بعد انتظار طويل أصدرت لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» التي كان البرلمان التركي قد شكلها في 5 آب (أغسطس) 2025، مشروع القانون الإطاري الخاص بموضوع حزب العمال تحت اسم «قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي».
ومن الجدير بالذكر هنا هو أن المهمة الأساسية لهذه اللجنة كانت البت في اقتراح دولت بهشلي، زعيم حزب الحركة القومية، الذي نصّ على أن يقوم عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني بدعوة حزبه إلى تسليم سلاحه وحلّ نفسه، ومتابعة نتائج التفاعل الإيجابي من طرف أوجلان مع الاقتراح، وهو التفاعل الذي أسفر عن اتخاذ حزب العمال في مؤتمره الاستثنائي العام ( أيار/مايو 2025) قراراً بحل الحزب، والتخلي عن السلاح. ثم كانت الخطوة الرمزية التي تمثلت في قيام مجموعة من أعضاء الحزب المذكور بإحراق أسلحتها أمام كهف «جاسنه» الأثري (محافظة السليمانية) أمام ممثلين عن الحكومة العراقية الاتحادية، وحكومة إقليم كردستان، ومسؤولين في الدولة التركية، وإعلاميين من مختلف المؤسسات والوكالات المحلية والعالمية.
وبعد اجتماعات مطوّلة عقدتها اللجنة المعنية، استمعت خلالها إلى مجموعة كبيرة من الشخصيات والباحثين في مراكز الأبحاث والجامعات والمسؤولين في الدولة، وأرسلت وفدا يمثّلها لمقابلة عبد الله أوجلان نفسه في خطوة غير عادية؛ رفعت اللجنة المعنية خلاصة ما توصلت إليه ضمن تقرير مطول (يتحدثون عن 60 صفحة) إلى رئاسة البرلمان، وهو التقرير الذي لم يُنشر مضمونه حتى الآن.
من الملاحظ أن مشروع القانون المعني هنا، الذي سيناقشه البرلمان التركي، لا يتضمن في بنوده المعلنة أي تصور لمشروع حلّ خاص بالمسألة الكردية في تركيا التي تخص نحو 25 مليون كردي من مواطني الجمهورية التركية. وهي مسألة وطنية عامة تعني سائر المواطنين في تركيا بغض النظر عن انتماءاتهم المجتمعية وتوجهاتهم السياسية.
والجدير بالذكر هنا هو أن الأحزاب الكردية جميعها في تركيا، التي هي خارج دائرة حزب العمال، تدعو إلى حل ديمقراطي عادل يضمن الحقوق المشروعة للكرد الذين يشكلون الأغلبية السكانية في نحو 20 ولاية من أصل 81 ولاية تتشكل منها تركيا، هذا بالإضافة إلى التجمع الكردي الأكبر في اسطنبول، ضمن إطار وحدة الشعب والبلاد.
لقد استغل حزب العمال ظروف الإحباط التي هيمنت على الكرد في كل مكان بعد اتفاقية السادس من آذار (مارس) عام 1975 بين شاه إيران وصدام حسين برعاية هواري بومدين في الجزائر.
رفع حزب العمال في بدايات تأسيسه خريف عام 1978 شعارات تحرير وتوحيد كردستان الكبرى، وأعطى لنفسه حق التدخل في الشؤون الكردية في سائر أجزاء كردستان، وأقام العلاقات في الوقت ذاته مع الأجهزة الأمنية لدول المنطقة، وحصل منها على الدعم بمختلف أشكاله مقابل أن يضمن لها تحييد كردها من خلال توجيه أنظارهم نحو الخارج، والعمل من أجل عدم تحوّلهم إلى قوة معارضة فاعلة داخلية. وبناء على هذا التوجه، قام حزب العمال بمحاربة الأحزاب والقوى الكردية التي كانت تعمل من أجل شعبها ضمن إطار الدول التي توزع بينها الكرد قبل وبعد الحرب العالمية الأولى 1914-1918.
وبعد أن مكّن الحزب المعني نفسه في الوسط الكردي، بدأ سلسلة من التراجعات عن أهدافه السابقة، بل تخلّى، بعد اعتقال زعيمه أوجلان عام 1999، حتى عن المطالبة بأبسط الحقوق الكردية. كما أنه استمر في نهج معاداة القوى والأحزاب الكردية، ما عدا تلك التي كانت في محوره، في كل مكان.
موضوع حلّ حزب العمال ونزع سلاحه هو موضوع حيوي وهام من دون شك، ويخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، خاصة على الصعيد الكردي نظراً لما أداه من دور بالغ السوء والسلبية في الواقع الكردي؛ ولكن حتى تكون المقاربة متوازنة متكاملة، وتؤدي إلى ما فيه خير تركيا بكل مكوّناتها وخير المنطقة؛ من الضروري أن تكون هناك مبادرة سياسية حقيقية ملموسة من جانب الحكومة التركية والدولة التركية على نطاق أوسع. مبادرة تؤكد وجود توجه لدى الدولة المعنية نحو الانفتاح على كردها، والاعتراف بخصوصيتهم وحقوقهم بصورة رسمية، مع ضرورة الاعتراف بأن الكثير من الخطوات الإيجابية قد اتخذت خلال عهد حكومة «العدالة والتنمية» الذي بدأ عام 2002. ولكنها خطوات ليست كافية، وتفتقر بصورة عامة إلى المظلّة التشريعية الدستورية، ومن دون مثل هذه المظلّة ستظل الهواجس المتحكّمة بذهنية الكرد والأتراك هي الفاعلة المؤثرة.
