
بمزاجٍ عابث يرسم شارل شهوان مشاهدَ متعِ استجمام صيفيٍّ على شاطئ البحر المتوسط. وهذه حال معرض رسومه الأخير المستمر حتى نهاية هذا الشهر (آب 2026) في غاليري “بلو روز= الوردة الزرقاء” في عنوان “ثلاثة في الظهيرة”.
شمس الشاطئ الماجنة
بألوان شمس صيف البحر المتوسط الساطعة المندلعة على شواطئه، بغُلمتِها مع زرقة السماء والماء المالح السكران أو المخمور في الظهيرة، يرسم شارل مشاهِدَه البحرية العابثة اللاهية. وبغُلمة أعشاب ونباتات ساحلية ماجنة يرسمها، فيما هي تضجّ بأخضرٍ يتنفس هواءً ساخنًا، فتحاول سدىً أن تمدَّ أغصانها لتبترد في ماء البحر الساكن كظلٍ مخمور في الظهيرة هو الآخر.
وهو يرسم بمزاج استلقاء السابحين والسابحات الشبان والفتيات اللاهين معًا على رمل دافئ تحت مظلات بألوان الصيف البحري، تشربُها بشرةُ أجسام نحيلة، طويلة السيقان والأيدي، ثملةٍ دائخة مقهقهة بـ”البرونزاج” وغوايته في عريها بمايوهات صغيرة الحجم، ضاحكةٍ ومضحِكة. وإلى جانب هؤلاء المستلقين على الرمل لا يفوت شارل أن يرسم راديو ترانزستور أو راديو كاسيت تبث أغاني البيتلز على الأرجح، وفي الظهيرة!
وهو بحساسية رسام القصص المصوّرة وصانع أفلام الكرتون وحرفتهما يرسم مشاهده البحرية الساخرة، فيما يسترسل اندلاع ضحكِ اللهو والسخرية من المَشاهد كلها.
أما حين يعرض شارل شهوان رسومه، فلا يعتدّ بها ولا يقيم لها كبير وزن. وهذا ما تظهره قلة اكتراثه الممزوجة بخجل خبيث أو متخابث، يفتعل التنصل من أفعاله، كأنما يدرك أنه في ما يرسمه يلهو ويستمتع ويسخر من الصيف والشمس والبحر واللهو والمتعة، وأن “للّهوِ آونةٌ تمرُّ كأنها/ قُبَلٌ يُزَوَّدُها حبيبٌ راحلُ. جمح الزمان فما لذيذٌ خالص/ مما يشوبُ ولا سرورٌ كاملُ” (المتنبي).
متعة الكسل والمصادفات
ورسوم شهوان تشبه شعره ونثره السردي: “أحدهم يستعد للقفز” (شعر، 1980). “جاز العزلة” (سرد، 1982). “شاب يغتسل بمفرده” (شعر، 1987). “حرب شوارع” )سرد روائي، 1992). “شرير في سيارة” (2001).
و”حرب شوارع” يروي لحظات وأوقات من حياة فتيان مسيحيين، متعهم الحسيّة ولهوهم الهاذي في حُمّى حرب السنتين (1975- 1977) الأهلية اللبنانية ومقاتلهم فيها. قد يكون السرد في هذا الكتاب، إلى جانب ما رواه الشاعر يوسف بزي -المولود سنة 1966، والمجايل تقريبًا لشهوان- في كتابه عن مقاتلي الحرب في غرب بيروت، والمتشور في العام 2005 بعنوان “نظر إليّ ياسر عرفات وابتسم”، قد يكون هذان الكتابان من أجمل ما كُتب عن طيش الفتيان الجسور والقاتل في حروب لبنان.
وفي أفلام السينمائي اللبناني مارون بغدادي (1950- 1993) عن سنتي الحرب وما بعدهما شيءٌ من حمّى ذلك اللهو الهاذي بمِتَعِه ومَقاتِله في غرب بيروت، فيما فتيان وشبان “حرب شوارع” هم من جونية، ومسرح حربهم بيروت الشرقية، الأشرفية والقسم الشرقي من أسواق العاصمة التي شطرَها خط التماس الحربي.
والأرجح أن شارل يهتمّ بما يكتب ويرسم ويعوّل عليه، لكنه غالبًا ما ينسى أو يتناسى ذلك لينصرف إلى متعة الكسل. وهو قال: أنا لا أفكر في الأشياء حينما أعيشها، بل أستسلم لها وأترك نفسي على سجيتها. أما الكتابة فأنقذتني من اصطدامي العصيب بجدار الحياة في فتوتي وشبابي. وتابع متسائلًا: ومن قال إن الكسل ليس ممتعًا؟!
