ملخص
بعد حرب طاحنة مستمرة منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف العام، تجد أوكرانيا وروسيا نفسيهما أمام مشكلة نقص الموارد البشرية لاستمرار الصراع العسكري، لأن المعارك الدموية التي دارت رحاها على جبهات القتال أسفرت عن مقتل وجرح مئات آلاف الجنود وإخراجهم من ساحة المواجهة.
يجري الحديث همساً في روسيا عن احتمال إقدام السلطات على تعبئة عامة تشمل نحو 500 ألف مجند بحلول الخريف المقبل، ويعزز هذا التوجه إعلان رئيس حزب “روسيا الموحدة”، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديمتري ميدفيديف، في الـ30 من يوليو (تموز) الجاري، بأن روسيا تمر حالياً بمرحلة مهمة من إكمال عمليتها العسكرية الخاصة، ومخاطبته متطوعي الحرس الشاب المقرر نشرهم في الخطوط الأمامية في منطقة العمليات، قائلاً “لقد وصلنا الآن إلى نقطة بالغة الأهمية في إتمام العملية العسكرية الخاصة. وأنا على ثقة بأنكم ستسهمون في تحقيق نصرنا”، على رغم نفيه عزم بلاده على إعلان تعبئة عسكرية شاملة
وتحذر الاستخبارات الأوكرانية من أن روسيا قد تعلن تعبئة جديدة بعد انتخابات مجلس النواب (الدوما) المقررة في سبتمبر (أيلول) المقبل. وصرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن موسكو قد تحشد ما يصل إلى 500 ألف جندي للمشاركة في شن هجوم جديد على الجبهة.
وتتوقع أجهزة الاستخبارات اللاتفية أيضاً ازدياد احتمالية التعبئة في روسيا، لحسم المعركة في أوكرانيا عسكرياً، بعدما وصلت محاولات التسوية الدبلوماسية التي رعتها الولايات المتحدة إلى الدوران في حلقة مفرغة، لا سيما مع انشغال الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحربه مع إيران.
وتتردد معلومات استخباراتية عن مباشرة روسيا ببناء ملاجئ للطائرات في قواعدها العسكرية، عقب عملية “شبكة العنكبوت” التي نفذها جهاز الأمن الأوكراني العام الماضي، وأسفرت عن خسارة القوات المسلحة الروسية ما يقدر بـ10 قاذفات استراتيجية.
نقص الموارد البشرية
بعد حرب طاحنة مستمرة منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف العام، تجد أوكرانيا وروسيا نفسيهما أمام مشكلة نقص الموارد البشرية لاستمرار الصراع العسكري، لأن المعارك الدموية التي دارت رحاها على جبهات القتال أسفرت عن مقتل وجرح مئات آلاف الجنود وإخراجهم من ساحة المواجهة.
وأفادت صحف روسية معارضة، هي “ميدوزا” و”فازني إستوري” و”فيرستكا”، بأن المسؤولين الروس بدأوا مناقشة تعبئة جديدة للقوات المسلحة مع انخفاض عدد الراغبين في الخدمة التطوعية. وتشير تقارير إعلامية إلى أن عدد الراغبين في توقيع عقود مع وزارة الدفاع الروسية والتوجه إلى ساحات الوغى يتناقص باستمرار. وفي موسكو، انخفض تدفق المجندين الجدد بمقدار الثلث، بينما تواجه أوكرانيا مشكلة معقدة في تجنيد مزيد من الشباب للقتال، وتعاني مكاتب التجنيد مشكلات صعبة تعجز وزارة الدفاع عن حلها.
يانيس كلوغ، الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، أكد أن عدد الراغبين في الخدمة العسكرية آخذ في التناقص. ففي الربع الأول من هذا العام، وقع نحو 800 شخص عقوداً مع الجيش الروسي يومياً، وهو أدنى رقم خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وفقاً لبياناته.
وأكد رئيس “مركز مكافحة التضليل” التابع لمجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني أندري كوفالينكو أن النائب الأول لرئيس أركان الإدارة الرئاسية الروسية سيرغي كيرينكو، ورئيس الأركان العامة الروسية فاليري غيراسيموف، اقترحا على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فكرة إجراء تعبئة عسكرية جديدة لتكثيف الهجمات على البنية التحتية العسكرية والمدنية لأوكرانيا، بواسطة هؤلاء المجندين الجدد الذين لم يذوقوا أهوال الحرب بعد، وأنه يمكن هزيمة الجيش الأوكراني بهذه الطريقة.
