ملخص
يرى الكاتب أن حلفاء واشنطن في آسيا نجحوا في التكيف مع نهج ترمب القائم على الصفقات، فقبلوا تنازلات مقابل استمرار المظلة الأمنية الأميركية في مواجهة الصين. في المقابل، لا تزال أوروبا تراهن على النظام الدولي التقليدي، على رغم تراجع مكانتها وتزايد الضغوط الأميركية، مما يجعلها أقل استعداداً للتعامل مع موازين القوى الجديدة.
أوروبا الغربية ما زالت تترنح تحت وطأة نهج الرئيس الأميركي دونالد ترمب القائم على الصفقات، والأحادية، وعدم القدرة على التنبؤ. فقد أثار الرئيس الأميركي حفيظة حلفاء بلاده في القارة، إذ لا يُبدي كثيراً من الاعتبار لتحالفات امتدت عقوداً، ولا يكترث بالإرث الطويل للتعاون عبر الأطلسي. وفي برلين ومدريد وباريس وغيرها من عواصم أوروبا الغربية، يجد القادة أنفسهم بين خيارين: إما محاولة احتواء الأخطار التي يمثلها رئيس يتبنى نهجاً تصادمياً في واشنطن، أو تأجيل القرارات الصعبة المتعلقة بكيفية التكيف، على أمل أن يصل إلى البيت الأبيض رئيس أكثر ودية في عام 202
وتشعر اليابان والفيليبين وكوريا الجنوبية وتايوان وتايلاند أيضاً بالقلق من ترمب. بيد أن حلفاء الولايات المتحدة الآسيويين كانوا أقل تشاؤماً بكثير من نظرائهم الأوروبيين. فهم يرون المجازفات أيضاً، بيد أنهم يركزون على اغتنام الفرص الفريدة التي تنشأ من الاضطرابات التي يتسبب ترمب بحصولها. ويعتقد حلفاء الولايات المتحدة الآسيويون، أن قبولهم نهج إدارة ترمب “أميركا أولاً”، سوف يعود عليهم بمزايا خاصة، مثل ضمانات أمنية أقوى وتعاون في قطاعات تشمل الذكاء الاصطناعي ومعالجة المعادن الحيوية.
إن استعداد الحلفاء الآسيويين للعمل مع ترمب وفق الشروط التي يضعها، ينبع من شعور بالضعف لا يشعر به الحلفاء الأوروبيون كما لا يفهمونه. ويتعين على حلفاء الولايات المتحدة في آسيا أن يتعاملوا مع تهديد فريد من نوعه من قبل الصين، وهي القوة الاقتصادية العظمى التي تملك أقوى جيش في آسيا وتتطلع إلى استعادة هيمنتها الإقليمية. ويُعتبر وجود الولايات المتحدة والأمن الذي يمكن أن توفره هما الضمانة الوحيدة لهذه الدول في مواجهة الهيمنة الصينية. وهي على استعداد لقبول صفقات غير متكافئة من واشنطن لأنها تدرك أن تلقي الأوامر من بكين أمر أسوأ بكثير. أما دول أوروبا الغربية، فهي على النقيض من ذلك، قد أظهرت ازدراءً واضحاً لقوة أميركا وثقافتها، وكانت غير راغبة في الإقرار بأن كثيراً من التحولات التي تشهدها واشنطن ناجمة عن تغيرات هيكلية عميقة وليست مجرد انعكاس لنزوات الرئيس الشخصية. لم يعد من المنطقي للولايات المتحدة أن تسمح لأوروبا الغربية بلعب دور محوري في تحديد قواعد النظام العالمي ومعاييره، لأن قوى صاعدة مثل الصين تستغل هذه القواعد والمعايير على حساب الولايات المتحدة.
وقد انعكس هذا التباين في المواقف بين آسيا وأوروبا على قدرة كل من القارتين على التعامل مع ترمب والنظام الدولي الذي أسهم في إعادة تشكيله. فقد وجد أبرز حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا الغربية، ولا سيما بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والبرتغال وإسبانيا، أنفسهم غير مستعدين عندما تخلت واشنطن عن نهجها التقليدي في قيادة النظام الدولي باعتباره مسؤولية جماعية لا صفقة قائمة على تبادل المصالح. أما حلفاؤها في آسيا، فكانوا أكثر استعداداً لهذا التحول. فالحكومات الآسيوية تتعامل مع العالم كما هو، في حين لا تزال حكومات أوروبا الغربية تنظر إليه كما كان، أو كما تتمنى أن يكون. وفي عالم يتزايد فيه نفوذ الصين، يرجح أن يسهم استعداد حلفاء الولايات المتحدة في آسيا للتعامل مع واشنطن وفق معطيات الواقع الجديد في جعلهم أكثر قوة وأمناً من القوى الأوروبية.
