طرح الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان السؤال الأهمّ الذي يمكن أن يطرحه مسؤول إيرانيّ منذ سنوات: “الصين هي المنافس الأكبر لأميركا، وتزداد قوّة يوماً بعد يوم… فلماذا لا تتقاتلان؟”، ثمّ أكمل الرئيس فكرته بالإشارة إلى أنّ على إيران أن تعرف متى تقاتل ومتى تصالح ومتى تترك الآخرين وشأنهم. تضيء الإجابة عن هذا السؤال على كلّ ما اختلّ في التجربة الاستراتيجيّة للجمهوريّة الإسلاميّة.
تنافس الصين الولايات المتّحدة على قيادة النظام الدوليّ. تتصارع معها على التجارة، والرقائق، والذكاء الاصطناعيّ، والمعادن النادرة، والفضاء، والمحيطات، وسلاسل الإمداد، والنفوذ في آسيا وأفريقيا. وبينهما تايوان، إحدى أخطر بؤر الحرب المحتملة في العالم. ومع ذلك، استمرّت التجارة، وبقيت السفارات، ولم تتحوّل المنافسة إلى حرب مفتوحة.
الصين تفهم وظيفة الدولة أبعد من تأمين الردع التقليديّ أو النوويّ. القوّة في التصوّر الصينيّ، تعمل من أجل إنتاج مزيد من القوّة. الاقتصاد ينتج التكنولوجيا. التكنولوجيا تنتج التفوّق الصناعيّ والعسكريّ. التجارة تنتج النفوذ. النفوذ يوسّع الخيارات. والزمن يعمل لمصلحة الدولة التي تزداد وزناً عاماً بعد عام.
المعضلة الإيرانيّة
تقع الحرب، ضمن هذا الحساب، في آخر سلّم الأولويّات. فهي أداة سياسيّة شديدة الخطورة، لن تُستخدم إلّا لتخدم تراكم القوّة. هنا تحديداً تقع المعضلة الإيرانيّة.
منذ الثورة عام 1979، امتزجت المصلحة الوطنيّة الإيرانيّة بمهمّة أيديولوجيّة أوسع: مقاومة “الاستكبار العالميّ”، مواجهة الولايات المتّحدة، العداء لإسرائيل، وتصدير الثورة ودعم حركات المقاومة. انقسم العالم في المخيال السياسيّ للثورة إلى مستضعَفين ومستكبِرين، وأخذ الصراع مذّاك بعداً أخلاقيّاً وعقائديّاً يتجاوز حساب الربح والخسارة الذي يحكم الدول في العادة.
نجحت إيران، داخل هذا التصوّر، في ابتكار أدوات ذكيّة للتعويض عن ضعفها التقليديّ. بنَت برنامجاً صاروخيّاً كبيراً، وطوّرت الطائرات المسيّرة، وأقامت شبكات مسلّحة تمتدّ من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن. اشترت بذلك عمقاً استراتيجيّاً وقدرة على تهديد خصوم أقوى منها.
بيد أنّ هذه الأدوات أصبحت جزءاً من تعريف النظام لنفسه. بات النفوذ الذي يفترض أن يخدم الدولة مشروعاً تحتاج الدولة إلى خدمته. والمقاومة، التي يفترض أن تكون وسيلة ردع، صارت مصدراً للشرعيّة. وأصبح تجنّب المواجهة يحتاج إلى تبرير، فيما المواجهة تبرّر نفسها بنفسها. وهذا بالضبط ما يجعل سؤال بزشكيان خطيراً داخل إيران. فهو يسأل بلا مواربة عمّا هي في الحقيقة وظيفة الجمهوريّة الإسلاميّة أصلاً. هل إيران نفسها أداة في مشروع ثوريّ دائم يتجاوز الدولة؟
الصّين… من الثّورة إلى الإنجاز
يعرف بزشكيان أنّ الصين حسمت هذه المسألة منذ زمن. الحزب الشيوعيّ بقي في السلطة، لكنّ الدولة نقلت مركز شرعيّتها تدريجاً من الثورة إلى الإنجاز. لم تتخلَّ بكّين عن قوميّتها أو طبيعتها الشموليّة أو طموحاتها الجيوسياسيّة، لكنّها، وهذا الأهمّ، أخضعت الأيديولوجيا لمشروع صعود الدولة.