وقال رئيس مركز الشؤون السياسية الأوكراني “أنا متأكد تماماً من أنهم مخطئون”، مضيفاً أن “جميع الأوكرانيين سيحتاجون الآن إلى الوحدة والفعالية”.
تعقيدات التجنيد
تشكو مصادر مطلعة في الجيش الروسي من عدم أهلية المجندين، إذ غالباً ما يكون الرجال الذين يقنعون بتوقيع العقود بشتى الوسائل غير لائقين للخدمة العسكرية. ولذلك، فإن فكرة التعبئة العامة قيد المناقشة داخل الإدارة الرئاسية بالكرملين على جميع المستويات الحكومية. وتقول المصادر “هناك إشاعات”، لكن لم يتخذ أي قرار بعد، و”قد يحدث شيء ما” في وقت مبكر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2026، بعد الانتهاء من انتخابات مجلس الدوما. ويحث مدونون عسكريون روس على تطبيق “تيليغرام” المواطنين على عدم انتظار إشعارات التجنيد و”الإقدام على ذلك بأنفسهم” من خلال توقيع عقد تطوعي.
وأكثر من ذلك، ذكرت صحيفة “فيرستكا” الروسية المعارضة، أنه بعد انتخابات مجلس الدوما المقرر إجراؤها في سبتمبر المقبل، قد ينظر الكرملين في فرض الأحكام العرفية في روسيا. ويروج لهذا السيناريو بعض المسؤولين في جهاز الأمن الروسي، الذين يدعون إلى وضع البلاد في حال تأهب قصوى.
وبحسب الصحيفة، تعتقد قوات الأمن أن على الحكومة الروسية “التوقف عن المجاملات” مع الشعب والتحول إلى نموذج “تكون فيه البلاد بأكملها في حال حرب”. وذكر أحد المصادر أن “وضع البلاد يزداد خطورة، وقد لا يكون من الممكن استقراره دون اتخاذ إجراءات جذرية”.
ومن جهتها، قالت مارغريتا زافادسكايا، وهي باحثة أولى في المعهد الفنلندي للشؤون الدولية، “أقدر احتمالية إعلان التعبئة العامة بأنها كبيرة، لكن هذا ليس سيناريو يدعمه الكرملين حتى الآن”. وأضافت “أفيد بأن المسؤولين الروس ناقشوا إمكانية التعبئة الجديدة بعد الانتخابات البرلمانية، ولأن هذه التقارير تستند جزئياً إلى مصادر مجهولة، لذلك ينبغي اعتبارها مؤشرات وليست تأكيداً”.
أعباء التعبئة
أدى إعلان التعبئة الجزئية في روسيا خريف عام 2022 إلى موجة هجرة جماعية، إذ اضطر ملايين الرجال المؤهلين للخدمة العسكرية لمغادرة البلاد لعدم رغبتهم بتعريض أنفسهم للخطر. وفي المقابل لا يزال جزء كبير من أولئك الذين جندوا على خطوط الجبهة دون أي أمل واضح في العودة إلى ديارهم. ويعد إنهاء عقودهم قانونياً أمراً صعباً، على رغم أن إعلانات التجنيد غالباً ما تعد بالخدمة لمدة عام واحد فحسب.
ووفقاً لبيانات “مركز ليفادا” لعام 2025، فإن نحو نصف المواطنين الروس يخشون من موجة تعبئة عسكرية جديدة، وقد اشتد هذا الخوف مع مرور الوقت.
مع ذلك، نشر المعهد الأوكراني لأبحاث النزاعات والتحليل الروسي في يونيو (حزيران) الماضي، نتائج استطلاع هاتفي شمل مقيمين روس. ووفقاً للاستطلاع، يعارض 71 في المئة من المستطلعين التعبئة الثانية، بينما يؤيدها 11 في المئة فحسب.
