ملخص
تواجه الولايات المتحدة خطر خسارة تفوقها الصناعي والتكنولوجي لمصلحة الصين، بعدما فصلت الابتكار عن الإنتاج وسمحت بتآكل قاعدتها التصنيعية، فيما بنت بكين منظومة تمويل ودعم حكومي مكنتها من السيطرة على صناعات المستقبل وسلاسل التوريد الحيوية. ويبرز إنشاء صندوق استثمار استراتيجي برأسمال قدره 50 مليار دولار بوصفه أداة لتنسيق التمويل والمشتريات والحوافز والسياسات التجارية، وحشد رأس المال الخاص لإعادة بناء القدرة الصناعية الأميركية.
لأكثر من قرن، شكلت قدرة أميركا الفريدة على الابتكار والتصنيع ونشر التكنولوجيا أساس ازدهار الولايات المتحدة وقوتها. لكن هذا الأساس بات اليوم تحت ضغط عصر جديد من المنافسة التي تقودها الدول، وقد حذر الاقتصاديان ديفيد أوتور وديفيد دورن من “صدمة صينية ثانية”، لا بسبب تدفق الصادرات الرخيصة، بل نتيجة سعي الصين إلى تحقيق التفوق التكنولوجي. فبكين تنافس على الريادة العالمية في أحدث الصناعات وأكثرها تقدماً، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والفضاء، وطاقة الجيل المقبل، والتكنولوجيا الحيوية.
واستخدمت بكين هذا النهج أيضاً للسيطرة على سلاسل التوريد الحيوية، مستغلة هذه السيطرة للضغط على منافسيها الجيوسياسيين. ففي عام 2010، أوقفت الصين صادرات المعادن النادرة إلى اليابان خلال نزاع دبلوماسي حول جزر في بحر الصين الشرقي. وبعد 15 عاماً، وخلال الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، فرضت قيوداً على هذه المواد لتعزيز موقعها في المواجهة، مما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى خفض الرسوم الجمركية التي تجاوزت نسبتها 100 في المئة على البضائع الصينية. وبالنسبة إلى الصين، أصبحت القدرة الصناعية أداة للإكراه بقدر ما هي وسيلة لتعزيز القدرة التنافسية.
وفي الوقت الذي كانت فيه الصين تبني قوتها الصناعية، كانت الولايات المتحدة تسمح بانتقال جزء كبير من قاعدتها الإنتاجية إلى الخارج. ولعقود عدة، بدا أن هذا التحول لا ينطوي على كلفة استراتيجية تذكر. فقد ظلت أميركا المركز الرائد عالمياً للبحث والابتكار، حتى مع تراجع فرص العمل في قطاع التصنيع وامتداد سلاسل التوريد عبر القارات، لكن كلفة فصل الابتكار عن الإنتاج أصبحت اليوم أكبر من أن تتجاهل. فمع انتقال المصانع إلى الخارج، خسرت الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من قوتها العاملة الماهرة والخبرات اللازمة للتصنيع بسرعة وعلى نطاق واسع. وإذا لم تغير مسارها، فقد تتنازل للصين عن تفوقها التكنولوجي، ثم، بمرور الوقت، عن مكانتها القيادية الأوسع على الساحة العالمية.
ولتجنب تآكل ما سماه ألكسندر هاملتون “مقومات الإمداد الوطني”، يجب على الولايات المتحدة إحياء المنظومات التي تسمح بازدهار الصناعات التحويلية المعقدة وذات القيمة العالية. ببساطة، يجب أن تصبح الولايات المتحدة أكثر قدرة على تصنيع ما تصممه.
لكن ينبغي ألا تسعى واشنطن إلى استنساخ النموذج الصيني القائم على دعم الدولة بكل تفاصيله، ففي نهاية المطاف تتمتع الولايات المتحدة بمزايا عدة تتفوق بها على الصين، بما في ذلك رواد الأعمال والجامعات وأسواق رأس المال، التي تعد الأعمق والأكثر سيولة في العالم. غير أن هذه الأسواق مصممة لتعظيم الكفاءة، لا لتعزيز الصمود أو الأمن. ومن ثم، يتمثل التحدي في تحويل رأس المال إلى قدرة إنتاجية، وتوجيه الاستثمارات نحو الصناعات التي تشكل ركائز القوة الوطنية الحديثة والحيوية الاقتصادية، مثل الحوسبة المتقدمة، والتكنولوجيا الحيوية، والروبوتات، والمعادن الحيوية، والمواد الأولية اللازمة لصناعة الأدوية، والتصنيع المتقدم، والبنية التحتية التي يقوم عليها نظام الطاقة الكهربائية. والحل المقترح هو إنشاء مؤسسة وطنية طموحة للاستثمار الاستراتيجي، يكون صندوق الاستثمار الاستراتيجي الفيدرالي أداتها الرئيسة.
الآباء المؤسسون
منذ تأسيسها، تعاملت الولايات المتحدة مع التمويل بوصفه أداة من أدوات السيادة. ففي “تقرير حول الصناعات التحويلية” قدمه إلى الكونغرس عام 1791، أوضح هاملتون أن الاستقلال الاقتصادي لا ينفصل عن الاستقلال السياسي، ورأى أن على الجمهورية الفتية استخدام الائتمان العام لتنمية الصناعة الإنتاجية وتعزيز القوة الوطنية. وتصور هاملتون نموذجاً عملياً للرأسمالية المدعومة من الدولة، تستخدم فيه القروض و”الحوافز” لتشجيع “الصناعات الناشئة”، وتحمي فيه الرسوم الجمركية القطاعات الاستراتيجية، بينما توجه المؤسسات العامة رأس المال نحو الأهداف الوطنية طويلة الأجل. وكلما واجهت الولايات المتحدة اختبارات وجودية، عاد قادتها لمنطق هاملتون.