وربما هذه حاله حين يهجر الكتابة والرسم، أو حينما يهجرانه وينسى أنه هجرهما أو هجراه، ليعود إليهما في أوقات وأزمنة متقطعة من حياته. وفي الأثناء ينصرف إلى ترجمة ما يهوى من قصص وروايات.
ومن يترك نفسه وحياته والوقت لمصادفات الحياة والأوقات، قد تنطوي أفعاله على “حكمة” تلقائية عفوية، شأن عدم صوغه سيرة حياته وأفعاله في محطات ومنعطفات، وتنظيمها في سياقات ومعانٍ لفهمها، ربما لأن الفهم والسياقات والمعاني أقرب إلى أوهام عن النفس والأفعال والعالم.
منفى طبقي مسيحي
في السنة الثانية من عقد الستينات ولد شارل شهوان في مدينة جونيه البحرية المحلية، التي يشيع أنها مكتفية ومعتدّة وأهلها بمحليتهم. وفي سهلها الريفي الزراعي الساحلي الصغير الضيق، نشأ وشبَّ شارل ابنًا لأسرة ريفية زراعية كثيرة الأولاد: 5 بناتٍ و3 صبيان، أصغرهم هو نفسه. وكان والده المزارع مثل أهله الذين ورث عنهم أملاكًا زراعية، وتزوج متأخرًا في عمر الخمسين، من امرأة من مدينة جبيل المحلية والساحلية بدورها، شأن جونية. وأنجب الزوجان المزارعان أولادهما، ليس الكثيرين فحسب -جريًا على ثقافة الفلاحين والمزارعين، عاداتهم وتقاليدهم، بعد فواتها لدى معظم فئات المجتمع المسيحي اللبناني الساحلي- بل أنجباهم سريعًا وعلى عجلٍ لاستدراك ما فات وانقضى من عمر الزوج المسن.
وحين قال شارل -بقلة اكتراثه المعهودة والدائمة في كلامه- إن فارق السن بينه، هو صغير إخوته وأخواته، وبين والده كبير جدًا، تخيلتُ أنه كان يشعرُ أن والده أقرب إلى أن يكون جدَّه. وفيما كنت أفكر أن في هذه الفجوة العمرية بين الطرفين شيءٌ من حرية، استعدتُ -أنا المستمعُ إلى شارل الذي أكبره بسنوات عشر- صورًا عن علاقتي بجدي في طفولتي الزراعية بقرية جردية على حدود جنوب لبنان الشرقية، أثناء غياب والدي مهاجرًا في الكويت.
وفي ما ملكته أسرة شارل شهوان من أرض زراعية واسعة في سهلي جونية وجبيل الضيقين، عَمِلَ أفرادها، فلم يتجاوز إخوته وأخواته مرحلة التعليم الابتدائية. وحده شارل صغيرهم أنهى المرحلة الثانوية من تعلُّمِه في جونية، ثم انقطع عن متابعة الدراسة لسنتين في فتوته، تزامنتا مع السنوات الثالثة والرابعة من حروب لبنان، ومع وفاة والده وتعرض أسرته لضائقة مادية ومعيشية ماحقة. ربما لأنها تأخرت زمنًا مديدًا باستغراقها في حياة زراعية، ففاتتها أو فوَّتت الاستجابة للتحولات التي أصابت المجتمع المسيحي اللبناني: عزوفه عن الزراعة وهجرتها، وتحويل الأراضي أو الأملاك الزراعية إلى رأسمال عقاري تجاري، أو تركِها وإهمالها تبور، والإقدام على هجراتٍ خارجية أو داخلية لتحصيل المعاش من طرق وسبل أخرى جديدة ومعاصرة.
وكان السكان “الأصليون” الشيعة في قراهم الريفية الساحلية بما صار ضاحية بيروت الجنوبية، قد تأخروا زمنًا في عزوفهم عن نمط الحياة الزراعية. وهذا على خلاف أقرانهم المسيحيين في تلك القرى نفسها: بكّر شطر كبير منهم في عزوفه عن الزراعة ونمط الحياة الريفية، فباعوا أملاكهم الزراعية أو تركوها تبور، وهجروا قراهم الساحلية، قبل سنوات كثيرة من بدايات الحروب في لبنان (1975)، والتي هجّرت واقتلعت الباقين منهم من تلك القرى-الضاحية.
أما من كان حالها كحال أسرة شارل شهوان من الأسر والعائلات المسيحية على الساحل اللبناني، فغالبًا ما فاتها الزمن وتُركت وشأنها. كأنما القدر أو التاريخ نسيها، أو نفاها إلى هوامش زمن اجتماعي سارع إلى تحديث وتمدّن، سمَّاهُما لبنانيو الستينات والنصف الأول من السبعينات “زمن الزهو اللبناني الجميل” الذي شاع فيه اعتدادٌ بالريف وثقافته “الأصيلة”، وحنين غنائي، رومنطيقي وخطابي، إلى “أصالة” القيم والحياة وهنائها فيه.
