
دمشق– تشير التقارير الواردة من المرصد السوري لحقوق الإنسان ومصادر مطلعة إلى أن القيادة العسكرية السورية نفذت في الأيام الأولى من أغسطس 2026 سلسلة إجراءات شملت إعفاء العميد محمد الجاسم، المعروف بـ”أبو عمشة”، من قيادة الفرقة 62 المتمركزة في محافظة حماة، وتعيينه نائباً لقائد فيلق المنطقة الوسطى. ترافقت هذه الخطوة مع تغييرات في قيادات الفرق 76 و80 و84، ضمن خطة أوسع لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وإبعاد قادة الفصائل السابقة عن مواقع القيادة الميدانية وصنع القرار.
بدأت لfبدأت التطورات باستنفار عسكري استهدف مواقع الفرقة 62، تزامن مع استدعاء أبو عمشة إلى دمشق. استمر الاجتماع في مقر القيادة العسكرية لساعات طويلة حتى ما بعد منتصف الليل، مما أثار شائعات عن اعتقاله، قبل أن تتضح الصورة بأنه رفض في البداية التخلي عن قيادة الفرقة مقابل منصب قيادي في الفيلق، وطالب بتولي قيادة الفيلق نفسه.
وبحسب مصادر المرصد، طلبت جهات دولية ومحلية من القيادة السورية تحجيم نفوذه بنقله بعيداً عن منطقة نفوذه وحاضنته المحلية والعشائرية في المنطقة الوسطى، على خلفية اتهامات متكررة بانتهاكات حقوقية. في النهاية، قبل بالمنصب الجديد (نائب قائد فيلق المنطقة الوسطى)، فيما تولى مختار التركي (عمر محمد جفتشي) قيادة الفرقة 62 بشكل مؤقت أو دائم حسب بعض الروايات، ما حال دون أي تمرد محتمل داخل التشكيل.
أكدت مصادر لتلفزيون سوريا التعيين، مشيرة إلى أنه يأتي ضمن إعادة ترتيب الهيكلية ودمج قيادات من التشكيلات السابقة. لم تصدر تفاصيل رسمية عن صلاحيات المنصب الجديد، الذي يُنظر إليه على أنه إداري أكثر منه ميداني، ما يعني عملياً فصله عن قاعدته القتالية المباشرة.
ولد محمد الجاسم عام 1987 في قرية جوصة بريف حماة الشمالي، وعمل سائقاً لجرارات زراعية قبل اندلاع الثورة. انخرط في العمل المسلح عام 2011، أسس أو شارك في “مجموعة خط النار” ثم “لواء خط النار”، وتنقل بين تشكيلات عدة قبل أن يؤسس فرقة السلطان سليمان شاه (العمشات) عام 2018 ضمن الجيش الوطني السوري المدعوم تركياً، خاصة في منطقة عفرين.
بعد سقوط نظام الأسد، دُمج في الجيش الجديد ورُقي إلى رتبة عميد وقاد الفرقة 25 ثم 62 في حماة. يُعتبر من أبرز الوجوه المرتبطة سابقاً بالفصائل التركية، ويتمتع بنفوذ عشائري واقتصادي، لكنه يواجه عقوبات أمريكية (منذ 2023) وأوروبية وبريطانية بسبب اتهامات بالابتزاز والنهب والتهجير القسري في عفرين، ومزاعم تورط في أحداث الساحل العلوي في مارس 2025. ينفي أبو عمشة هذه الاتهامات باستمرار.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن جهود دمشق لبناء جيش مركزي موحد يتجاوز الولاءات الفصائلية. بعد دمج عشرات الفصائل في نحو 25 فرقة موزعة جغرافياً، ثم تنظيمها في خمسة فيالق إقليمية، تواجه القيادة تحدي “الجيش داخل الجيش”، حيث يحتفظ بعض القادة السابقين بولاءات شخصية أو خارجية.
الفرقة 76 يقودها سابقاً سيف الدين بولاد (أبو بكر) من فرقة الحمزة، وهي أيضاً ضمن الفصائل المدعومة تركياً والمعاقبة دولياً. التغييرات في الفرق 76 و80 و84 تعكس استمرارية هذا المسار.
وأشار مدير المرصد السوري إلى أن تحجيم نفوذ أبو عمشة والحمزات وأحرار الشرقية كان مطلباً لقسد وجهات عربية ضمن مسار الاندماج، وأن أحمد الشرع تعامل مع الملف بذكاء أكبر مما حدث في حالات سابقة مشابهة.
يحظى أبو عمشة بدعم من جهات داخل الحكومة التركية حسب مصادر المرصد، ما يجعل الخطوات محاطة بحسابات سياسية معقدة لتجنب توتر أمني أو مواجهة مباشرة. رغم ذلك، يبدو أن دمشق تمضي في تعزيز وحدة القيادة والحد من الارتباطات السابقة، في وقت تُعتبر فيه العقوبات الدولية على بعض القادة عائقاً أمام الاندماج الكامل أو الاعتراف الدولي.الدلالات والتحديات المستقبلية.
وتمثل الخطوة نجاحاً نسبياً في فرض المركزية دون صدام مسلح مباشر، مستفيدة من الاستنفار العسكري والضغط الدولي والمحلي. لكنها تكشف استمرار هشاشة الاندماج، فالولاءات العشائرية والمناطقية والشبكات الاقتصادية السابقة لا تختفي بقرار إداري. نجاح إعادة الهيكلة يعتمد على قدرة القيادة على بناء مؤسسات مهنية، وتوزيع المناصب بعيداً عن المحسوبيات الفصائلية، والتعامل مع الضغوط التركية والدولية.
إقالة أبو عمشة من القيادة الميدانية ليست مجرد تغيير شخصي، بل جزء من عملية أوسع لإعادة تعريف الجيش السوري بعد الحرب، تحول فيها من تحالف فصائل إلى مؤسسة مركزية، لكن مدى استدامة هذه التغييرات سيحدد قدرة الدولة الجديدة على فرض سيادتها الأمنية والعسكرية على كامل الجغرافيا.