وعندما تجمدت أسواق الائتمان خلال الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية، عملت “مؤسسة تمويل إعادة الإعمار” RFC، التي أنشئت عام 1932، على سد الفجوة، وأدت دور المستثمر الاستراتيجي، فمولت البنوك والمرافق والإسكان والتصنيع، وحققت عوائد مالية وأسهمت في استعادة الثقة في الأسواق الأميركية. أما الهيئة التابعة لها التي أنشئت في زمن الحرب، “مؤسسة مصانع الدفاع” DPC، فشيدت أكثر من 2000 مصنع وحوض لبناء السفن، ثم نقلت ملكيتها لاحقاً إلى مشغلين من القطاع الخاص، مما أرسى الأسس التي قامت عليها الهيمنة الأميركية بعد الحرب في صناعات الصلب والطيران والمواد الكيماوية.
ثم أوقفت “مؤسسة مصانع الدفاع” عملياتها مع نهاية الحرب، فيما توقفت “مؤسسة تمويل إعادة الإعمار” عن العمل عام 1957، لكن بفضل موازنتيهما المستقلتين وإدارتهما الاحترافية، قدمتا نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه منظومة مسؤولة للاستثمار العام. وأظهرتا أن رأس المال العام، إذا وظف بكفاءة، يمكن استخدامه للاستثمار في الصناعات الحيوية التي لا يكون رأس المال الخاص مستعداً أو قادراً على تمويلها بمفرده.
وخلال الحرب الباردة، أنشأت واشنطن مجموعة من المؤسسات الجديدة التي ربطت الطموح العلمي بالهدف الاستراتيجي، في إطار سعيها إلى التفوق على الاتحاد السوفياتي. وعكس تأسيس “وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة”، و”ناسا”، وهيئة الطاقة الذرية، والمختبرات الوطنية، إدراكاً لدى واشنطن بأن المنافسة الجيوسياسية تتطلب استثماراً عاماً مستداماً.
وقد أثبت هذا النهج نجاحه، فوفرت المشتريات المبكرة لأشباه الموصلات للأغراض الدفاعية والفضائية الطلب اللازم الذي جعل هذه التكنولوجيا، بمرور الوقت، أقل كلفة وأكثر كفاءة في الإنتاج. فقد اشترى برنامج “مينتمان” التابع لسلاح الجو الأميركي وبعثات “أبولو” التابعة لـ”ناسا” آلاف الرقائق، في وقت لم يكن فيه أي مشتر من القطاع الخاص. ومع نمو الطلب الحكومي وانخفاض الكلفة، تشكلت منظومة تجارية أميركية متكاملة لصناعة أشباه الموصلات. فتأسست شركة “فيرتشايلد” عام 1957، وتبعتها شركتا “إنتل” و”إيه إم دي” في ستينيات القرن الـ20، ثم شركة “ميكرون” في السبعينيات. كما وسعت شركات التكنولوجيا القائمة، مثل “تكساس إنسترومنتس” و”موتورولا”، نشاطها في مجال أشباه الموصلات ليشمل الاستخدامات العسكرية والتجارية.
لكن بحلول منتصف سبعينيات القرن الـ20، بدأ الإجماع السياسي والاقتصادي الأوسع الداعم للدور الفيدرالي الموسع في التنمية الصناعية يتراجع. فقد أدى التضخم وأزمات الطاقة والضغوط المالية المصاحبة لهما إلى تآكل الثقة العامة في قدرة الحكومة على أداء دور بناء في الاقتصاد. وساد إجماع جديد في واشنطن مفاده بأن الأسواق، بما تتمتع به من مرونة وانضباط يفوقان البيروقراطيات الحكومية، هي الأداة الحقيقية الوحيدة لتخصيص رأس المال بكفاءة.
وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الـ20، تقلص دور واشنطن من مستثمر إلى جهة تنظيمية. فبعدما كانت تساعد في بناء الصناعات، أصبح دورها يقتصر على وضع قواعد المنافسة في السوق من خلال لوائح مكافحة الاحتكار ومتطلبات الإفصاح. وحافظت وكالات مثل “المعاهد الوطنية للصحة” و”وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة ” على قوتها خلال مرحلة تحرير السوق في عهد ريغان، والانضباط المالي والاندماج في الاقتصاد العالمي في عهد إدارة كلينتون، لكن الروابط التي كانت تجمع البحث والتمويل والإنتاج أخذت تتآكل، ولم تبدأ هذه الروابط في التعافي إلا خلال العقود الأولى من القرن الـ21.
استثمار بخصائص صينية
بعد جيل كامل من الصدمة الصينية الأولى التي أضعفت القاعدة الصناعية الأميركية، بدأت تتكشف الآن صدمة صينية ثانية. ففي القرن الـ21، جعلت بكين الريادة التكنولوجية مشروعاً وطنياً، وحشدت التمويل والمشتريات والسياسات لترسيخ مواقع مهيمنة في صناعات المستقبل.
وشيدت الصين نظاماً متكاملاً للاستثمار الموجه من الدولة، يجمع بين التخطيط المركزي والتجريب اللامركزي. فقد أنشأت المقاطعات والمدن والوزارات الوطنية أكثر من 1700 “صندوق توجيهي”، جمعت ما يقارب 700 مليار دولار من رؤوس الأموال. وبفضل ما توفره الحكومة من أراض وتصاريح، توجه هذه الصناديق، التي تدار باحتراف وتسعى إلى تحقيق الأرباح، استثمارات رأسمالية إلى القطاعات ذات الأولوية. وقد أدى هذا النهج إلى قدر هائل من الازدواجية والهدر، لكنه أنتج أيضاً شركات وطنية رائدة قادرة على الهيمنة عالمياً في مجالاتها، مثل شركة “كاتل” CATL لتصنيع البطاريات، وشركة “لونغي” LONGi لإنتاج تكنولوجيا الطاقة الشمسية، وشركة “دي جاي آي” DJI لإنتاج الطائرات المسيرة، وعملاق الاتصالات “هواوي”. وفي الوقت نفسه، تحول الصين المعرفة المتولدة من تصنيع هذه المنتجات إلى مكاسب في المجالات الواقعة في طليعة التطور التكنولوجي، بما في ذلك قطاعات هيمنت عليها الولايات المتحدة تقليدياً، مثل التكنولوجيا الحيوية.