يعرف بزشكيان أيضاً، أنّ بلاده فعلت العكس. فإيران جعلت من مناكفة أميركا وسيلة لإثبات قوّتها. لم يشغل نظام الملالي نفسه، ببناء اقتصاد يستجيب لشروط الاقتصاد العالميّ. تجاهل ما فعلته الصين حين ربطت طبقتها الوسطى ومصانعها وأسواقها وموانئها وسلاسل التوريد بمصالح خصومها، حتّى صار ازدهارها ورقةً في حساباتهم.
اكتفت إيران باستعراض وتوظيف قدرتها العالية على إيقاع الضرر، وهنا مقتلها. فأيّ عنصر من عناصر القوّة الإيرانيّة هو مصدر قلق للعالم، وأيّ استنزاف لقوّة إيران هو مصلحة للعالم.
إذا نظر بزشكيان إلى الرزنامة سيكتشف أنّ لعبة الوقت التي لطالما تغنّت طهران باحترافها، انقلبت عليها. استهلكت بلاده الزمن الذي وظّفته الصين، كمعطى دنيويّ مادّيّ، لتستثمر، وتتطوّر، وتراكم المعرفة ورأس المال والتكنولوجيا. أمّا الساعة التي تُشرعن الجمهوريّة الإسلاميّة فساعة انتظار خلاصيّ مهدويّ يغذّي طلائع الحرب داخل النظام ويستمدّ معناه حصراً من احتدام الصراع.
تتجاوز الخسارة ما ترتّب على الجمهوريّة الاسلاميّة من عقوبات، وعزلة ماليّة، وهجرة كفاءات، ونقص استثمارات، ومجتمع يدفع تكلفة مشروع ثوريّ مفتوح. الخسارة الكبرى في ما يستحيل تعويضه. دولة فوق واحد من أكبر مخزونات النفط والغاز في العالم، تتوسّط آسيا الوسطى والخليج والمحيط الهندي والقوقاز، وتمتلك تاريخاً عريقاً ورأس مال بشريّاً وتعليميّاً مهمّاً، كان في إمكانها أن تجعل من الجغرافيا الإيرانيّة أهمّ طريق للتجارة بدل أن تصبح أكبر ساحة محاصرة في العالم.
منظومة متكاملة حول فكرة المواجهة
لهذا يصعب على إيران، جواباً على سؤال بزشكيان، أن تقرّر غداً أنّها ستصبح ببساطة “مثل الصين”. المسألة أعمق من تغيير وزير خارجيّة أو توقيع اتّفاق مع واشنطن. ثمّة منظومة كاملة من المؤسّسات والشرعيّات والمصالح نشأت حول فكرة المواجهة. الحرس الثوريّ جزء من اقتصاد الحرب كما هو جزء من عقيدتها. شبكات إيران الإقليميّة أصبحت جزءاً من تصوّر النظام لأمنه ومكانته. والتراجع الجوهريّ عنها يفتح السؤال الذي تخشاه الأنظمة الأيديولوجيّة دائماً: إذا خرجت الثورة في حالة مواجهة، فمن أين تستمدّ ضرورتها التاريخيّة؟
وعليه، تبدو كلمات بزشكيان مؤشّراً على شيء أعمق من خلاف بين إصلاحيّين ومحافظين. إنّها بداية خلاف حول تعريف مستقبل الدولة نفسه، إن كان لها من مستقبل. في طهران من يريد استمرار الدولة بوصفها ثورة تملك بلداً. وفي المقابل تتقدّم، تحت ضغط الحرب والاقتصاد والمجتمع، فكرة أخرى، وهي أنّ إيران كدولة تملك ثورة وتقرّر متى تستخدمها ومتى تضعها جانباً.