ويقول الدكتور كيريل شاميف، وهو باحث في معهد العلاقات الدولية والعلوم السياسية بجامعة فيلنيوس، “إن احتمال [إعلان التعبئة] أعلى من احتمال عدم حدوث ذلك”. ويضيف “من الناحية السياسية، فإن احتمالات إعلان التعبئة العامة غير واضحة، وكل شيء يعتمد على قرار بوتين. ويتوقف الأمر على ما إذا كان يعد الوضع في ساحة المعركة غير مرضٍ أم أنه يقرر أن إرسال مزيد من القوات إلى الجبهة سيفيد الجيش الروسي”.
لماذا تحتاج روسيا إلى التعبئة العامة؟
قد يكون هدف التعبئة الجديدة شن هجوم واسع للاستيلاء على مساحة نحو 15 في المئة من إقليم دونيتسك، ما زالت القوات الأوكرانية تسيطر عليها، وبذلك تكون قد فرضت سيطرتها على كامل منطقة دونباس. والتعبئة مفيدة بالدرجة الأولى لأنها ستحرر القوات الأكثر خبرة في الخطوط الخلفية، من أجل نشرها ضمن تشكيلات عمليات هجومية جديدة.
ويقول المتخصص كيريل جوكوف “لا تقتصر مشكلات روسيا على الجانب الكمي فحسب. مع ذلك، قد يرى الكرملين في التعبئة العامة أداة مفيدة في استراتيجية الاستنزاف. لا تعتقد موسكو بالضرورة أن عمليات التعبئة الإضافية ستجبر أوكرانيا على الاستسلام سريعاً. بل قد تعتقد أن هذا سيسمح للحرب بالاستمرار لفترة أطول مما تستطيع الموارد البشرية الأوكرانية تحمله”.
وزعم أحد الجنرالات الروس، متحدثاً إلى وسائل إعلام روسية شريطة عدم الكشف عن هويته، أن القوات التي ستُحشد يمكن أن تساعد في احتلال ما تبقى من دونباس، وهو هدف حدده بوتين باستمرار لقواته.
العواقب المحتملة
من المرجح أن تؤدي التعبئة الجديدة إلى موجة هجرة جديدة وتحفيز مبادرات المقاومة الفردية، ويقول الباحث كيريل شاميف إن “هذا قد يخلق ضغطاً على قيادة الكرملين”. ويؤكد “إن الهدف الرئيس للسلطات الروسية هو الحفاظ على الاستقرار وعلى النظام، لذا ستسعى جاهدة لتحقيق أقصى قدر من الهدوء قبل انتخابات مجلس الدوما. وبعد الانتخابات، يمكنها تنفيذ قرارات لا تحظى بشعبية. وهناك أمثلة عدة على اتخاذ إجراءات غير شعبية فور نهاية الانتخابات”.
“تعد انتخابات مجلس الدوما حدثاً رمزياً مهماً، إذ تظهر للنظام كفاءة الإدارة وولاء النخب والمجتمع”، وفق ما تشير الخبيرة زافادسكايا، مضيفة أن “الإعلان عن التعبئة قبل الانتخابات قد يؤدي إلى تفاقم السخط وتعقيد جهود المسؤولين المحليين لإظهار الخضوع التام للكرملين. مع ذلك، لا يتوقع حدوث أي عصيان جماعي في روسيا المعاصرة”.
ويتفق المحللون على أن هياكل المعارضة الروسية انهارت، وأن شبكة التحكم بالسلطة التي يملكها النظام واسعة النطاق، وأن الشعب يميل إلى التكيف وتجنب الاضطهاد الشخصي بدل الانخراط في العمل المدني المنظم. ومع ذلك، وكما يحدث غالباً في روسيا، يبدو الوضع مستقراً حتى يبدأ فجأة في التزعزع.
في الوقت الراهن، لا تزال السلطة محكمة في يد بوتين.
ويقول شاميف “سيؤدي هذا إلى تكثيف الانتقادات السلبية الهادئة للنظام، لكن كل شيء سيبقى على حاله. لا أرى أي احتمال للمقاومة لأن جميع قادة المعارضة تحت السيطرة. ولكن إذا انهار النظام الاقتصادي أو الإداري، فسيزداد احتمال أن تبدأ النخب في البحث عن حلول لهذه المشكلات. ومع ذلك، يجب ألا ننسى أن النظام يمسك البلاد بيد من حديد”.