ولا يقتصر النظام الصيني على تمويل جانب العرض، بل يخلق الطلب أيضاً. فقد أنشأت السلطات الوطنية والمحلية أسواقاً جديدة من خلال مزيج من الإعانات والمشتريات والتنظيم، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك سياسة مدينة شنتشن لتشجيع السيارات الكهربائية. فمن خلال إلزامها بتحويل حافلات المدينة وسيارات الأجرة فيها إلى مركبات كهربائية، منحت المدينة شركة “بي واي دي”، التي كانت آنذاك شركة ناشئة في صناعة السيارات الكهربائية، طلباً مضموناً، وتدفقاً نقدياً مستقراً، وبيانات مستمدة من الاستخدام الفعلي لم يكن القطاع الخاص قادراً على توفيرها بمفرده. وسرعان ما ازدهرت حول الشركة منظومة صناعية متكاملة للسيارات الكهربائية. فتجمع موردو البطاريات والإلكترونيات حول “بي واي دي”، وأنشأت شركات المدينة وشبكات الكهرباء البنية التحتية للشحن والاختبارات، فيما وفرت الجامعات المحلية تدفقاً مستمراً من المهندسين والفنيين المتخصصين. ومنذ ذلك الحين، تجاوزت شركة “بي واي دي” شركة “تسلا” في حجم المبيعات العالمية، كما تخطت الصين اليابان لتصبح أكبر مصدر للسيارات في العالم.
لقد استوعبت بكين درساً كانت الولايات المتحدة قد فهمته جيداً خلال منافستها مع الاتحاد السوفياتي، وهو أن الريادة التكنولوجية لا تعتمد على الابتكار فحسب، بل على القوة الصناعية أيضاً. وقد كيفت الصين هذا المنطق بما يتلاءم مع نظامها السياسي، فاستبدلت الشراكة الأميركية بين الاستثمار العام والقطاع الخاص بنموذج رأسمالي موجه من الدولة والحزب.
استنزاف القدرة الصناعية
على امتداد معظم القرن الـ20، شيدت الولايات المتحدة، الغنية بمواردها الطبيعية الهائلة، أقوى قاعدة صناعية في العالم، عرفت باسم “ترسانة الديمقراطية”. لكن الأزمات الأخيرة كشفت عن مدى هشاشة قدرتها الحالية على التصنيع، فالعالم يعتمد اليوم على تايوان لإنتاج أكثر الرقائق الإلكترونية تقدماً، مما يجعلها حلقة ضعف وحيدة وهشة في سلاسل الإمداد العالمية. وفي قطاع الأدوية، يعتمد نحو 700 دواء معتمد في الولايات المتحدة، بما في ذلك أدوية أساسية مثل المضادات الحيوية، على مادة كيماوية واحدة في الأقل تنتج حصرياً في الصين. كما تهيمن الصين على تكرير المعادن النادرة والغرافيت، وهما عنصران أساسيان في صناعة المغناطيسات والبطاريات المستخدمة في أنظمة الدفاع والطاقة النظيفة. كما يحد النقص في أحواض صيانة وإصلاح السفن في الولايات المتحدة من جاهزية الأسطول البحري، فيما أدى الاعتماد على محولات الطاقة المستوردة إلى إبطاء تحديث شبكة الكهرباء الوطنية وجعلها عرضة لانقطاعات مطولة.
وفي وقت تبني فيه الصين منظومات صناعية مترابطة ومتكاملة بإحكام، تنتقل فيها المواد والموردون وعمليات التصنيع بسلاسة من مرحلة التصميم إلى الإنتاج الضخم، سمحت الولايات المتحدة لمنظومتها الخاصة بالتقنيات الكهربائية، أي سلاسل التوريد المترابطة للمعادن الحيوية والبطاريات وإلكترونيات الطاقة والرقائق الإلكترونية، بالانتقال تدريجاً إلى الخارج، مما أضعف تراكم الخبرات وعمق القاعدة الصناعية.
وأثبتت فرقة العمل المعنية بالإنتاج في اقتصاد الابتكار والتابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الابتكار في الصناعات المعقدة ذات القيمة العالية يعتمد على التقارب المكاني بين التصميم والإنتاج. فعندما ينتقل التصنيع إلى الخارج، تنقطع حلقات التغذية الراجعة بين المهندسين ومواقع الإنتاج، فيتأثر الابتكار سلباً. وتمثل إعادة إحياء التصنيع، إذا نفذت على النحو الأمثل، شرطاً أساسياً لتجديد قدرة الولايات المتحدة على الابتكار، وأساساً لقوتها الاستراتيجية.
قيود رأس المال
تسيطر الولايات المتحدة على أكثر أسواق رأس المال تطوراً في العالم، لكنها مصممة لتحقيق أفضل أداء في القطاعات التي يسهل فيها تقدير الإيرادات وتنويع الأخطار، وتظهر نتائجها سريعاً، وتكون كلفة الفشل فيها منخفضة نسبياً. غير أن الاستثمارات المطلوبة لإعادة التصنيع في الولايات المتحدة لا تتناسب بالضرورة مع هذا النموذج، وهناك ثلاثة عوائق مالية رئيسة تقف في طريقها.
أولاً، تعتمد بعض القطاعات الصناعية الاستراتيجية على ظروف لا تستطيع الأسواق الخاصة توفيرها أو تسعيرها بصورة موثوقة. فمحطات الطاقة النووية، ومصانع أشباه الموصلات، وأحواض بناء السفن، ومصانع محولات الطاقة، ومصافي تكرير المعادن النادرة، تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة مقدماً، وآفاقاً زمنية تمتد لعقود قبل تحقيق العائد على الاستثمار، واستقراراً في السياسات، وثقة في الطلب طويل الأجل. ويمكن لأي تغيير في الرسوم الجمركية، أو قواعد الشراء، أو معايير شبكات الكهرباء، أو أسعار السلع الأساسية أن يقضي على العوائد بين عشية وضحاها. ولذلك، تتمثل الاستجابة المنطقية للمستثمرين في التريث والترقب قبل الالتزام بضخ رؤوس أموال كبيرة. ومن وجهة نظر كل مستثمر على حدة، يعد هذا الحذر منطقياً، لكنه يؤدي على المستوى المجتمعي إلى نقص الاستثمار. وبإمكان السياسات الحكومية تغيير هذه المعادلة، فعندما توفر الدولة قدراً من اليقين من خلال عقود شراء طويلة الأجل، أو لوائح تنظيمية مستقرة، أو ضمان حد أدنى للأسعار، فإنها تمنح المستثمرين القدرة على التنبؤ التي يحتاجون إليها، فيتدفق رأس المال الخاص.
