
يرى محللون أن اهتمام المجتمع الدولي بسوريا يمثل “صك اعتراف بالعهد الجديد” (أ ف ب)
ملخص
ستفتح الزيارة الباب أمام البدء الفعلي في إعادة إعمار سوريا المنهك وترميم اقتصاد البلاد.
يجري الرئيس السوري أحمد الشرع زيارة إلى الولايات المتحدة الأميركية في الـ20 من سبتمبر (أيلول) المقبل، في زيارة تمتد لأربعة أيام، وفق ما أفادت به مصادر دبلوماسية لـ”اندبندنت عربية”.
وبحسب المصادر، فإن الشرع سيلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الأربعاء 23 من الشهر ذاته.
زيارة الرئيس السوري إلى الولايات المتحدة، تعد الثالثة من نوعها، والمرة الثانية التي يشارك فيها في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ من المقرر أن يلقي خطاباً أمام زعماء العالم، كذلك من المتوقع أن تتضمن زيارة الشرع لقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك، فما هي نتائج عودة سوريا إلى الحاضنة الدولية؟
“صك اعتراف”
الصحافي السوري محمد بشير دربيكة، يقول إن “تغيير النظام السياسي في سوريا والاعتراف الدبلوماسي بقيادة أحمد الشرع يعني تحولاً استراتيجياً شاملاً يعيد تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط، إذ إن زيارة الشرع إلى نيويورك وإلقاءه كلمة بحضور زعماء العالم للمرة الثانية يمثلان صك اعتراف دولي رسمي بالنظام السياسي الجديد في دمشق، وإنهاء العزلة وذلك من خلال طي صفحة التجميد الدبلوماسي والمقاطعة الغربية والعربية للمؤسسات الرسمية السورية، وهذا الاعتراف أيضاً يمثل تفعيل دور سوريا الكامل في المنظمات الدولية كعضو فاعل ومؤثر”.
ويضيف دربيكة “هذه الزيارة ستفتح أيضاً الباب أمام البدء الفعلي في إعادة إعمار البلد المنهك وترميم اقتصاده، كذلك ستزيد من مستوى التنسيق السوري مع القوى الكبرى، خصوصاً في الملفات الحساسة مثل مكافحة الإرهاب ومحاربة المخدرات والجرائم العابرة للحدود. وخلال الفترة الماضية شاهدنا أن هناك دوراً إقليمياً بدأ يبرز لسوريا بعد مرحلة التعافي التدريجي لتعود لاعباً أساساً في الإقليم، خصوصاً في ظل تحالف دمشق مع كل من دول الخليج العربي وتركيا”.
هل النجاح الخارجي على حساب الملفات الداخلية؟
لا يتفق الصحافي السوري أسامة الأحمد مع هذا الطرح، ويقول إن “المجتمع الدولي منح حكومة الشرع شرعية مجانية، ويخشى أن يكون ذلك مكافأة دولية متسرعة قبل إثبات جدارته في الداخل السوري، إذ إن إعطاء الأولوية للاستقرار السياسي قد يدفع المجتمع الدولي لغض الطرف عن قضايا المحاسبة والعدالة الانتقالية”.
ويضيف الأحمد أنه “لا يمكننا أن ننكر أن الرئيس الشرع نجح في الملفات الخارجية والتعامل مع المجتمع الدولي، لكن هذا النجاح ربما يكون على حساب ملفات داخلية لا تزال عالقة حتى اليوم، بعد مرور أكثر من عام ونصف العام على التحرير لا تزال البلاد غير موحدة بالكامل، وهناك جيوب خارج سلطة الدولة المركزية خصوصاً في الجنوب السوري، وأيضاً ملف ‘قسد‘ لم يحسم بعد بالكامل، لذلك لا ينبغي أن يكون النجاح الخارجي مبنياً على حساب الملفات الداخلية”.