قد يواصل النظام الجمع بين الاثنين لفترة طويلة: خطاب ثوريّ وممارسة براغماتيّة انتقائيّة، وهي الازدواجيّة التي أتقنها طوال عقود. لكنّ القدرة على الجمع بين الاثنين تصبح أصعب كلّما تقلصت الموارد، وتراجعت هيبة الردع، واتّسعت المسافة بين كلفة العقيدة وحاجات المجتمع.
يستدعي بزشكيان الصين نموذجاً، في حين أنّ المرآة الأصدق أمام إيران معلّقة في موسكو. روسيا قوّة ريعيّة محاصَرة، تقاتل في أوكرانيا حرباً لا أفق لها للانتصار فيها، وتعجز هي الأخرى عن تحويل حجمها ومقدّراتها إلى تراكم استراتيجيّ. هذا هو المسار الذي تسلكه إيران فعلاً، في نسخة أقسى، بلا احتياطيّ طاقة تبتزّ به أوروبا والعالم، وبلا مظلّة نوويّة ناجزة تحتمي خلفها. باب الصين أُغلق. انقضى زمن الاندماج الصناعيّ في النظام الأميركيّ قبل أن تصل طهران إليه. وحين يحلم الرئيس الإيرانيّ بالصين، إنّما يهرب من مصير روسيّ يتحقّق أمام عينيه.
صعدت الصين لأنّ العالم أرادها. فتح لها النظام الأميركيّ أبوابه، وساقها إلى منظّمة التجارة، ونسج حولها سلاسل التوريد، ورهن ترويضها على اندماجها. أمّا إيران، فحتّى الدولة التي تتّخذها نموذجاً، أي الصين، لا تحرص على دمجها. لبكّين مصلحة راسخة في بقاء إيران دولة مشاكسة، لأنّها تستهلك الاهتمام الأميركيّ في المنطقة، وتبعده عن آسيا. أمّا اقتصاديّاً، فتقبض بكّين ثمن الشغب الإيرانيّ مرّتين: سعر نفط مرتفع يُثقل جيوب خصومها، ونفطاً إيرانيّاً يصلها وحدها رخيصاً وبامتيازات تفاضليّة لا ينالها سواها. وعليه، يصطدم الطموح إلى محاكاة الصين بمصلحة الصين في بقاء إيران على حالها.
طريق إلى استنزاف القوّة
ثمّة شيء تغيّر. رئيس إيران أصبح قادراً على طرح السؤال علناً. لماذا يستطيع أكبر منافس لأميركا أن يزداد قوّة من دون أن يحاربها؟
الأيديولوجيا كانت الغراء الذي يربط مؤسّسات متنافسة (الحرس، الباسيج، رجال الدين، البيروقراطيّة). وكلّما زادت العلنيّة في التشكيك بـ”وظيفة مقاتلة الشرّ”، زاد احتمال أن تبدأ هذه المؤسّسات في التصرّف كمراكز قوّة مستقلّة تبحث عن مصالحها الخاصّة. أثبت النظام قبل الحرب الأخيرة، أنّه لا يزال يمتلك أدوات قمع وولاءات مؤسّسيّة قويّة، في حين أظهرت التجارب السابقة قدرته على امتصاص مثل هذه التصدّعات. بيد أنّ إيران لم تكن يوماً بهدا الضعف الذي يعتري قدرتها على التعبئة الجماهيريّة.
سأل بزشكيان: لماذا لا تتقاتل الصين وأميركا على الرغم من أنّهما أكبر متنافسين في العالم؟
لكنّ السؤال الذي فتحه، ربّما من دون أن يقصد، أكثر إيلاماً: كيف استطاعت الصين أن تجعل منافستها لأميركا طريقاً إلى مزيد من القوّة، فيما جعلت الجمهوريّة الإسلاميّة عداءها لأميركا طريقاً إلى استنزاف القوّة التي كانت تملكها؟
محنة السؤال أنّ إيران لا تملك ترف الوقت للإجابة.
