ملخص
تراجع عدد أصحاب الملايين في بريطانيا إلى أدنى مستوى منذ عام 2008، وسط مخاوف من أن تدفع الضرائب المرتفعة مزيداً منهم إلى الرحيل أو تقليص استثماراتهم ودخولهم المعلنة. وتعزز التجربة الإسكتلندية الحجة القائلة إن رفع الضرائب فوق حد معين قد يضعف الحوافز ويقلص إيرادات الخزانة بدلاً من زيادتها.
بينما يواصل آندي بيرنهام الثرثرة أمام كاميرا هاتفه – وقد بلغ الأمر حداً بات يصعب معه التمييز بين ظهوره الحقيقي والمقاطع التي يولدها الذكاء الاصطناعي – فلنأمل أن يكون هناك، في مكان آخر، من يفكر بجدية.
فهو، بصفته رئيساً للوزراء – لا “عمدة بلدة”، كما وصفه دونالد ترمب – أمام قرارات صعبة، وفي مقدمها كيفية زيادة إيرادات الدولة.
تملي على بيرنهام غرائزه السياسية، التي تشكل نهجه وتحركه، أن ينحاز إلى الناس العاديين. ويقترن بذلك منطق “وليدفع الأثرياء الثمن”، لأنهم قادرون على تحمله. وقد قال ما يفيد بذلك صراحة، مؤكداً أن بريطانيا “تفرض ضرائب مفرطة على العمل، وأقل مما ينبغي على الثروة”.
وفي مقابلة حديثة، كرر بيرنهام موقفه قائلاً: “نحتاج إلى إحساس أكبر بالإنصاف، وإلى أن يشعر الناس بأن الأمور تدار بالطريقة الصحيحة والعادلة”.
وتلقى هذه الدعوات تصفيقاً حاراً من أنصاره، فقد قال هذا الأسبوع صديقه المقرب ستيف روثرام، عمدة ليفربول وأحد الذين وقفوا في “داونينغ ستريت” يصفقون له لدى دخوله مقر رئاسة الوزراء، إن بيرنهام “سينظر بجدية في فرض ضريبة على الثروة” لتمويل الرعاية الاجتماعية والدفاع.
وأضاف روثرام أن ثمة “أثرياء يقولون أيضاً إنه يمكن فرض ضريبة إضافية صغيرة عليهم، لمحاولة إخراجنا من المأزق الذي نواجهه”. وهذا صحيح، فهناك بعضهم، وإن لم يكونوا كثراً، ومن أشهرهم غاري لينيكر.
لكن من الطبيعي أن غالبية الأثرياء لا يرغبون في دفع مزيد من الضرائب، شأنهم في ذلك شأن سائر الناس. ولهذا ينبغي لدراسة صادرة عن “معهد آدم سميث” أن تدفع بيرنهام وروثرام، الحليفين السياسيين في مانشستر وليفربول، وسائر الداعين إلى فرض مزيد من الضرائب على الأثرياء، إلى التريث وإعادة النظر في موقفهم.
ولا شك في أنهم سيسارعون إلى رفض الدراسة بوصفها صادرة عن مركز أبحاث يميني – فهو يحمل، في النهاية، اسم آدم سميث – لكن إذا نحينا الأحكام المسبقة جانباً للحظة، فإن النتيجة التي خلصت إليها، وهي أن عدد أصحاب الملايين في بريطانيا انخفض سبعة في المئة خلال عام واحد إلى 442 ألفاً، مسجلاً أدنى مستوى منذ الأزمة المصرفية عام 2008، ينبغي أن تثير قلقاً بالغاً.
فكل مليونير خرج من هذه الإحصاءات يعني تراجعاً في رأس المال المتاح للإنفاق في بريطانيا، وانخفاضاً في الأموال المخصصة للاستثمار وإعادة ضخها في الاقتصاد. غادر بعضهم إلى دول ذات أنظمة ضريبية أكثر ملاءمة، وتراجعت قيمة ممتلكات بعضهم الآخر، فيما أخفى آخرون أموالهم ضمن ترتيبات لتجنب الضرائب.
وأياً يكن السبب، فمن المؤكد أنهم ليسوا في صف غاري ورفاقه، ويرجح أيضاً أن عددهم يفوق بكثير كل من يستطيع لينيكر ورفاقه حشدهم.
والحقيقة التي يستعصي على بعض اليساريين تقبلها هي أن بريطانيا تحتاج إلى أصحاب الملايين، تحتاج إليهم كي يواصلوا دفع ضرائبهم وتأسيس الشركات وتوفير الوظائف هنا.
وبدلاً من دفعهم إلى الرحيل أو تشجيعهم على استشارة مستشاريهم الضريبيين – وما أكثر هؤلاء، ولا سيما في مانشستر وليفربول – ينبغي أن نتمنى لهم مواصلة الازدهار والإسهام في الاقتصاد.