ثانياً، أظهرت بحوث فرقة العمل المعنية بالإنتاج في اقتصاد الابتكار أن الولايات المتحدة تواجه فجوة تمويلية في مرحلة “التوسع”، الواقعة بين تمويل رأس المال المغامر والطرح في الأسواق العامة، وهي المرحلة التي يتعين فيها نقل التقنيات الواعدة من النموذج الأولي إلى الإنتاج الفعلي. وتستطيع الشركات الكبرى متعددة الجنسيات الاعتماد على تدفقاتها النقدية الداخلية لسد هذه الفجوة، أما الشركات الصناعية المحلية الصغيرة، التي تشكل غالبية قطاع التصنيع الأميركي، والشركات الناشئة في مجال التصنيع المتقدم، فلا تستطيع فعل ذلك. وقد اختفت البنوك المحلية التي كانت تمول المنتجين الإقليميين الأصغر حجماً، فيما يميل مستثمرو رأس المال المغامر إلى تجنب الاستثمار في إنشاء المصانع، إذ يرون أنه يتطلب أصولاً ضخمة ويستغرق وقتاً طويلاً لتحقيق عوائد تضاهي عوائد رأس المال المغامر، والنتيجة نقص هيكلي في التمويل القادر على مساعدة الشركات في اجتياز مرحلة التوسع الطويلة والمحفوفة بالأخطار والكثيفة رأس المال.
وأخيراً، تفشل الأسواق في تقييم العوامل الخارجية الإيجابية، أي الآثار غير المباشرة التي تنشأ عندما تحقق الاستثمارات الخاصة منافع اجتماعية أو استراتيجية لا يستطيع المستثمر الاستفادة منها بالكامل. فالقطاعات الصناعية الاستراتيجية القائمة على أصول مادية، بما فيها التصنيع المتقدم، والطاقة النظيفة، وأشباه الموصلات، والروبوتات، تخلق تعلماً بالممارسة، وشبكات من الموردين، وقدرات هندسية تعزز منظومة التصنيع الأوسع، لكنها لا تحقق دائماً عوائد مالية لشركة واحدة بعينها.
ويوضح مسار التصنيع الأميركي هذه الديناميكية، فبمجرد تفكك منظومات الإنتاج، يصبح من الصعب للغاية إعادة بنائها. فعلى سبيل المثال، انهارت صناعة بناء السفن الأميركية بعد ثمانينيات القرن الـ20، عندما سحبت الإعانات الحكومية، مما أدى إلى إضعاف شبكة الموردين المتخصصين وخبرات التصميم. ومنذ ثمانينيات القرن الـ20، أدى نقل تصنيع المحولات وأدوات الآلات الأميركية إلى الخارج إلى خفض تكاليف المشتريات للشركات المستخدمة لها في المراحل اللاحقة من الإنتاج، لكن ذلك لم يحقق سوى مكاسب قصيرة الأجل، في مقابل القضاء على القاعدة المحلية للمهندسين ومصنعي المكونات. وقد يبدو قرار كل شركة بنقل عملياتها إلى الخارج منطقياً إذا نظر إليه بمعزل عن غيره، لكن هذه القرارات مجتمعة أضعفت المعرفة المتراكمة في عمليات التصنيع، ومعها جوهر القدرة الإنتاجية للبلاد.
وتزيد العوامل الجيوسياسية من حدة هذه الإخفاقات السوقية، فالتدخلات الصينية المدعومة من الدولة في هذه الصناعات تقصي المنتجين الأميركيين وحلفاءهم من الأسواق، حتى عندما يكون هؤلاء المنتجون رواداً في مجال التكنولوجيا. وكما أخبرني أحد الرؤساء التنفيذيين المبتكرين في قطاع التصنيع الأميركي، كان جمع رأس المال في الولايات المتحدة لتمويل تكنولوجيا هي الأولى من نوعها أشبه بسلسلة من التجارب التي كادت تودي بشركته، قبل أن تتعرض سريعاً للتقويض بفعل تدفق منافسين صينيين يقلدون المنتجات والتقنيات، وتدعمهم إعانات حكومية وأراض مجانية ومشترون مضمونون.
لكن العقبة التي تواجه الصناعة الأميركية لا تتمثل في المنافسة المدعومة بالإعانات في الخارج فحسب، بل أيضاً في تشتت مؤسسات الدولة في الداخل. ففي قطاعات مثل الطاقة النووية أو معالجة المعادن، لا تكمن المشكلة في نقص رأس المال وحده، بل أيضاً في “التكاليف غير المباشرة” الباهظة، وحالة عدم اليقين الناجمة عن منظومة غير مترابطة من إجراءات إصدار التراخيص واللوائح التنظيمية. ويؤدي التعامل مع هذه البيروقراطية إلى استنزاف رأس المال على مدى سنوات من دون خلق أية قيمة ملموسة في المقابل، كما أن بطء المشتريات الحكومية وعدم اتساقها يعجزان عن توفير الطلب المستقر الذي تحتاج إليه الشركات للوصول إلى حجم الإنتاج المطلوب.
لذلك، يجب أن يقترن الاستثمار العام في واشنطن بنهج جديد في صنع السياسات. ولا يتعين على واشنطن مجاراة بكين دولاراً بدولار في الإنفاق، لكنها تحتاج إلى تصحيح اختلال هيكلي بين عمقها المالي وقدرتها الإنتاجية، وهو اختلال لا تستطيع الأسواق وحدها معالجته.