قريب أكثر مما ينبغي
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، استمتعت أوروبا الغربية بثمار السلام. وتصرفت دول هذه المنطقة وكأنها غير معرضة إلى أي تهديدات أمنية أو وجودية خطرة. وحتى بعدما شرع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في توسعه إلى جهة الغرب، وهو تطور استهله بضم شبه جزيرة القرم التابعة لأوكرانيا عام 2014، ترددت القوى الكبرى في أوروبا الغربية في الاستثمار في أمنها. وبحسب بيانات جمعها “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام”، فإن الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بقي راكداً إلى حد بعيد في الدول الأربع التي تعتبر الأكبر من جهة الإنفاق العسكري في غرب أوروبا القارية، أي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، وذلك خلال الفترة من 2014 إلى 2019. ازداد الإنفاق بصورة بطيئة بعد عام 2019، من دون أن تبدأ هذه الدول في معالجة الحاجة إلى تعزيز دفاعاتها بصورة جدية إلا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
وبدلاً من الاستثمار في قواتها المسلحة، أعطت دول أوروبا الغربية الأولوية في تخصيص مواردها إلى أنظمة الرفاه الاجتماعي الواسعة. فهي تنفق أكثر من كثير من البلدان الأخرى على برامج من قبيل المعاشات التقاعدية، والرعاية الصحية، وإعانات البطالة، ومدفوعات العجز. وعام 2024، وطبقاً لتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، صرفت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا 27.9 في المئة، و30.6 في المئة، و27.6 في المئة، و25.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، على التوالي، على برامج الإنفاق الاجتماعي العام. وبلغ متوسط الإنفاق الاجتماعي العام بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تضم 38 دولة ذات دخل مرتفع ومتوسط ملتزمة تطبيق الديمقراطية ونظام اقتصاد السوق، 21.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وإذا كان للقوى الكبرى في أوروبا الغربية أن تفي بالتزاماتها الدفاعية، علماً أن ألمانيا تخطط لإنفاق 3.5 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2029، فستحتاج إلى خفض إنفاقها الاجتماعي العام. لكن لا يوجد دليل واضح حتى الآن على أنهم يخططون للقيام بذلك.
تمكنت دول أوروبا الغربية من إعطاء الأولوية للرفاه على حساب الأمن، لأنها ظلت بمنأى عن التهديدات المباشرة. فقد وفرت لها أوروبا الشرقية عمقاً جغرافياً عازلاً، بينما وفر حلف شمال الأطلسي (الناتو) مظلة مؤسساتية تُلزم الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة في العالم، الدفاع عن حدودها. وفي ظل هذا الإحساس بالأمان، ترسخ لدى دول أوروبا الغربية اعتقاد بأنها الحارس الأمين للنظام الدولي المستقر والمتحضر الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
أعطت دول أوروبا الغربية الأولوية لأنظمة الرفاه الاجتماعي على حساب الأمن
على رغم حجم اقتصادها الضخم، فإن أوروبا ليست جهة رئيسة في توفير الأمن. فهي تصدر الأعراف والمعايير والقواعد والقوانين بسبب دورها المركزي في المؤسسات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة ولأن الاتحاد الأوروبي يمثل أحد أكبر أسواق العالم من جهة الناتج المحلي الإجمالي والقوة الشرائية. حتى إن هناك مصطلحاً، هو “تأثير بروكسل”، يستخدم لوصف قدرة الأنظمة والقواعد التنظيمية الأوروبية على التمدد إلى ما وراء حدود القارة. وعندما يزور مسؤولون ومتخصصون أوروبيون آسيا، فإنهم يؤكدون أن أوروبا قوة عظمى معيارية وتنظيمية وليست قوة عسكرية.