وبحسب الباحث ذاته “من غير المرجح أن تدفع الضربات الأوكرانية بعيدة المدى بوتين إلى إعلان التعبئة العامة، على رغم الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي أو المشاجرات في طوابير محطات الوقود”.
ويضيف شاميف “يدرك الكرملين تماماً أنه من خلال الضغط على الأوكرانيين على خطوط المواجهة وتنفيذ ضربات صاروخية وطائرات مسيرة بعيدة المدى، سيحققون أهدافهم في نهاية المطاف. صحيح أن الضربات الأوكرانية مؤلمة، لكن هذا متوقع. وعلى رغم أنها تؤثر في شعبية الحكومة الروسية وتزيد الضغط عليها، إلا أن هذا الوضع قابل للتجاوز بالنسبة إلى روسيا. وسيرد الجانب الروسي بضربات مماثلة أو حتى أشد ضراوة ضد أهداف في أوكرانيا”.
موقف الكرملين
ينفي الكرملين أي استعدادات لتعبئة جديدة في روسيا. ومن المرجح أن يكون هدف هذه التصريحات تهدئة المخاوف العامة وسط إشاعات عن احتمال فرض التجنيد الإجباري. وفي الوقت نفسه، قد يشير هذا إلى أن بوتين يسعى إلى تجنب تفعيل الاحتياط الإلزامي لأطول فترة ممكنة، معتمداً على تجنيد المتطوعين لتعزيز الجيش. وقد ورد ذلك في تقرير صادر عن معهد دراسة الحرب الأميركي.
وكان الرئيس بوتين أكد مراراً وتكراراً أنه لا حاجة إلى تعبئة إضافية، وأوضح المتحدث باسم الرئاسة ديمتري بيسكوف أن الإدارة لا تناقش هذه المسألة أصلاً.
ووصف الرئيس الروسي السابق، نائب رئيس مجلس الأمن حالياً، ديمتري ميدفيديف الحديث حول التعبئة العامة بأنه إشاعات واستفزاز كاذب من العدو قبيل الانتخابات. وأشار إلى أنهم “يحاولون بطبيعة الحال زعزعة استقرار الوضع في بلدنا وخلق مشاعر سلبية”.
ووصف عضو لجنة الدفاع في مجلس الدوما أندريه كوليسنيك هذه المعلومات بأنها “محض افتراءات تهدف إلى زعزعة استقرار المجتمع الروسي من قبل كييف”. وأكد أنه لا توجد أي مناقشات من هذا القبيل، حتى غير رسمية منها، داخل اللجنة.
وصرح رئيس لجنة الدفاع أندريه كارتابولوف بأن “روسيا ليست في حاجة إلى تعبئة جديدة”. وادعى أن تصريحات الرئيس الأوكراني ليست سوى محض خيال.
وأبدى النائب الأول لرئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما أندريه كراسوف رد فعل شديداً للغاية على كلمات زيلينسكي، قائلاً “لا نعلق على مدمني المخدرات. هذا كلام فارغ تماماً”.
الموقف الرسمي أن القوات الروسية المسلحة تجند بالكامل على أساس تطوعي، من خلال عقود الخدمة، ويعد عددها كافياً لإنجاز المهام الموكلة إليها. وأفاد نائب أمين مجلس الأمن بأن نحو 200 ألف مواطن وقعوا عقوداً خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026.
ويعد الخبراء أنه من المرجح أن يكون نفي الكرملين يأتي رداً على عدد من التقارير والقوانين الجديدة التي تشير إلى أن روسيا تستعد للقيام بتعبئة عسكرية.
الجانب الأوكراني
وفيما ينفي الكرملين نيته فرض تعبئة عسكرية جديدة، صرح الرئيس الأوكراني في الـ25 من يوليو الجاري، مستشهداً بمعلومات استخباراتية، بأن القوات الروسية تستعد لبدء موجة تعبئة جديدة “كبيرة” في خريف عام 2026، وأن بوتين يتخذ بنشاط تدابير تحضيرية غير معروفة للتعبئة المحتملة لـ500 ألف جندي.
في أواخر يونيو الماضي، أفاد قائد القوات المسلحة الأوكرانية السابق أولكسندر سيرسكي بأن هيئة الأركان العامة الروسية تلقت أوامر من بوتين بوضع خطط جديدة للسيطرة على كييف. ووفقاً له، فإن الخيار الأرجح هو شن هجوم على منطقة تشيرنيهيف .