تنسيق أدوات القوة الاقتصادية
لا تزال الولايات المتحدة تدير أقوى نظام في العالم لدعم الابتكار في مراحله المبكرة، وتواصل ” وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة” والمختبرات الوطنية و”وحدة الابتكار الدفاعي” دعم التقنيات الرائدة. كما يوفر “قانون الإنتاج الدفاعي” و”مكتب رأس المال الاستراتيجي” قروضاً وضمانات موجهة في المجالات الأمنية الحيوية. لكن في غياب إطار مشترك ينسق الأدوات الرئيسة لإدارة القوة الاقتصادية للدولة، تتعثر الاستثمارات الفردية بسبب التعقيدات الإجرائية وعدم التوافق المؤسسي.
ولأن الولايات المتحدة تفتقر إلى إطار يحدد الصناعات ذات الأهمية الاستراتيجية، ويبين الحد الأدنى من القدرات المحلية أو قدرات الحلفاء المطلوبة، فقد ظل التحرك الفيدرالي قائماً على ردود الفعل ومدفوعاً بالأزمات. فقد استخدمت إدارة ترمب الأولى صلاحيات الطوارئ لتأمين معدات الوقاية الشخصية والإمدادات الطبية خلال جائحة كورونا، وأجرت إدارة بايدن تدخلات محددة للحفاظ على إنتاج الذخائر ومحركات الصواريخ العاملة بالوقود الصلب بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. كما لجأت إدارتا بايدن وترمب الثانية إلى “قانون الإنتاج الدفاعي” لدعم معالجة المعادن النادرة وزيادة قدرات إنتاج المغناطيسات الدائمة، مع تصاعد تهديدات الصين بتقييد صادراتها. وما دامت واشنطن تفتقر إلى استراتيجية شاملة، فستظل الإجراءات متقطعة وضيقة النطاق، وعرضة للتراجع عنها مع تغير الإدارات.
وحتى عندما تكون الأولويات واضحة، تفتقر الولايات المتحدة إلى مؤسسة قادرة على تنسيق الاستثمار، والالتزامات المتعلقة بالطلب، واللوائح التنظيمية، والسياسة التجارية، لتحقيق أهداف مشتركة. وقد لجأت الإدارات السابقة إلى إبرام صفقات من خلال الجمع بين صلاحيات موزعة على وكالات مختلفة. وفي الأعوام الأخيرة، مضت استثمارات في المعادن النادرة ومواد البطاريات من دون آليات طويلة الأجل للمشتريات الحكومية أو لتحقيق استقرار السوق، فيما جرى التفاوض على حوافز “قانون الرقائق والعلوم” مشروعاً مشروعاً، مع تفاوت في دمج إجراءات الحماية التجارية أو تحفيز الطلب في المراحل اللاحقة من سلسلة الإنتاج. ولا تزال الجهود المبذولة لإعادة بناء قدرات صناعة السفن وإنتاج المحولات تصطدم بإجراءات مرهقة للحصول على التراخيص والامتثال للوائح على المستويات الفيدرالية ومستوى الولايات والسلطات المحلية.
كما تفتقر الولايات المتحدة إلى مستثمر عام دائم يعمل من داخل أسواق رأس المال، ويستطيع إقامة شراكات مباشرة مع صناديق الاستثمار الخاصة والبنوك والمستثمرين المؤسسيين، إذ تجري كل وكالة على حدة مفاوضات حول الاستثمارات الاستراتيجية من خلال برامج مصممة لكل حالة وتقع خارج المسار المعتاد للصفقات، مما يحد من قدرة الحكومة على تقدير الأخطار، وحشد مجموعات كبيرة من رأس المال الخاص، وتوسيع الهياكل التمويلية الناجحة وتطبيقها في قطاعات مختلفة. ومن دون منصة احترافية تتيح تكرار نماذج الاستثمار المشترك، يتحول الدعم الحكومي في كثير من الأحيان إلى بديل عن التمويل الخاص بدلاً من أن يكون محفزاً له.
وأخيراً، لا تمتلك الولايات المتحدة آلية مؤسسية لمواءمة استثماراتها الاستراتيجية مع استثمارات الحلفاء. وبدلاً من ذلك، لجأت الإدارات الأميركية في الأعوام الأخيرة إلى إدراج “صناديق” استثمارية موقتة ومصممة لغرض محدد ضمن اتفاقات تجارية مع حلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية. ومن دون طريقة لتنسيق الاستثمار والمشتريات المشتركة والسياسات التجارية والصناعية، تظل أسواق الدول الحليفة مجزأة، فيما تكرر هذه الدول برامج الدعم نفسها، فلا تستطيع توفير الحجم والقدرة على الاستمرار اللازمين لمنافسة النظام الصيني المدعوم من الدولة.
وقد بدأت حكومات حليفة عدة بالفعل في معالجة هذه الثغرات المؤسسية، ففي عام 2024 أطلق المملكة المتحدة “صندوق الثروة الوطنية” بقيمة 37 مليار دولار بهدف جذب رؤوس الأموال الخاصة للاستثمار في البنية التحتية الاستراتيجية وأمن الطاقة. وفي العام نفسه، أطلقت أستراليا مبادرة “مستقبل صنع في أستراليا”، بقيمة 16 مليار دولار، مدعومة بـ9.5 مليار دولار من الإعفاءات الضريبية على إنتاج الهيدروجين وتكرير المعادن الحيوية، ومقترنة بإطار مركزي لتنسيق الاستثمارات، وينبغي للولايات المتحدة التعاون مع هؤلاء الحلفاء وغيرهم والاستفادة من تجاربهم.