إن أجندة ترمب “أميركا أولاً” تمثل هجوماً مباشراً على المشروع الأوروبي في مرحلة ما بعد الحرب. ويزعم أنصارها أن الولايات المتحدة قد أهدرت رأس مال وموارد اكتسبتها بشق الأنفس في السعي إلى تحقيق مبادئ ليبرالية وعالمية مثالية، أو على حد تعبير ترمب، فإن بلاده “تعرضت للسرقة” من قبل حلفائها. ومن وجهة النظر هذه، أصبحت الولايات المتحدة أضعف، وأقل مرونة، وأكثر انقساماً على الصعيد الاجتماعي بسبب رغبتها التي كانت في غير محلها لكي تكفل بمفردها تقريباً نظاماً يفيد الآخرين أكثر من الولايات المتحدة.
ويعترف الأوروبيون بأن المؤسسات العالمية تفتقر إلى الكمال. بيد أنهم يرفضون مبدأ “أميركا أولاً” ويعتقدون أن هذه المؤسسات التي تعاني الخلل هي كل ما يمنع العالم من الانزلاق إلى الفوضى. وفي عواصم الدول في أنحاء أوروبا الغربية كافة، يُنظر إلى القيام بدور كبير في هذه المؤسسات بوصفه أمراً يدعو للفخر، وليس شيئاً يستوجب الاعتذار عنه. ولا تزال الدول الأوروبية تحتفظ بقدر كبير من النفوذ والامتيازات في المؤسسات الدولية، ولا سيما عندما تعمل معاً ككتلة متماسكة. ولكي تحافظ أوروبا الغربية على أهميتها وتكون وفية لقيمها، يتعين عليها أن تمنع حصول انقسامات خطرة داخل الاتحاد الأوروبي وأن توجه نفوذها الجماعي عبر المؤسسات ذاتها التي يهاجمها ترمب.
القوة العظمى في الجوار
ويدعم حلفاء الولايات المتحدة في آسيا أيضاً النظام القائم على القواعد. بعد إعادة انتخاب ترمب، عام 2024، تبنى دبلوماسيون يابانيون فكرة رئيس الوزراء السابق شينزو آبي حول منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة، وهو مفهوم يتمحور حول التزام القانون الدولي والتجارة الحرة والاستقرار الإقليمي. وقد أيدت الفيليبين، وكوريا الجنوبية، وتايوان هذه الفكرة بصورة صريحة أيضاً.
غير أن حلفاء واشنطن الآسيويين أقل أماناً بكثير من أصدقائها الأوروبيين. لقد كانت آسيا مركزاً للتقدم الاقتصادي، ولكن ليس لدى المنطقة مؤسسات أمنية حقيقية متعددة الأطراف. ولتعظيم نفوذها، قامت الولايات المتحدة ببناء مجموعة من التحالفات الثنائية بضمانات أمنية غامضة بدلاً من بناء نظام أمني جماعي مماثل لحلف الناتو. وقد أنشأت الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون، على امتداد العقد الماضي، آليات لتنسيق الاستراتيجية والسياسة الاقتصادية، بما في ذلك منظمات مثل “كواد”، التي تتألف من أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة. إلا أن “كواد” لا تفرض أي التزامات أمنية على الولايات المتحدة أو الأعضاء الآخرين التي يمكن أن تطمئن حلفاء الولايات المتحدة بصورة كاملة.
وإن التزامات الولايات المتحدة في المنطقة أيضاً غير محددة بوضوح، الأمر الذي يزيد من حال عدم اليقين. فكل إدارة جديدة في واشنطن تحدد بنفسها ما قد يشمله كل تحالف ثنائي على حدة. ويتمتع الرؤساء بمرونة كبيرة في اتخاذ القرار بخصوص السيناريوهات التي تستدعي الحماية الأميركية، ومتى يجب أن يُترك الحلفاء وشأنهم لكي يدافعوا عن أنفسهم.
ونتيجة لذلك، أصبحت تحالفات الولايات المتحدة في آسيا أكثر خضوعاً لمنطق الصفقات من نظيراتها في أوروبا. فمع كل رئيس أميركي جديد، يجد حلفاء واشنطن في آسيا أنفسهم مضطرين إلى إثبات قيمتهم وولائهم من جديد. وفي غياب اتفاق أمن جماعي يضم الولايات المتحدة، يسعى كل حليف آسيوي إلى تعظيم الضمانات الأمنية التي يمكن أن يحصل عليها في إطار التحالف الثنائي الذي يربطه بواشنطن، على رغم أن شروط هذه التحالفات صيغت عمداً بصورة ملتبسة، وتخضع لتغييرات متكررة من جانب الولايات المتحدة.
