
مارلين مونرو (أ ب)
علي عطا… اندبندنت عربية
ملخص
لا يسير السرد في رواية “عام اللؤلؤ” لسوزانا برابتسوفا (ترجمة خالد البلتاجي – دار الكتب خان) خطياً، فهو ينطلق من لحظة آنية، تواكب مرور 10 أعوام على تحرر التشيك من الحكم الشيوعي، ليسترجع أوقاتاً متفرقة من حياة بطلتها الأربعينية، التي لطالما عانت صراعاً نفسياً بسبب عدم قدرتها على التوافق مع التحولات التي ترتبت على “الثورة المخملية”.
تتميز رواية “عام اللؤلؤ” للتشيكية سوزانا برابتسوفا (1959 – 2015) ببنائها الدائري، فهي تبدأ بانهيار عالم بطلتها التي طالما آمنت بالشيوعية كنظام اجتماعي نموذجي، وتنتهي بها وقد اختارت حياة التشرد، بعيداً من زوجها الذي لم يتفهم اختلافها: “أفضل أن أعيش وأنا أنظر إلى صورة مارلين مونرو، لا إلى صورة المناضل الكوبي الملتحي” (ص: 379).
صدرت الطبعة التشيكية للرواية عام 2000 تحت عنوان (Rok Perel) وجرت ترجمتها إلى العربية بدعم من وزارة الثقافة في جمهورية التشيك، وبطلتها “لوتسيا” التي تعمل صحافية، تتولى السرد في معظم المتن بضمير المتكلم، وهناك في الوقت نفسه مساحة لراو عليم، وأخرى للابنة “تيريزا”.
ويحيل عنوان “عام اللؤلؤ” إلى العام الذي عاشته “لوتسيا” سراً مع “ماجدولينا” ذات الأصول الإسبانية، والتي تصغرها بـ 20 عاماً، في شقة على أطراف براغ، وتتذكر “لوتسيا” بعد إصابتها باكتئاب حاد بعد انهيار علاقتها بـ “ماجدة”، أنها كانت في التاسعة من عمرها عندما دخلت القوات السوفياتية بلدها، وأقامت فيه نظام حكم شيوعي، وأن انتهاء تلك الحقبة واكب بلوغ ابنتها أيضا التاسعة من عمرها، وترتبت عليه تحولات عامة، ارتبطت على نحو ما بتحولات شخصية دراماتيكية، انتهت بمحاولتها الانتحار، بعد فشل محاولتها قتل “ماجدة”، ونقلها إلى مستشفى للعلاج من إدمان الكحول، ثم خروجها منه إلى الشارع، لتكمل رحلتها نحو التوافق مع هويتها الجنسية.
أزمة وجودية
تقول “لوتسيا” وهي تتأمل أزمتها الوجودية ” ابنة، أم، زوجة، محررة، كلها كانت مجرد أدوار ثانوية لسد الذرائع، لكن ماذا بعد؟ هل من الممكن وأنتِ على أبواب الـ 40 أن ترقصي فوق الثلج حافية، بينما اعتدتِ ارتداء حذاء ثقيل وثلاثة جوارب قي قدميك؟” (ص: 170).
وهنا يتدخل الراوي العليم “هل يمكن الاستدلال على تفوق هرمونات الذكورة لديها؟ وهل يمكن لمن سادت هرمونات الرجولة لديها الاستدلال على ميولها المثلية؟”.
أما صديقة طفولتها “ريناتا موسيل” فتحوّلت بعد الثورة إلى ” امرأة ناجحة في العمل الدبلوماسي، تؤنس في حفلات الاستقبال نساء دبلوماسيين آخرين ناجحين، بكل اعتدال وتواضع، بمعلوماتها الثقافية الواسعة بلغة إنجليزية رصينة بالطبع، وتستمع في لحظات الفراغ النادرة إلى أصوات التينور التي تعشقها من خلال مكبرات جهاز الموسيقى، وترسل إليّ بين حين وآخر بطاقات من كل أرجاء العالم”.
وبالنسبة إلى “ماجدة” فتصفها “لوتسيا” المولعة بمصر القديمة على النحو التالي ” كان رأسها كبيراً على غير العادة. مقدمة شعرها داكنة اللون. بشرتها سمراء ولها عينان استطالتا بخط أسود. كانت عندما تغضب تتجمد مثل رسم مصري قديم. تشبه ميريت آمون، زوجة سنفرو”.
و”ماجدة” كانت تعمل موظفة استقبال في فندق صغير في بلدة صغيرة تدعى سوشيستا، وتنادي رفيقتها باسم “لوبينكا”، ولا تزال عذراء لأنها تكره الرجال، وتقول “لوتسيا” أيضاً عن “ماجدة”، “عيناها أعمق من نهر النيل”.
الأم والابنة
“لوتسيا” في الـ 40 من عمرها، تتبادل مع ابنتها “تيريزا” التي بلغت للتو الـ 19 من عمرها، السرد الذي يتولاه أحياناً راو عليم.