وأشار رئيس مركز مكافحة التضليل في مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني أندري كوفالينكو إلى أنه من المقرر نشر بعض هؤلاء الأشخاص في الأسبوعين الأولين “لسد الثغرات في الشرق”، بينما سيجري تدريب آخرين لمدة شهر لفتح خط جبهة جديد محتمل. وأكد أن “فصلي الخريف والشتاء سيكونان مزدحمين للغاية بالنسبة إلينا، وسنحتاج إلى تحمل معارك مشاة صعبة للغاية ستشمل الأفراد والطائرات من دون طيار والطائرات المقاتلة وغيرها من أدوات التدمير”.
ويشير المركز الأوكراني لمكافحة التضليل إلى أن المناطق الروسية تزيد باستمرار من المكافآت المقدمة للانضمام إلى “فيلق المتطوعين”، إذ تقدم منطقة خانتي مانسيسك ذاتية الحكم، وجمهورية داغستان مكافآت للمجندين تصل إلى 4.1 مليون روبل (نحو 50 ألف دولار).
ما يقوله الخبراء عن التعبئة
يعتقد المتخصصون أن الإشاعات المتزايدة حول التعبئة مرتبطة ارتباطاً مباشراً بانتخابات مجلس الدوما المقبلة. ويؤكدون سهولة انتشار هذه الإشاعات، لما لموضوعها من أهمية بالغة وأثر مقلق على عدد من العائلات.
بحسب الجنرال فيكتور سوبوليف، لا توجد حاجة حالياً لتعبئة إضافية في روسيا، “كما أن مكاتب التجنيد العسكري تنجز بنجاح المهام الموكلة إليها من قبل هيئة الأركان العامة”. ويرى أن هذه الإشاعات جزء من حرب معلوماتية.
واعتبر رئيس مجلس إدارة مركز البحوث والتطوير للدراسات الأوراسية يوري سامونكين أن “أوكرانيا تستخدم هذه الإشاعات للتأثير في الشباب. وأشار إلى أن حملات التضليل هذه تتصاعد على وسائل التواصل الاجتماعي كل عام مع اقتراب فصل الخريف”.
عالمة السياسة إيرينا سوخانكينا قالت “دائماً ما يجذب اقتراب الانتخابات في روسيا اهتماماً متزايداً من جهات خارجية تسعى للتأثير في الرأي العام والوضع السياسي في البلاد. ويهدف هذا النوع من الهجمات المعلوماتية إلى بث الذعر وعدم الثقة في الحكومة الحالية. ويُركَّز خصوصاً على الشباب، الأكثر عرضة لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي والأقل ميلاً إلى التقييم النقدي للمعلومات الواردة”.
وأضافت “بناءً على ذلك، فإن جميع التصريحات الرسمية الحالية تستبعد بصورة قاطعة إمكانية التعبئة في عام 2026. ولم تؤكد أي جهة حكومية مثل هذه النيات، وينبغي النظر إلى الإشاعات المتداولة على أنها مجرد مظهر من مظاهر الحرب الهجينة”.
بناء ملاجئ للطائرات
وتظهر أحدث صور الأقمار الاصطناعية أن روسيا أكملت بناء عدد من ملاجئ الطائرات المحصنة في قاعدة مارينوفكا الجوية في منطقة فولغوغراد، التي تعد إحدى أهم القواعد الروسية التي تنفذ مهام استطلاع تكتيكي في ساحة المعركة.
وينظر إلى هذه الخطوة على أنها محاولة لتعزيز قدرة الطائرات باهظة الثمن على البقاء في ظل التوسع المستمر لأوكرانيا في قدراتها على توجيه ضربات بعيدة المدى ضد المطارات العسكرية الروسية.
ويعكس بناء ملاجئ إضافية أولوية موسكو المتزايدة في حماية قواتها الجوية، في أعقاب سلسلة من الضربات الجوية والصاروخية التي استهدفت قواعد في جميع أنحاء روسيا.
بحسب صور الأقمار الاصطناعية، صممت هذه المنشآت في المقام الأول للحد من أضرار الشظايا والموجات الصدمية وهجمات الطائرات المسيرة، وليس لتوفير حماية كاملة من الضربات المباشرة للأسلحة الدقيقة عالية العيار. ومع ذلك، حتى الملاجئ البسيطة نسبياً يمكنها الحد بصورة كبيرة من الأضرار الثانوية الناجمة عن الانفجارات في منطقة المطار، مما يعزز حماية الطائرات.