فعلى سبيل المثال، نص “مبدأ” غوام الذي أعلنه الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عام 1969، على أن يتحمل الحلفاء في آسيا المسؤولية الأساسية في الدفاع عن أنفسهم ضد أي هجوم تقليدي، وهو ما كان بمثابة تراجع عن مظلة أمنية أميركية أكثر شمولاً كانت قائمة من قبل. أما اليوم، فتتبع واشنطن إزاء تايوان سياسة الغموض الاستراتيجي، وهي سياسة تعمد صانعوها أن تكون غير واضحة حول ما إذا كانت واشنطن ستدافع عن الجزيرة في حال شنت الصين هجوماً عليها. ولذلك، يضطر كل زعيم تايواني جديد إلى تخمين ما يعنيه هذا الغموض الاستراتيجي بالنسبة إلى الإدارة الأميركية الحالية. وهكذا، فإن العلاقات بين الحكومات الآسيوية وواشنطن تقوم على تفاوض مستمر بدلاً من استنادها إلى التزامات مؤسسية راسخة، وهو ما يجعل كل تعيين جديد في الإدارة الأميركية، ولا سيما في المناصب الوزارية أو المتعلقة بالأمن القومي، مصدراً جديداً للقلق والترقب.
حلفاء واشنطن الآسيويون أكثر انكشافاً أمنياً من أصدقائها الأوروبيين
يواجه الحلفاء الآسيويون واقعاً إضافياً وهو صعود الصين الذي يُشكل تهديداً أكبر لهم من أي شيء ينبغي على أوروبا أن تتعاطى معه. تسهم الصين بنحو نصف الناتج الاقتصادي الآسيوي الكامل، وتنفق في كل عام على الدفاع أكثر مما تنفقه كل دول آسيا الحليفة للولايات المتحدة مجتمعة. ولا تزال روسيا تُشكل تهديداً بالنسبة إلى أوروبا، بيد أن نفوذها يتضاءل مقارنةً بنفوذ الصين. ويبلغ حجم الاقتصاد الروسي نحو عُشر حجم اقتصاد أوروبا الغربية تقريباً، وثلث إنفاقها العسكري.
كلما كانت الولايات المتحدة أقوى وكلما كانت أكثر استعداداً لاستخدام القوة العسكرية، تعززت صدقية الردع الأميركي بالنسبة إلى الحلفاء الآسيويين وشعروا بمزيد من الأمان. لقد أثارت حرب ترمب على إيران قلق الدول الآسيوية التي تعتمد على النفط المستورد الذي يجري شحنه عبر الشرق الأوسط. إلا أنهم شعروا بالقدر نفسه من الانزعاج الشديد عام 2013، عندما أثبت الرئيس الأميركي باراك أوباما عدم استعداده لتنفيذ “تهديده” الذي كان قد أعلنه بنفسه بعدما استخدم الرئيس السوري بشار الأسد الأسلحة الكيماوية لمهاجمة خصومه خلال الحرب الأهلية في بلاده، أو حين لم يبذل أوباما جهداً يُذكر للتصدي لإقدام الرئيس الصيني شي جينبينغ على عسكرة الجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي على رغم التأكيدات الشخصية التي قدمها شي بأنه لن يفعل ذلك.
ولأن حلفاء واشنطن في آسيا عايشوا صعود الصين كقوة أكثر هيمنة وإكراهاً، فإنهم يتقبلون فكرة أن استقرارهم لا يمكن أن يستمر من دون مظلة قوة أميركية قادرة على استخدام القوة، بما في ذلك القوة العسكرية عند الضرورة. ومن هذا المنطلق، يرون أن المؤسسات والقواعد والقيم التي تدافع عنها أوروبا الغربية تأتي في مرتبة تالية للقوة نفسها. فالسؤال المطروح في آسيا ليس ما إذا كان ينبغي الاحتكام إلى القواعد، بل أي قوة ستكون صاحبة اليد العليا: الولايات المتحدة أم الصين، ومن ثم أي منظومة من القيم والقواعد ستفرض نفسها.