كيف يمكن إعادة التصنيع في أميركا؟
على امتداد تاريخها، أنشأت الولايات المتحدة مؤسسات وجهت رؤوس الأموال لخدمة استراتيجية وطنية، ويعني إحياء هذا التقليد اليوم إنشاء مستثمر عام من نوع جديد، يتمثل في “صندوق الاستثمار الاستراتيجي”، وهو مؤسسة استثمارية عامة منشأة بموجب ميثاق فيدرالي، تعمل وفق آليات السوق، ولها موازنة مستقلة، ومصممة للاستثمار إلى جانب القطاع الخاص في الصناعات ذات الأهمية الاستراتيجية التي أثبتت الأسواق وحدها عجزها عن توفير الدعم الاستثماري اللازم لها، سواء أكانت صناعات قائمة أم ناشئة.
وسينطلق “صندوق الاستثمار الاستراتيجي” برأسمال قدره 50 مليار دولار، وهو مبلغ يقارب حجم التمويل الذي خصصه “قانون الرقائق والعلوم”، لكن بصلاحيات أوسع، وسيتوسع تدريجاً بمرور الوقت كلما أثبت قدرته على الاستثمار بحكمة وحشد رؤوس الأموال الخاصة. وسيستخدم مجموعة متنوعة من الأدوات المالية للشراكة مع الشركات، مع التركيز أساساً على التمويل بشروط جاذبة وضمانات الائتمان، إضافة إلى الديون القابلة للتحويل وغيرها من الأوراق المالية الشبيهة بحقوق الملكية، بما يوفر مرونة استثمارية وإمكان تحقيق عوائد إضافية لدافعي الضرائب. وسيكون رأس المال الأولي البالغ 50 مليار دولار كافياً لدعم محفظة استثمارية متنوعة، لكنه محدود بما يكفي لتمكين الكونغرس من تقييم التجربة قبل اتخاذ أي قرار بتوسيعها. وستسهم القروض والضمانات في مضاعفة أثر كل دولار من المال العام وجذب رؤوس الأموال الخاصة، كما ستتيح الأدوات القابلة للتحويل والشبيهة بحقوق الملكية لدافعي الضرائب حصة من الأرباح المحتملة عند نجاح الاستثمارات.
وسيستند الصندوق إلى المبادرات الأخيرة للاستثمار في القدرة التنافسية الصناعية الأميركية محلياً ودولياً، بما في ذلك “مكتب رأس المال الاستراتيجي” و”وحدة الدفاع الاقتصادي” التابعان للبنتاغون، و”مكتب برامج القروض” التابع لوزارة الطاقة، و”مؤسسة تمويل التنمية”، و”قانون الرقائق والعلوم”، فضلاً عن التدخلات التمويلية الاستثنائية التي نفذتها وزارتا التجارة والطاقة في حالات معينة. وبدلاً من أن يحل الصندوق محل هذه الجهود، سيعمل على توحيد أدوات الاستثمار والتجارة والمشتريات والتنظيم في البلاد ضمن إطار واحد لإدارة القوة الاقتصادية للدولة.
ولضمان وجود استراتيجية متماسكة للتمويل الاستراتيجي، سينشأ مجلس وزاري للاستثمار الاستراتيجي يتولى تنسيق الاستثمارات مع المشتريات الفيدرالية والرسوم الجمركية الموجهة والحوافز الضريبية والإجراءات التنظيمية وبرامج الائتمان، وغيرها من أدوات السياسة العامة. وسيترأس المجلس وزير الخزانة، وسيضم وزراء التجارة والدفاع والطاقة والخارجية، إضافة إلى الممثل التجاري للولايات المتحدة، وستكون مهمته الرئيسة مواءمة أدوات الاستثمار والسياسات الوطنية المختلفة.
وسيعمل المجلس أيضاً على ترتيب تعهدات حكومية بالشراء تمتد أعواماً عدة، تصدر عن وزارة الدفاع وغيرها من الوكالات الكبرى، لتأمين أصول حيوية مثل السفن ومحولات شبكات الكهرباء وأنظمة تخزين الطاقة طويلة الأمد. ومن شأن ذلك توفير الطلب المتوقع والتدفقات النقدية التي يحتاج إليها المستثمرون من القطاع الخاص لتمويل مشاريع لم يكن من الممكن تمويلها في الظروف العادية. كما سيقدم المجلس الدعم للمشاريع ذات الأولوية من خلال تبسيط إجراءات الترخيص وإزالة العقبات البيروقراطية بين الوكالات المختلفة.
وسيتولى إدارة “صندوق الاستثمار الاستراتيجي” مجلس إدارة محترف يضم أعضاء مستقلين من ذوي الخبرة في التمويل والصناعة وشؤون العمل، مع عدد محدود من الأعضاء الذين يمثلون، بحكم مناصبهم، وزارات الخزانة والتجارة والدفاع والطاقة، لتوفير الإشراف الحكومي. وعلى غرار “مؤسسة تمويل إعادة الإعمار”، سيعين رئيس تنفيذي متمرس من القطاع الخاص بعد موافقة مجلس الشيوخ، وسيشغل المنصب لفترة محددة، ويكون مسؤولاً أمام الكونغرس والرأي العام، والهدف هو وضع أكبر قدر ممكن من الضوابط والضمانات المؤسسية لمنع إساءة استخدام الصندوق.
وللحفاظ على تركيزه، سيقود “صندوق الاستثمار الاستراتيجي” عملية منهجية وشفافة لتحديد القطاعات التي ينبغي للولايات المتحدة وحلفائها الموثوقين الاحتفاظ فيها بحد أدنى من القدرة التصنيعية. وسيسعى الصندوق إلى الإجابة عن الأسئلة التي طرحها المؤرخ الاقتصادي كريس ميلر حول إعادة التصنيع الأميركية، بما في ذلك ما إذا كان من الممكن احتكار منتج معين واستخدامه أداة ضغط جيوسياسي، وما إذا كانت القدرة التصنيعية الأميركية جاهزة لمواجهة الأزمات، وما إذا كان الحفاظ على المنظومة الصناعية القائمة في قطاع معين ضرورياً لتطوير منظومة ذلك القطاع في المستقبل.