“تيريزا” المراهقة تركت بيت أسرتها لتقيم مع جماعة فوضوية في بيت مهجور، “يعقوب” زوج “لوتسيا” يعتنق البوذية، ومولع في الوقت نفسه بالصيد، وبأداء عمله معلماً في مدرسة ابتدائية على أكمل وجه، لكن التحول الأبرز في حياة “لوتسيا” يأتي عقب ارتباطها وهي على أعتاب الـ 40 من عمرها بعلاقة مع فتاة تصغرها بـ 20 عاماً من أصول إسبانية، وسرعان ما تنهي “ماجدولينا” تلك العلاقة فتصاب “لوتسيا” باكتئاب حاد، ويتفاقم لديها مرض السرقة، كما يتفاقم إدمانها للكحول، فتودع مصحة لعلاج الأمراض النفسية في براغ، وخلال تلك المحنة تستعيد “لوتسيا” محطات من حياتها التي كانت مضطربة على الدوام، بسبب انجذابها الجنسي نحو الفتيات، ونفورها من العلاقات الحميمية الطبيعية، وشغفها منذ طفولتها بألعاب الذكور، ولكنها في محاولة للهرب من هويتها الجنسية المضطربة، تتزوج من “يعقوب” الذي يعمل مدرساً، وينجبان “تيريزا” التي بدورها تشعر بالضياع في ظل عدم انسجام العلاقة بين والديها، فتقرر الدخول إلى عوالم المشردين، ولكن من دون أن تفقد التعاطف مع الواقع المأسوي الذي تعيشه أمها، في ظل إهمال أبيها لها وإصراره على عدم تفهم اختلافها.
تقول “لوتسيا” عن زوجها “سافر لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع أصدقائه في بيرونكا. إنه يصيد الأسماك. يعمل معلماً في مدرسة، لا يسمح بأن يرسب أحد في فصله. عاملني كما يعامل تلاميذه، وبالتالي ما كان ليسمح لي بأن أرسب. الفكرة الرئيسة في البوذية هي ألا تتعلق بشيء، لكن يعقوب تعلق بعدم التعلق”.
وتقول “تيريزا” إن “هناك أمور بعينها لم تستطع أمي التعايش معها: أني في الـ 19 من عمري، وأني أجيد ثلاث لغات عالمية، وأني قادرة على السفر، وأن لديّ موقعاً إلكترونياً على الإنترنت، وأني أتردد كل يوم أحد في صحبة ‘مارك’ للعب البولينغ، وأني أرش في أثناء الليل واجهات عرض ماكدونالدز باللون الأسود، بينما هي كانت غير صالحة للحياة في هذا العالم، وكانت تعرف هذا الأمر جيداً. كانت ضائعة، مرتبكة، بعيدة من العالم تماماً. لم تحقق شيئاً مما أرادته. نشأت في كنف النظام الشيوعي، بلا أية آمال”، مضيفة أنها “تتميز بحاسة شم ممتازة. كانت تصلح تماماً للعمل في تجربة الروائح والعطور في ظل ظروف رأسمالية قاسية. كانت دائماً تشم رائحتي، ثم تخبرني بما أكلناه على الغداء في مطعم المدرسة”.
صوتان متداخلان
تعمل “لوتسيا” صحافية، وكانت تحاول من خلال عملها تسليط الضوء على ما يفرضه المجتمع من قيود على العلاقات المثلية، ومن أمثلة ذك حوار تجريه مع باحثة تدعى “بارا”، تجري دراسة عنوانها “وضع السيدات المثليات في المجتمع في الجمهورية التشيكية والنماذج الأسرية البديلة في مجتمع متغاير الجنس”، فيرفع مبيعات الصحيفة وينعش موقعها الإلكتروني فور نشره.
تعيش “بارا” مع “يتكا”، وهي معلمة تربية فنية في مدرسة إعدادية، ويستعدان لاستقبال طفل حملت به الأولى بحقن مجهري بالحيوانات المنوية لزوج عشيقتها السابق، وقد كانت في الـ 16 من عمرها عندما انتهت علاقتها الحميمية بصديقة طفولتها التي سافرت فجأة مع أسرتها لمرافقة الأب في عمله الدبلوماسي، الذي يتطلب التنقل من بلد إلى آخر، وتصف “ماجدة” بأن ” قبضة يدها كإرادتها، صخرة من صخور الأهرامات”، وفيما يخص التحولات العامة يستوقفها أن السينما أصبحت عبارة عن أغنية مصورة، وأصبح الأدب مادة إعلانية، لكنها في الأخير تقول لنفسها “أعجبني الأمر ولم أشعر بأي استياء من أن البشر توقفوا عن عادة الذهاب إلى السينما وقراءة الأدب” (ص:271).
يتداخل صوتان في السرد: “لوتسيا” وابنتها “تيريزا”، وفي بعض المواضع يحضر ضمير الغائب في سرد راو عليم، وتتعدد الضمائر بين مخاطب وغائب ومتكلم، وفي الختام تتسلّم “تيريزا” السرد مجدداً قبل أن يتولاه را عليم: ” تشردت الأم وراحت الابنة تبحث عنها، فيما لم يبد يعقوب أي اهتمام بالأمر”، ثم يعود السرد مجدداً للأم المحطمة، ” يتحمل صائدو اللؤلؤ على سواحل اليابان البقاء تحت سطح الماء من دون أجهزة مدة 15 دقيقة. تعجبني الحياة هنا، فكثيراً ما حلمت بالشيوعية كنظام اجتماعي نموذجي، فضلاً عن أني عثرت على ‘الشياطين’ وفتحتها على أول صفحة. وجدت هناك شعاراً لبوشكين: اقتلني، فكل الآثار اختفت واختفى معها الطريق. الشيطان يأخذنا إلى الدائرة ويطاردنا في الحقول” (ص: 279).
سوزانا برابتسوفا (1959 – 2015)، منعت من الدراسة في الجامعة لأسباب سياسية إبان الحقبة الشيوعية، ونشرت أعمالها قبل الثورة عام 1989 التي أنهت النظام الشيوعي في دور نشر سرية، ثم صدرت روايتها الأولى عام 1987 “بعيداً من الشجرة”، وكانت أول الأدباء الذين حصلوا على جائزة “يرشي أورتل” الأدبية عن روايتها “عام اللؤلؤ” التي صدرت عام 2000، وقبل ذلك أصدرت في عام 1995 رواية “بلد اللصوص”، ورواية “الأسقف” عام 2012.