وتنسجم هذه الرؤية الواقعية إلى حد كبير مع فلسفة “أميركا أولاً” التي تحرك إدارة ترمب. وبينما تعارض أوروبا هذا المنظور لأسباب ثقافية وسياسية وأيديولوجية، ترى الدول الآسيوية أنها قادرة على التكيف مع نهج ترمب القائم على منطق الصفقات، والمنطلق من تعريف ضيق للمصالح الأميركية، من دون أن تضطر إلى إعادة صياغة قيمها السياسية، أو تغيير استراتيجياتها، أو إعادة تشكيل رؤيتها للعالم بصورة جذرية.
التزم الهدوء وامضِ قدماً
يستجيب الحلفاء الآسيويون والأوروبيون بشكل مختلف للنهج الجديد الذي تتبعه واشنطن. فقد سعت دول أوروبا الغربية إلى “تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة”، إذ وضعت خططاً لعزل اقتصاداتها عن اللوائح التجارية الأميركية وتقليص اعتمادها على التقنيات الأميركية في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية للحوسبة السحابية، والفضاء. وفي تحد للانتقادات الأميركية، اقترح الاتحاد الأوروبي في يونيو (حزيران) الماضي سياستين جديدتين، وهما قانون “تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي” وقانون “الرقائق الإلكترونية 2.0″، وذلك لتقليل الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأميركية من خلال حث الحكومات لكي تفضل مزودي الخدمات الأوروبيين على البدائل الأميركية. وعندما تضطر دول أوروبا الغربية الحليفة للولايات المتحدة إلى التعامل مع واشنطن، فإنها تسعى جاهدة للعمل بوصفها كتلة أوروبية متماسكة. إن سوق الاتحاد الأوروبي الموحدة والمشتركة توفر لدولها الأعضاء نفوذاً أكبر بكثير عند التعامل مع الولايات المتحدة مقارنةً بما يتمتع به كل من الحلفاء الآسيويين على حدة.
على النقيض من ذلك، يكاد ينعدم الحديث بين حلفاء الولايات المتحدة في آسيا عن النأي بأنفسهم عن الولايات المتحدة أو تشكيل جبهة جماعية موحدة. فقد اتبعت كل دولة آسيوية تقريباً نهجاً قائماً على منطق الصفقات في التعامل مع ترمب رداً على ما يُسمى برسوم “يوم التحرير” الجمركية التي أعلنها في أبريل (نيسان) 2025. وعلى رغم أن القادة الآسيويين والأوروبيين على حد سواء قد رفعوا أصواتهم ضد هذه الرسوم التي جادلوا بأنها تنتهك قواعد واتفاقات التجارة القائمة، وأنها غير عادلة وتؤدي إلى نتائج عكسية، فإن الزعماء الآسيويين شرعوا على الفور في إجراء مفاوضات ثنائية مع إدارة ترمب. لم يكن بوسعهم إضاعة الوقت في التأسف على نهاية النظام التجاري القديم، بل بدأوا في العمل على إبرام صفقات من شأنها أن توفر لهم أسعاراً أقل في النظام الجديد.
وقعت اليابان، وهي أقوى حلفاء الولايات المتحدة وأكثرهم نفوذاً في آسيا، اتفاقاً تجارياً مع ترمب في يوليو (تموز) 2025 اشتمل على اتفاق لاستثمار 550 مليار دولار لإعادة بناء وتوسيع الصناعات الأميركية في قطاعات مثل الوقود الأحفوري، وأشباه الموصلات، ومعالجة وتكرير المعادن الحيوية، والصناعات الدوائية. وكبادرة إضافية على سبيل الاحترام لترمب، ربطت طوكيو هذا الاستثمار بصورة صريحة بتنشيط القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية.
وسلكت كوريا الجنوبية نهجاً مشابهاً. فقد فرضت إدارة ترمب رسوماً جمركية بنسبة 25 في المئة على الواردات الكورية الجنوبية، في خطوة خالفت اتفاق التجارة الحرة الثنائية الساري بين البلدين منذ عام 2012. لكن سيول لم تهدد بالرد، فضلاً عن أنها لم تفرض إجراءات مضادة. وبدلاً من ذلك، أوفدت مسؤولين كباراً إلى واشنطن للتوصل إلى اتفاق مع ترمب، في خطوة دبلوماسية رأت أنها ضرورية للحفاظ على الوجود العسكري الأميركي في كوريا الجنوبية وضمان استمرار الالتزامات الأمنية الأميركية تجاهها. وفي نهاية المطاف، أعلنت سيول إنشاء صندوق استثماري بقيمة 350 مليار دولار لتمويل استثمارات في شركات أميركية، إلى جانب تعهدها بشراء النفط والغاز من شركات أميركية بقيمة إضافية تبلغ 100 مليار دولار، وذلك في إطار اتفاق خُفضت بموجبه الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات الكورية الجنوبية إلى 15 في المئة.