وسيقر نهج الصندوق الاستثماري بأن القطاعات المختلفة تتطلب أنواعاً مختلفة من الدعم، فبالنسبة إلى الصناعات كثيفة رأس المال، مثل بناء السفن وإنتاج خلايا البطاريات الأساسية، وهي صناعات راسخة لا يقوم التنافس فيها على التميز التكنولوجي بقدر ما يقوم على حجم الإنتاج وتراكم الخبرة والدعم الحكومي الأجنبي، سيساعد الصندوق في إعادة إرساء حد أدنى من القدرات الصناعية الأساسية. ويمكنه السعي إلى إقامة مشاريع مشتركة مع شركات حليفة موثوقة ورائدة تقنياً، وربط الاستثمار بأدوات سياسية، مثل الرسوم الجمركية الموجهة لمواجهة اختلالات السوق، واتفاقات الشراء متعددة السنوات لخلق طلب مستقر يمكن التنبؤ به، والضمانات لتشجيع التمويل الخاص، والإعفاءات الضريبية المحدودة زمنياً لخفض تكاليف الإنتاج تدريجاً. وبمجرد نمو القدرة الإنتاجية الأميركية، يمكن للصندوق تقليص دوره تدريجاً ليحل رأس المال الخاص محله.
أما القطاعات القائمة على الابتكار، مثل الروبوتات المتقدمة، والطاقة النووية من الجيل المقبل، وتخزين الطاقة، والتكنولوجيا الحيوية، والمواد المتقدمة، فتواجه تحدياً مختلفاً. ففي هذه الصناعات، تستطيع الشركات تحقيق التميز من خلال الابتكار التكنولوجي، لكن كثيراً منها لا يزال عالقاً في الفجوة بين تطوير النموذج الأولي والإنتاج. وهنا، يكون لرأس المال العام المرن أكبر أثر. وسيعمل “صندوق الاستثمار الاستراتيجي” على سد فجوة التوسع الإنتاجي من خلال توفير تمويل جاذب، وتنسيق مؤشرات الطلب، ومساعدة التقنيات التي أثبتت جدواها التجارية على الوصول إلى مرحلة الإنتاج واسع النطاق داخل الولايات المتحدة.
ولن يقتصر نطاق عمل الصندوق على الشركات الأميركية، واقتداء بتجربة “قانون الرقائق والعلوم” في دعم استثمارات شركة “تي أس إم سي” TSMC التايوانية المتخصصة في تصنيع أشباه الموصلات وشركة “سامسونغ” الكورية للإلكترونيات داخل الولايات المتحدة، يمكن للصندوق دعم شركاء أجانب موثوقين يعملون على بناء القدرات الصناعية الأميركية من خلال المشاريع المشتركة، وإنشاء مرافق جديدة، وإقامة شراكات تكنولوجية. ومن شأن هذه الاستثمارات تسريع نقل أحدث الخبرات التقنية، وتنويع سلاسل التوريد، ودمج الشركات الحليفة في القاعدة الصناعية الأميركية، ولا سيما في قطاعات مثل بناء السفن، إذ أسهم المنتجون الأجانب، غالباً بدعم من الإعانات الحكومية، في تحقيق وفورات الحجم وخفض التكاليف. وأخيراً، سيعمل الصندوق بوصفه منصة لتنسيق الاستثمارات مع الحلفاء. فمن خلال توحيد الموارد والسياسات في المجالات ذات الاهتمام المشترك، يمكن للحلفاء الاقتراب من مستوى الصين من حيث الحجم الصناعي، من دون الحاجة إلى تقليد نموذجها الاقتصادي.
خلافات جوهرية حول الصندوق
قد يعترض معارضو إنشاء صندوق استثمار سيادي على الفكرة، بحجة أنه قد يتحول إلى أداة للفساد يستخدمها الرؤساء لمكافأة المقربين منهم أو لإثراء أنفسهم. ومخاوفهم في محلها، فالمستثمر العام الذي يمتلك صلاحية توجيه مبالغ طائلة إلى شركات محددة قد يصبح وسيلة للمحاباة، لكن هذا الخطر لا يقتصر على صناديق الاستثمار الاستراتيجية، بل هو متأصل في طبيعة السلطة التنفيذية نفسها، فأية مؤسسة ذات نفوذ مالي حقيقي يمكن توجيهها لخدمة المصالح الشخصية أو المكاسب السياسية إذا قرر الرئيس ذلك. ولذلك، ينبغي تصميم الصندوق بطريقة تجعل الحد من هذا الخطر أولوية، من خلال هيكل مؤسسي يحافظ على أكبر قدر ممكن من الاستقلال السياسي. وستكون الإدارة خاضعة لإشراف مجلس إدارة يتألف بغالبيته من أعضاء مستقلين، ويفصل بين التوجيه السياسي وقرارات الاستثمار اليومية. وسيتولى إدارة الصندوق فريق من المتخصصين وفق معايير معلنة، وسيفصح عن كل معاملة وتخضع للتدقيق، مع الالتزام بأهداف محددة لعائدات المحفظة الاستثمارية بما يفرض الانضباط المالي.
وقد ينظر بعضهم إلى الاستثمار العام في التقنيات الناشئة والصناعات الاستراتيجية التي لم تصبح مربحة بعد بوصفه مشروعاً مكلفاً وعديم الجدوى، قد يكلف دافعي الضرائب مليارات الدولارات. وقد يجادلون بأن كلفة إعادة بناء القدرات الوطنية تفوق المنافع التي يصعب قياسها بدقة. ومنذ إفلاس شركة “سوليندرا” Solyndra، المصنعة للألواح الشمسية التي دعمتها إدارة أوباما، ظل الخوف من الفشل يثبط الاستثمار العام لأكثر من عقد. لكن البيئة الجيوسياسية الحالية تتطلب عقلية مختلفة، فالمنافسة مع الصين تستلزم تقبل حقيقة أن بعض المشاريع ستفشل حتماً. وكما هي الحال مع أي صندوق استثماري، ستفشل بعض الاستثمارات. وقد تتعرض أية صفقة منفردة للانتقاد إذا نظر إليها بمعزل عن غيرها، لكن إذا اتخذ مجلس إدارة مستقل هذه القرارات استناداً إلى معايير شفافة، فإنها ستصمد أمام التقلبات الحزبية، وسيكون الدعم الواسع من الحزبين لإنشاء الصندوق واستمراره أمراً ضرورياً.