يعارض الباحث في مركز سوريا للدراسات المعاصرة يمان زباد هذا الرأي، موضحاً أن “هناك نجاحاً داخلياً يوازي النجاح الخارجي، مثل الملف الأمني، إذ يقاس نجاحه بالاضطرابات الأمنية المتوقع حدوثها، مقارنة بحجم الميليشيات العسكرية والأمنية التي كانت لدى الأسد لحظة سقوطه، وأيضاً النجاح في المؤسسة العسكرية والملفات الداخلية مثل الملف الاقتصادي، يحتاج قياس الأثر فيها لفترة زمنية أطول مقارنة بالملفات الخارجية. أما اندماج سوريا في الأسرة الدولية فيمثل تأكيداً أن الدبلوماسية والحوار أصبحا الخيار الأكثر واقعية وعملية في التعامل مع الدولة السورية، كذلك يعكس استعادة دمشق لدورها الطبيعي في المحافل الدولية، وفتح صفحة جديدة من الشراكة مع المجتمع الدولي بما يخدم الاستقرار الإقليمي والتنمية وتعزيز مسار إعادة الإعمار”.
الاعتراف المشروط
ويقول الصحافي والمحلل السياسي السوري عبدالله مسلم إن “زيارة الشرع للولايات المتحدة وإلقاءه كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تأخذ معنى سياسياً أوسع من مجرد زيارة رسمية أو مشاركة بروتوكولية، لأن وقوف الشرع للمرة الثانية على منصة الجمعية العامة يمثل تأكيد انتقال سوريا من مرحلة كانت فيها ساحة للصراعات والتجاذبات الدولية إلى مرحلة تحاول فيها تقديم نفسها بوصفها طرفاً سياسياً قادراً على مخاطبة المجتمع الدولي مباشرة وطرح رؤيته لمستقبل البلاد والمنطقة”.
ويضيف مسلم أن “هذه الزيارة يمكن أن تشكل اختباراً لمدى استعداد الولايات المتحدة والقوى الغربية للتعامل مع سوريا الجديدة كشريك سياسي، بخلاف الصورة السابقة التي كان ينظر فيها إلى سوريا كملف أمني وإنساني فقط، إضافة إلى أن كلمة الشرع أمام الجمعية العامة تكرس لدمشق إعادة تعريف صورتها، وتفتح المجال لطرح ملفات السيادة ووحدة الأراضي السورية وإعادة الإعمار وتطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، لكن العودة إلى الأسرة الدولية لا تعني أن سوريا حصلت تلقائياً على قبول دولي كامل أو أن الخلافات معها انتهت، بل تعني دخولها مرحلة جديدة من التفاوض على موقعها وشروط اندماجها الدولي، حيث على دمشق أن تسعى إلى تحويل الانفتاح السياسي هذا إلى مكاسب عملية، بينما سيحاول المجتمع الدولي معرفة طبيعة النظام الجديد ومدى قدرته على تحقيق الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة والتعامل مع الملفات الداخلية والإقليمية. ومن هنا فإن القيمة السياسية للزيارة تكمن فيما سينتج عنها، بمعنى هل ستحقق هذه الزيارة مكاسب اقتصادية تنعكس على حياة المواطن السوري بصورة مباشرة، وهل تفتح الباب بصورة أوسع أمام الاستثمارات وإعادة الإعمار، وهل تتمكن دمشق من تثبيت موقعها كعاصمة لدولة موحدة ذات قرار سيادي؟ إذا تحقق ذلك، يمكن عندها الحديث عن عودة فعلية لسوريا إلى الأسرة الدولية، أما إذا بقي الأمر في حدود الانفتاح الدبلوماسي والرمزية السياسية، فستكون العودة لا تزال في بدايتها، وبالتالي فإن زيارة الشرع إلى الولايات المتحدة، تحمل دلالة أساسية مفادها أن سوريا الجديدة تحاول الانتقال من دولة كانت تُناقش في العواصم الدولية إلى دولة تحاول أن تكون حاضرة بنفسها في صناعة النقاش حول مستقبلها”.