عندما لوح ترمب لأوروبا بفرض رسوم جمركية، رفضت بروكسل في البداية التفاوض معه بشروط مواتية للغاية للولايات المتحدة. وهدد الاتحاد الأوروبي واشنطن بتطبيق إجراءات مضادة من شأنها فرض رسوم تصل إلى 22 مليار دولار على الواردات الأميركية في قطاعات مثل الآلات والتكنولوجيا المستخدمة في التصنيع. ولكن فيما بات نشوب حرب تجارية شاملة وشيكاً، توصلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق في يوليو 2025. وبقيادة ألمانيا، التي كانت ستتكبد خسائر فادحة جراء حرب تجارية باعتبار أن اقتصادها يعتمد بشكل كبير على التصدير، وافقت بروكسل على إلغاء جميع الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأميركية وتحسين فرص وصول مصدري المنتجات الزراعية الأميركية إلى الأسواق، مقابل فرض سقف بنسبة 15 في المئة على الرسوم الجمركية على معظم السلع الأوروبية الذاهبة إلى الولايات المتحدة. كذلك وعد الاتحاد الأوروبي باستثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة وشراء صادرات طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار بحلول عام 2028.
وعلى رغم أن نتائج الاتفاق كانت مشابهة لتلك التي تم التوصل إليها في آسيا، فإن الاختلاف في النهج كان صارخاً. فلم يهدد حلفاء الولايات المتحدة في آسيا باتخاذ تدابير مضادة أو إجراءات قانونية بسبب انتهاكات الاتفاقات أو المعاهدات التجارية القائمة. وحث كثير من الشخصيات البارزة من العاملين في الحكومة والصناعة في ألمانيا الاتحاد الأوروبي على الوقوف في وجه الضغوط الأميركية على رغم أن البلاد ستتلقى ضربة اقتصادية. ودعا مسؤولون ألمان بارزون في بروكسل، على سبيل المثال، الاتحاد الأوروبي إلى استخدام أداة مكافحة الإكراه التي يحوزها لفرض إجراءات انتقامية على السلع والخدمات الأميركية، وربما تقييد وصولها إلى سوق الاتحاد الأوروبي. وبالنسبة إلى كثيرين في ألمانيا ودول أخرى في أوروبا الغربية، ينبغي أن يكون التضامن الأوروبي هو الخيار الأساس.
في المقابل، وحتى قبل إعلان ترمب رسوم “يوم التحرير” الجمركية، كان حلفاء الولايات المتحدة في آسيا يسعون إلى إبرام اتفاقات معه، حتى وإن كانت تميل بوضوح لمصلحة واشنطن، باعتبار ذلك ثمناً سياسياً مقبولاً للحفاظ على العلاقة معها. وبالنسبة إلى الحلفاء الآسيويين الذين لا يستند أمنهم إلى ضمانات مؤسسية راسخة، فإن قبول اتفاقات غير متكافئة يعد الثمن الذي يتعين دفعه مقابل استمرار المظلة الأمنية الأميركية. ولذلك، يرى كثير من قادة آسيا أن شعار “أميركا أولاً” يظل مقبولاً، ما دام لا يتحول إلى “أميركا وحدها”.
ومن المرجح أن يزداد الاختلاف بين الطريقة التي تسعى بها الدول في أوروبا الغربية وتلك الموجودة في آسيا، إلى بلوغ مستوى أكبر من القدرة على الصمود. فأوروبا الغربية لا تزال مترددة في التعاون مع الولايات المتحدة، وتسعى إلى بذل كل ما في وسعها، ولا سيما بحثاً عن شركاء آخرين للعمل معهم، وذلك من أجل تقليل اعتمادها على واشنطن على المدى الطويل. أما الحلفاء الآسيويون، فلا يزالون مقتنعين بأن الحصول على المزيد من الدعم من الولايات المتحدة هو السبيل الأفضل، بل والوحيد، للحفاظ على قوة بلدانهم.