ولا شك في أن آندي وستيف وغاري سيبادرون إلى القول إن في وسعهم دفع القليل الإضافي، وفي الرد على ذلك، نأمل أن يكون الملف التالي في الحقيبة الوزارية الحمراء الضخمة لرئيس الوزراء الجديد تحليلاً يبين أن أعلى معدل ضريبي في اسكتلندا، البالغ 48 في المئة، كلف الخزانة العامة 22 مليون جنيه استرليني (29.26 مليون دولار) في عام واحد. نعم، هذا صحيح. فوفق مركز أبحاث آخر، هو “شركاء في السياسات الضريبية”، كلفت هذه الضريبة الخزانة أكثر مما درت عليها.
حسناً، قد يقال إن هؤلاء أيضاً يمينيون يتلاعبون بالأرقام لخدمة قضيتهم. لكن لحظة، فالدراسة تستند أيضاً إلى بيانات جديدة صادرة عن هيئة الإيرادات والجمارك البريطانية، تكشف عن أن متوسط الضرائب التي دفعها أصحاب الدخول الأعلى انخفض في السنة المالية 2024-2025، وهي السنة الأولى التي فرضت فيها حكومة حمزة يوسف في إدنبرة أعلى معدل ضريبي، البالغ 48 بنساً عن كل جنيه.
ويطبق المعدل الإضافي الاسكتلندي البالغ 48 بنساً عن كل جنيه، في مقابل 45 بنساً جنوب الحدود، على الدخول السنوية التي تتجاوز 125 ألفاً و140 جنيهاً استرلينياً. وقد خفض الإيرادات المتاحة للإنفاق العام بما يتراوح بين 15 و30 مليون جنيه استرليني. ويرى دان نيدل، الخبير الضريبي مؤسس “شركاء في السياسات الضريبية”، الذي يحب بعض نواب حزب العمال الاستشهاد به حين تلائم حججه مواقفهم، أن الرقم الأرجح هو 22 مليون جنيه استرليني.
وعندما فرض هذا المعدل، تكررت التأكيدات بأن هذه الخطوة “التقدمية” مبررة وضرورية لدعم الخدمات العامة، وهي الحجج نفسها التي ستساق على الأرجح إذا اقتدى بيرنهام ووزير الخزانة الجديد جون هيلي باسكتلندا.
وبالنظر إلى قصر الفترة الزمنية، لا يرجح أن يكون التراجع ناجماً عن بيع الناس ممتلكاتهم ومغادرتهم البلاد، إذ لا يمكنهم بيع منازلهم والانتقال بهذه السرعة. والأرجح أنهم تمكنوا من تحصين أموالهم من الضرائب بوسائل قانونية تماماً، أو أنهم ببساطة لم يبذلوا الجهد نفسه في كسب المال. وأياً يكن ما فعلوه، فقد افتقروا إلى الحافز لتعظيم دخولهم المعلنة.
ودرست “شركاء في السياسات الضريبية” متوسط الضريبة التي دفعها كل خاضع لأعلى شريحة ضريبية في اسكتلندا، مقارنة بنظرائه في بقية المملكة المتحدة، وكذلك نسبة دافعي ضريبة الدخل الذين قدموا إقراراتهم من خلال نظام التقييم الذاتي، وذلك خلال السنة التي طبق فيها معدل 48 بنساً. ووجدت أن كلا المؤشرين “ينسجم مع فرضيتنا القائلة إن أصحاب الدخول المرتفعة القادرين على التحكم في دخولهم يفعلون ذلك لتقليل التزاماتهم الناجمة عن معدل 48 بنساً”.
لقد تجاوزت اسكتلندا النقطة التي تبدأ عندها زيادة الضرائب بخفض الإيرادات بدلاً من رفعها، وفق ما يعرف بـ”منحنى لافر”، وهي حقيقة تدركها وزارة الخزانة جيداً. وتقوم هذه النظرية، التي وضعها الاقتصادي الأميركي آرثر لافر، على أن رفع الضرائب إلى مستوى مفرط يدفع الناس إلى تقليل العمل أو خفض دخلهم المعلن أو البحث عن وسائل قانونية لتجنب الضريبة، فتتراجع حصيلة الدولة بدلاً من أن ترتفع.
وكان نيدل عضواً في المجموعة الاستشارية الضريبية في اسكتلندا، التي أنشئت عام 2023 لتقديم “مشورة ضريبية استراتيجية” إلى الوزراء. وحلت المجموعة هذا العام، ولعل اللافت أنها لم تسأل قط عن رأيها في رفع المعدل إلى 48 بنساً، مما أثار اتهامات بأن الإجراء الاسكتلندي كان مدفوعاً بالأيديولوجيا لا بالحس السليم.
ولا يعرف ما إذا كان بيرنهام قد استشار نيدل، الذي عمل محامياً ضريبياً لدى مكتب “كليفورد تشانس” مدة 23 عاماً وتولى رئاسة قسم الضرائب فيه. وإن لم يكن قد فعل، فعليه أن يستشيره على وجه السرعة. صحيح أن ذلك قد لا يتيح له لقطة جديدة أمام الكاميرا، لكن الاستماع إلى دان، لا غاري، سيكون خطوة أكثر حكمة بكثير في الوقت الراهن.
© The Independent