والأسر والعائلات المسيحية تلك التي فاتها الزمن، غرقت في فقر عامِّيٍّ متقادم وشبه قدري، وتُركت على هامش ذاك “الزمن الجميل”، مُهانةً وفي يتم اجتماعي موحش، لتقسو عليها أحكامٌ طبقية وأخلاقية تمييزية محدثة تلامس العنصرية الطبقية.
سنتا التشرد على الطرق
لا يكترث شارل شهوان كثيرًا بهذا كله. أي بمعايير وأحكام السوسيولوجيا الطبقية وتاريخها في لبنان. باقتضاب وغموض، وربما بخجل هو من أصداء تلك المعايير والأحكام القاسية، يتحدث عن نكبة أسرته المادية الماحقة والفاجعة، ويتركها خبرًا عاديًا، فائتًا وغامضًا، في سيرة حياته المبعثرة والمشتتة: في طفولتي قال لي والدي: أيّاكَ من الأحزاب والتحزّب، ففعلتُ ذلك في فتوّتي وشبابي ونجوتُ من التورط في الحرب ومقاتلها. تدرّبت لمدة قصيرة في بداياتها مع أقراني في جونية على فك البنادق الرشاشة وتركيبها. لكنني لم أحمل السلاح قط ولا شاركت في معارك حربية. وهذا على خلاف كثرة من رفاق طفولتي ومراهقتي الذين استجابوا نداءَ التحزُّب والأحزاب، فانخرطوا في ميليشيات الحرب، قاتلوا على جبهاتها في بيروت، فقتل كثيرون منهم وتركوني وحيدًا في جونية. وربما لنقص في ميلي الغريزي والخيالي إلى البطولة عزفت تلقائيًا عن حمل السلاح، وعن الاستجابة لنداء أو صرخة الحرب المدوِّية. لكن النقص ذاك، وموتَ والدي ميتة طبيعية، ومقتل كثرةٍ من أصدقائي على جبهات القتال الحربي، وفقر أسرتي المادي المدقع، أذتني. فرحت أمشي وحيدًا وشريدًا في نهارات كثيرة على الطرق، تائهًا بلا اتجاه ولا هدف، سوى صرف الوقت وتدارك اليأس والألم طوال سنتين بين 16- 18 من عمري. كنت أمشي هائمًا على وجهي طوال تلك النهارات، وأعود خائبًا إلى منزل أهلي الموحش وفقره المدقع.
التسعينات: تعويض ما فات
لم يقل شارل إن قيم أهله الزراعية وفواتها في ريف مدينة جونية الساحلية، هي من أسباب تلك الرضة الاجتماعية، النفسية والوجودية، التي أصابته في فتوّته ومطلع شبابه في المدينة المحلية الصغيرة. لكنه قال إن تعلّقه بمثالاتٍ أخرى: قراءة الأدب أو سواه من الميول الفنية، هو ما أخرجه أو شفاه من تلك الرضّة. ثم ألقى باللائمة على الرئيس فؤاد شهاب وعهده (1958- 1964) الذي أقام على واجهة جونية البحرية منشآت عسكرية حرمت ملاّك الأراضي الزراعية خلفها من تطويرها بإقامة منشآت سياحية عليها.
والأرجح أن شارل انتبه إلى فعلة الرئيس شهاب لاحقًا. أي في مطالع التسعينات بعد توقف الحرب، وعندما استعاد اللبنانيون تذوق طعم الحياة ومعناها بلا حروب ولا مقاتل، وانتبهوا إلى أن في وسعهم صرف طاقاتهم في أعمال وخبرات ومتع غير جبهاتها ومقاتلها، فأصابتهم آنذاك موجة عارمة من الرغبات لاستثمار جهدهم في مشاريع حياتية تعوِّضهم ما فات من أعمارهم، أو ما سلبته من أعمارهم سنوات الحروب الطويلة.
وآنذاك، في التسعينات اللبنانية، كان شارل شهوان قد صار شاعرًا وكاتبًا وصحافيًا، وانضم إلى حلقات الكتّاب والصحافيين والشعراء من مجايليه في مقاهي شارع الحمراء البيروتي. لكن افتتانه بالشعر والكتابة والصحافة وحلقاتها، لم تعطل ميوله ورغباته الأخرى، الحياتية والعادية، فأخذ يفكر في إنشاء مقهى أو ملهى ليلي في أملاك أهله الزراعية البائرة على ساحل جونية. وهو شرع في تنفيذ مشروع سرعان ما توقف، لينتقل شارل إلى الإقامة في قبرص التي راح يوزّع حياته بينها وبين لبنان.
(تتبع حلقة ثانية وأخيرة عن الحرب والوعي الشقيّ بقيعان المجتمع اللبناني)