تسلسل هرمي جديد
هلل القادة الأوروبيون في يناير (كانون الثاني) عندما ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطاباً حماسياً في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، داعياً القوى المتوسطة إلى التكاتف ضد الولايات المتحدة بقيادة ترمب. أما نظراؤهم الآسيويون، فقد تجاهلوا بشكل هادئ رؤية كارني، التي وجدها كثيرون ساذجة، وحتى خطرة. فالاستجابة لدعوته تعني الابتعاد عن الولايات المتحدة، وترك أنفسهم معزولين في مواجهة الطموح والنفوذ الصيني.
ويستعد حلفاء الولايات المتحدة في آسيا بالفعل للتعاطي مع أي توجه قد تتبناه الولايات المتحدة بعد خروج ترمب من الساحة. إنهم يحضرون أنفسهم لاحتمال مرجح بأن تكون أيام النزعة الدولية الليبرالية السلمية قد ولت حقاً. ويدرك القادة في آسيا أن أنظمة التحالفات أصبحت هرمية بشكل واضح. والسؤال الوحيد هو ما إذا كانت الولايات المتحدة أم الصين هي التي تهيمن في القمة؟ إذا أراد الحلفاء العمل مع واشنطن، فهم يدركون أن الولايات المتحدة تحتفظ بحقوق وامتيازات حصرية جديدة، وستطالب بها، وأن من يسكن في البيت الأبيض هو صاحب القرار، مهما كانت قراراته اعتباطية أو قائمة على خدمة مصالحه الذاتية.
ويشمل هذا التسلسل الهرمي الجديد المجالين الاقتصادي والأمني معاً. فقد وقعت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، مجموعة من الاتفاقات المتعلقة بالموارد الطبيعية، التي تُرجح كفة الولايات المتحدة بشكل غير متناسب. ستتحمل اليابان الجزء الأكبر من كلفة استكشاف المعادن الحيوية والمعادن الأرضية النادرة الواقعة في أعماق شمال غربي المحيط الهادئ واستخراجها ومعالجتها، علماً أن الكلفة تتجاوز ملياري دولار. وستستثمر شركات يابانية، مثل “ميتسوبيشي” و”ميتسوي”، في مناجم المعادن الأرضية النادرة في أريزونا وإنديانا وكارولاينا الشمالية، وسيتم إضافة معظم المواد التي تجري معالجتها إلى المخزونات الأميركية. وبالنسبة إلى اليابان، فإن تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة هو في قمة الأولويات في سياستها الخارجية، وتتعلق هذه الاتفاقات بهذا الأمر بقدر ما تتعلق بالمرونة الاقتصادية اليابانية.
ويتخذ حلفاء إقليميون آخرون خطوات مشابهة. ففي يناير الماضي، أعلنت تايوان أنها ستستثمر 250 مليار دولار في معامل تصنيع الرقائق الإلكترونية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، مقابل خفض ترمب للرسوم الجمركية العامة التي فرضها على الصادرات التايوانية إلى 15 في المئة. اشترت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات، وهي الشركة الرائدة على صعيد العالم في تصنيع الرقائق الإلكترونية، 900 فدان من الأراضي في ولاية أريزونا، الأمر الذي أدى إلى توسيع رقعة وجودها في الولايات المتحدة وتأكيد التزامها إنتاج الرقائق في الولايات المتحدة. وعلى رغم بعض المخاوف داخل تايوان من أن نقل إنتاج الرقائق إلى الخارج قد يقلل من استعداد واشنطن للدفاع عنها في حال نشوب أزمة، فقد قرر زعماؤها السياسيون وقادة الشركات فيها أن إنتاج بعض الرقائق في أريزونا يستحق هذه المخاطرة.
ترى آسيا أن الاتفاقات غير المتوازنة هي الثمن الذي يتعين دفعه مقابل الحماية الأميركية
إن النهج الذي يتبناه حلفاء الولايات المتحدة في آسيا يحقق النجاح حتى الآن. غير أن لهذا النهج حدوداً. فهؤلاء الحلفاء كلهم دول ديمقراطية تقع في محيط نظام استبدادي في بكين ومن الممكن أن يؤدي النهج التبادلي الذي يرتكز على المصالح المادية البحتة إلى تقويض التضامن الذي يستند إلى القيم واللازم من أجل التصدي للصين. إن الحلفاء الآسيويين على استعداد لقبول ترتيبات غير متكافئة، بل وحتى مجحفة، مع واشنطن إذا كان ذلك يضمن لهم الأمن. إلا أن ثمة خطراً من أن يؤدي منطق الصفقات الذي تجريه واشنطن مع بكين إلى تركهم في موقف أسوأ أمام الصين مقارنةً بما كان عليه وضعهم سابقاً. وعلى سبيل المثال، أرجأ ترمب في مايو (أيار) الماضي مبيعات الأسلحة إلى تايوان، وذلك على ما يبدو لأنه أعطى الأولوية لتعزيز موقفه التفاوضي مع بكين على حساب الاحتياجات العسكرية للجزيرة الضعيفة. ولا تملك حكومات المنطقة السلطة أو النفوذ الكافيين لمطالبة الولايات المتحدة بتغيير مسارها، مما يعني أنها مضطرة إلى الوثوق بأن الرئيس الأميركي لن يتخلى عنها.