ولكن في جميع الأحوال من المنتظر أن يساهم موضوع حل حزب العمال، وتخليه عن سلاحه، في تحسين أوضاع الكرد في كل مكان؛ فالحزب المعني بأجنداته الغريبة كان، وما زال، عامل فرقة وصراع ضمن صفوف القوى السياسية الكردية في كل من إيران والعراق وسوريا. وقد أدى، ويؤدي دوراً سلبيا على صعيد إثارة الخلافات ضمن الأوساط الكردية، بهدف الإمساك بزمام المبادرة، والتحكّم من خلال أذرعه بتلك المجتمعات. وقد عُرف هذا الحزب دائماً باستعداده لعقد الصفقات مع مختلف الجهات على حساب الكرد، ولصالح أجندات لم تخدم يوماً القضية الكردية في أي مكان.
ولهذا فمن المنتظر أن يؤدي حل هذا الحزب بشكله الحالي، وتحوّله إلى مشروع حزب سياسي مدني، بعد إجراء المراجعات المطلوبة والإقرار بالأخطاء والاعتذار، يساهم في الحياة السياسية في تركيا وفق قواعد اللعبة الديمقراطية، إلى تخفيف الضغط عن الكرد في سوريا الذين عانوا الأمرّين من ممارسات هذا الحزب منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي في عهد حافظ الأسد، ومن ثم في عهد وريثه بشار، بعد الثورة السورية عام 2011. وقد أدى الحزب المذكور خلال الثورة دوراً قمعياً لصالح سلطة آل الأسد ضد الكرد الذين كانوا قد تفاعلوا مع الثورة السورية منذ أيامها الأولى، وقام بالاغتيالات والمجازر في القامشلي وعامودا وكوباني وعفرين وغيرها من المناطق عبر واجهاته السورية مثل قوات «حماية الشعب» (التي أصبحت لاحقاً العمود الفقري لقسد) و«قوات حماية المرأة» ومنظمة «الشبيبة الثورية».
ومن الملاحظ اليوم أن عملية دمج قسد وإدارة حزب العمال في محافظة الحسكة وكوباني/عين العرب تجري بصورة متناغمة إلى حد كبير مع ما يجري في تركيا بين حزب العمال والحكومة التركية. وهناك من يربط هذا الأمر بحسابات انتخابية داخلية تركية؛ بينما يرى آخرون أن الموضوع له علاقة بترتيبات واصطفافات إقليمية جديدة، (تطور العلاقات بين تركيا ولبنان وبين لبنان وسوريا، تبلور ملامح تحالف إقليمي يشمل السعودية وتركيا وباكستان وربما مصر أيضا بعد التفاهم على بعض القضايا). في ضوء ما حصل ويحصل في المنطقة من صدام وصراع بين المحور الإيراني بأذرعه المختلفة والولايات المتحدة ومعها إسرائيل، ورغبة القوى الإقليمية الأخرى، السعودية وتركيا ومصر وباكستان في تهدئة الأمور، ودفعها نحو الاستقرار بما ينسجم مع المصالح الأمنية الخاصة بكل قوة من هذه القوى.
وقد كان لافتاً في المؤتمر الصحافي المشترك الذي جمع بين وزير خارجية تركيا حقان فيدان والسوري أسعد الشيباني، وذلك في ختام زيارة الأخير إلى أنقرة، تأكيدهما أهمية الانتهاء من موضوع دمج قسد، خاصة أن زيارة الشيباني إلى أنقرة جاءت غداة اللقاء الذي كان بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي قائد قسد في دمشق، وقد حضر الشيباني نفسه هذا اللقاء.
وفي السياق ذاته، يُشار هنا إلى أهمية الزيارة التي قام بها رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني إلى دمشق حيث التقى الرئيس الشرع والمسؤولين السوريين، وتم التوافق بين الطرفين على العمل المشترك في مختلف المجالات لصالح البلدين والشعبين الشقيقين، وكانت هذه الزيارة والمظاهر الاحتفائية التي تميّزت بها، موضع ارتياح وتفاؤل كبيرين لدى الكرد السوريين والسوريين بصورة عامة.
خطوات إيجابية أخرى مطلوبة لمعالجة التباينات بالطرق الحوارية والتفاهمية في التعامل السوري الرسمي مع الموضوع الكردي ستساهم في تعزيز الثقة، وستفتح الآفاق أمام الحلول السلمية لمختلف القضايا في الساحة السورية الوطنية العامة؛ وستمكّن من اعتماد مقاربة وطنية استيعابية في التعامل مع الأوضاع في الساحل والسويداء، وذلك ضمن إطار الجهود التي تبذل من أجل ترميم نسيج المجتمع الوطني السوري، وتعزيز تماسكه الداخلي، وكل ذلك يحصّن سوريا أمام التحديات الكبرى التي تواجهها إقليمياً.
كاتب وأكاديمي سوري