ويأتي تكثيف روسيا لبناء الهياكل الدفاعية في القاعدة الجوية وسط دعوات من عدد من مسؤولي الناتو لأوكرانيا لتكثيف الهجمات على البنية التحتية للطيران الروسي. فقد صرح اللواء كريستيان فرويدينغ من الجيش الألماني بأن “على أوكرانيا السعي لإضعاف القدرات الهجومية الروسية حتى قبل نشر قواتها”. وأكد ضرورة استخدام كييف لقدرات الضربات بعيدة المدى لاستهداف الطائرات والمطارات الروسية، وحتى منشآت إنتاج الأسلحة.
وتستخدم كييف بصورة متزايدة أنظمة الضربات المشتركة، بما في ذلك الطائرات المسيرة بعيدة المدى وصواريخ كروز والأسلحة ذات الأغراض الخاصة، لمهاجمة قواعد تقع على بعد مئات، بل آلاف، الكيلومترات من خط المواجهة.
وكشفت صور أقمار اصطناعية في أوائل يوليو 2026 أن روسيا تشيد سلسلة من المخابئ المحصنة في مصنع “كومسومولسك-أون-أمور” للطائرات وقاعدة “دزيمجي” الجوية المجاورة. وتتمركز في هذه القاعدة طائرات مقاتلة حديثة مثل “سو-57″، و”سو-35 أس”، و”سو-30 أس أم 2”.
وبحسب المعلومات المنشورة، تلقت العمليات الهجومية الأوكرانية دعماً استخباراتياً كبيراً من الدول الأعضاء في حلف الناتو. وشملت الأهداف ليس فقط القاذفات الاستراتيجية وطائرات الإنذار المبكر المحمولة جواً والطائرات المقاتلة وقواعد الإصلاح، بل أيضاً مراكز الدعم اللوجيستي وغيرها من البنى التحتية العسكرية الحيوية.
الحرب مستمرة
يشير الجدل حول احتمال إقدام روسيا على موجة تعبئة عسكرية جديدة، وقيامها ببناء ملاجئ لطائراتها العسكرية، إلى أن الحرب في أوكرانيا ضد ما تسميه موسكو “الغرب الجماعي” مستمرة، وأن صمت المدافع وتوقف هدير الطائرات وأزيز الرصاص ليس قريباً. لكن لا يوجد إجماع بين الخبراء الغربيين في شأن مدى تأثير هذه الخطوات على تغيير الوضع على الجبهة، لأن مزيداً من التعبئة وبناء ملاجئ الطائرات سيساعد روسيا على مواصلة الحرب، لكنه على الأرجح لن يغير نتيجتها بصورة جذرية، هذا ما قاله نائب مدير برنامج روسيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات جون هاردي.
ويرى هاردي أن “حشد قوات إضافية لا يسهم إلا في مساعدة روسيا على التقدم تدريجاً في مناطق محددة، ولكنه لا يضمن اختراق الدفاعات الأوكرانية بالكامل”. واعتبر أنه “إذا قرر بوتين إعادة حشد القوات، فسيكون ذلك بمثابة اعتراف منه بأن الحرب تسير في مسار خاسر، ولكنه قرر التمسك بمطالبه بدلاً من تخفيفها. وقد تجنب بوتين هذا الخيار حتى الآن، لما ينطوي عليه من كلف وأخطار جسيمة. فمن شأنه أن يؤدي إلى نزوح جماعي آخر من البلاد، وقد يؤجج الاضطرابات الداخلية ضد حرب تزداد شعبيتها انخفاضاً”.
ويتحدث المحلل العسكري جورجي ريفيشفيلي أيضاً عن التحديات التي تواجه روسيا. فبرأيه “من دون تعبئة جديدة، تعجز هيئة الأركان العامة الروسية عملياً عن تشكيل كتائب عسكرية كبيرة جديدة. وفي الوقت نفسه، سيحدد حجم التجنيد الإجباري المرتقب وسرعة تدريب المجندين مدى خطورة هذا التحدي بالنسبة إلى أوكرانيا”.