إن عدم رغبة أوروبا الغربية في قبول الواقع الجديد يضع المنطقة في مأزق أشد وطأة. فإذا كانت الدول الأوروبية تريد الاعتماد بشكل أقل على واشنطن، فعليها أن تزيد الإنفاق على أمنها القومي بشكل كبير. بيد أن هذا يتطلب خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، وهو أمر تتردد الحكومات بالقيام به أو أنها تعجز عنه. وإذا كانت أوروبا الغربية تسعى حقاً إلى تبني أجندة تجارية وتكنولوجية تهدف إلى إبعادها عن الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تقلص واشنطن التزاماتها تجاه حلف الناتو، وهو ما يزيد الضغط على كل دوله الأعضاء من أجل إعطاء الأولوية على وجه السرعة للإنفاق الدفاعي وخفض الإنفاق الاجتماعي.
ويشكل منطق الصفقات وسياسات القوة تحدياً لالتزام أوروبا الغربية بالحفاظ على وحدة الاتحاد الأوروبي. فبينما تصر دول مثل فرنسا وألمانيا على منع انقسام الاتحاد، تزداد هذه المهمة صعوبة مع تباين تقديرات الدول الأعضاء لحجم التهديدات التي تواجهها، واختلاف استعدادها للتعاون مع واشنطن.
وهنا تتجلى الانقسامات الإقليمية بوضوح. فدول أوروبا الشرقية، التي تخشى التعرض لغزو روسي أو الوقوع تحت هيمنة موسكو، تنفق على الدفاع أكثر بكثير من نظيراتها في أوروبا الغربية. ففي 2025، بلغت مخصصات الدفاع في كل من إستونيا ولاتفيا وليتوانيا 3.4 و3.6 و3.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على التوالي، وهي نسب تفوق بكثير ما تنفقه معظم دول أوروبا الغربية. ومن المرجح أن تفضل الدول الواقعة في مرمى التهديد الروسي المباشر توثيق شراكاتها الاقتصادية والأمنية مع واشنطن، بدلاً من الانجرار وراء توجهات أوروبا الغربية التي تدفعها إلى الابتعاد أكثر عن الولايات المتحدة.
سينتهي عهد ترمب بانتخاب الرئيس الأميركي المقبل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2028. ولكن مع استمرار الولايات المتحدة في ريادة الابتكار التكنولوجي وفي توسيع جيشها، فإن التفاوت في القوة بين واشنطن وحلفائها سيتسع على الغالب. وسيصبح الحلفاء في أوروبا الغربية وآسيا معرضين بشكل أكبر للتأثر بتغيرات السياسة الأميركية وأكثر اعتماداً على القوة الأميركية للحماية. وحتى بعد مغادرة ترمب البيت الأبيض، سيظل السؤال المطروح أمام حلفاء الولايات المتحدة على جانبي العالم هو كيف يمكنهم تحقيق أقصى ما يمكن من الفائدة من علاقة غير متكافئة. لقد تكيف حلفاء الولايات المتحدة في المحيط الهادئ وتموضعوا بشكل يعود عليهم بالفائدة في مواقع استراتيجية في النظام العالمي المتغير. وينبغي على حلفائها الأطلسيين أن يقبلوا بأن مكانة أوروبا المتميزة في النظام العالمي آخذة في التلاشي وأن تتعلم كيف تكون أكثر ارتياحاً في اللعب وفق قواعد واشنطن الجديدة.
جون لي زميل بارز في معهد هدسون. وسبق أن شغل منصب كبير مستشاري الأمن القومي للحكومة الأسترالية بين عامي 2016 و2018.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 27 يوليو (تموز) 2026