وقد ينتقد آخرون، ممن يعارضون تدخل الحكومة في الأسواق، “صندوق الاستثمار الاستراتيجي”، بحجة أنه سيجعل الحكومة تختار الشركات أو الصناعات الفائزة ويزاحم الاستثمار الخاص. صحيح أن السياسة الصناعية تتطلب تواضعاً، وأن الأسواق تظل الوسيلة الأفضل لتخصيص رأس المال وتحديد الشركات الناجحة. لكن الصندوق سيستهدف تحديداً القطاعات التي أثبت المستثمرون من القطاع الخاص عجزهم عن تمويلها، وسيستثمر فيها بطرق تسعى إلى الحفاظ على المنافسة وانضباط السوق. والأهم أن رأسمال الصندوق سيصمم في معظمه على هيئة تمويل يمتص الأخطار، بهدف تحفيز الاستثمار الخاص لا الحلول محله. ومن خلال تقديم شروط تمويل مرنة وإرسال إشارات مستقرة في شأن الطلب المستقبلي، سيخفض الصندوق الأخطار التي تثني المستثمرين المؤسسيين حالياً عن دخول الصناعات الاستراتيجية.
وقد يرى آخرون، ممن يؤيدون من حيث المبدأ التمويل الاستراتيجي العام، أن آليات عدة لتشجيع إعادة التصنيع قائمة بالفعل، منها الإعفاءات الضريبية التي تحفز الاستثمار الخاص في قطاعات مثل الطاقة المتجددة، والرسوم الجمركية التي تحمي الصناعات المحلية من اختلالات السوق الناجمة عن المنافسة الأجنبية. وهما أداتان قيمتان، لكنهما لا توفران التنسيق على مستوى الصفقات أو آليات تقاسم الأخطار المصممة خصيصاً للمشاريع المعقدة. وتخفض الإعفاءات الضريبية التكاليف المتوقعة في السوق، لكنها لا تكفي دائماً لإقناع المستثمرين بتحمل الأخطار المصاحبة للتكنولوجيا غير المجربة، مثل عدم اليقين في شأن حجم الطلب، أو التأخر في إصدار التراخيص، أو عدم كفاية البنية التحتية، أو غياب التمويل. ويمكن للرسوم الجمركية أن تخفف حدة الاختلالات التي تفرضها السياسات الأجنبية وتتيح مجالاً للتحرك، لكنها لا تستطيع وحدها تحقيق الحجم الإنتاجي أو التفوق التكنولوجي اللازمين لضمان القدرة التنافسية على المدى الطويل، وقد يؤدي الإفراط في استخدامها إلى حماية الشركات المحلية القائمة من دون تحفيز استثمارات أو ابتكارات جديدة.
ومع ذلك، ستظل هذه الأدوات تؤدي دوراً تكميلياً مهماً إلى جانب “صندوق الاستثمار الاستراتيجي”. وستواصل الإعفاءات الضريبية خلق حوافز استثمارية على مستوى السوق بأكملها، مما يسمح للصندوق بالعمل بقدر أكبر من الانتقائية وعلى أفق زمني أطول، والتدخل فقط في المجالات الأعلى مخاطرة التي يظل رأس المال الخاص متردداً في تمويلها على رغم الحوافز المتاحة. وستسهم الرسوم الجمركية الموجهة، ولا سيما المفروضة على الصين، في مكافحة الممارسات غير العادلة وتحقيق تكافؤ الفرص للصناعات المحلية. وسيخفض الصندوق بدوره كلفة بناء قدرات إنتاجية جديدة، ويساعد الشركات في الابتكار والمنافسة. وعند استخدام هذه الأدوات معاً، فإنها تعالج جانبي المشكلة في آن واحد، إذ تواجه الإعانات الخارجية، فيما تعيد بناء القوة الإنتاجية اللازمة للمنافسة عالمياً.
ثورة إعادة التصنيع
على مدى أكثر من قرنين، عملت الولايات المتحدة على تكييف مؤسساتها المالية بما يتلاءم مع المتطلبات الاستراتيجية لكل عصر. فقد أنشأت وزارة الخزانة في عهد هاملتون نظام الائتمان الوطني في الجمهورية الفتية، وأنشأت “مؤسسة تمويل إعادة الإعمار” قاعدة صناعية واسعة خلال أسوأ فترات الأزمة الاقتصادية التي مرت بها البلاد، فيما أسهمت وكالات دعم الابتكار في إرساء أسس الريادة التكنولوجية الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية. وقد تطلبت كل مرحلة من هذه المراحل الرؤية نفسها: التعامل مع رأس المال بوصفه أداة لتحقيق الأهداف الوطنية وتعزيز القوة الصناعية.
وهذه الرؤية ضرورية للغاية اليوم، فقد أجبر صعود الصين واشنطن على التساؤل عما إذا كانت الديمقراطيات المنفتحة القائمة على اقتصاد السوق لا تزال قادرة على حشد رؤوس الأموال لخدمة الأهداف الوطنية. ولا تزال الولايات المتحدة تمتلك أعمق أسواق رأس المال في العالم وأكفأ رواد الأعمال، لكن ما ينقصها هو الأدوات الحديثة التي تمكنها من مواءمة هذه الأسواق وهؤلاء الرواد مع الأهداف الوطنية بعيدة المدى. ومن شأن صندوق استثمار استراتيجي أن يضمن ألا يتخيل المستقبل في أميركا فحسب، بل أن يصنع فيها أيضاً.
جيك سوليفان أستاذ كرسي كيسينجر لممارسة فن الحكم والنظام العالمي في كلية كينيدي بجامعة هارفرد، وشغل منصب مستشار الأمن القومي الأميركي بين عامي 2021 و2025.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 29 يوليو (تموز) 2026
