” باهتمام واسع من القرّاء والباحثين والنقاد، لكن تقييمه اختلف باختلاف الخلفيات الفكرية والسياسية والأيديولوجية لهم. وبالرغم من تعدد الآراء حوله يبقى من أهم المؤلفات التي حللت بنية النظام في وقت مبكر، والتي اعتمدت على المنهج السوسيولوجي والعمل الميداني على أرض الواقع. ولكن يؤخذ عليه أنه ركز بدرجة كبيرة على البعد الطائفي والعصبية في تفسير بنية النظام وسيرورته، واختزل عوامل سياسية- اقتصادية- أيديولوجية- دولية وإقليمية ساهمت في استمراره لعقود طويلة رغم كل ما ارتكبه من جرائم بحق السوريين والعرب.
ولكن يبقى هذا الكتاب مرجعًا هامًا في علم الاجتماع السياسي وتحليل سلطة الأسد الأب، يمثل وجهة نظر صاحبه وليس وثيقة للتاريخ السوري، الذي حوّل النظام الأسدي البلاد خلال عقود منه إلى مزرعة خاصة تحرسها العصابات والمافيات، يسعى السوريون اليوم إلى تحويلها إلى وطن لهم جميعًا، تسوده العدالة وحقوق المواطنة والحريات والتنمية.