ملخص
ارتفعت أسعار الزيوت خلال عام واحد بنسبة 261.5 في المئة، ومنتجات الألبان والحليب والبيض 147.1 في المئة، واللحوم الحمراء والبيضاء 145.2 في المئة، والخبز والحبوب 116.7 في المئة، والفواكه والمكسرات 115.4 في المئة.
“لقد نسينا اللحوم والدجاج منذ أعوام، وأيضاً اختفت الفواكه ومنتجات الألبان من موائدنا. ننفق معظم رواتبنا على إيجار المنزل، وخلال بقية الشهر لا نفعل سوى التفكير في الأشياء التي يمكننا الاستغناء عن شرائها”
هذا جزء من رواية أحد سكان طهران في حديث إلى “اندبندنت فارسية” عن موجة الارتفاع الجديدة في الأسعار في إيران، وهي موجة تتزامن فيها القفزة في أسعار المواد الغذائية مع ارتفاع تكاليف السكن والأدوية وسائر الحاجات اليومية، ما يزيد من الضغوط المعيشية على الأسر الإيرانية.
ويقول أحد سكان أصفهان أيضاً في رسالة إلى الصحيفة إن دخل أسرته لم يعد يكفي حتى لتغطية الحاجات الأساسية، “في السابق عندما كانت اللحوم ترتفع، كنا نشتري الدجاج، وعندما ترتفع أسعار الفاكهة كنا نشتري كميات أقل، لكن الآن ارتفعت أسعار كل شيء في الوقت نفسه، بدءاً من الخبز والحليب واللبن وصولاً إلى الأدوية وإيجار المنزل. لم يعد لدينا شيء. أصبح الجميع فقراء، ويمكن رؤية هذا الفقر حتى في طريقة لباس الناس. نحن عملياً جائعون ولم تعد لدينا قدرة على الاستمرار”.
وتكشف الرسائل الواردة من مدن إيرانية مختلفة، من طهران وأصفهان إلى شيراز ومشهد والأحواز، عن تفاقم أزمة المعيشة والانكماش المستمر في سلة غذاء الأسر، وهي أزمة تؤكد أبعادها أيضاً أحدث بيانات مركز الإحصاء الإيراني.
وبحسب التقرير، بلغ معدل التضخم السنوي على مستوى البلاد خلال يوليو (تموز) الماضي، نحو 87.9 في المئة. ويعني ذلك أن الأسر الإيرانية تحتاج اليوم في المتوسط إلى ما يقارب 88 في المئة من الأموال الإضافية لشراء المجموعة نفسها من السلع والخدمات التي كانت تشتريها خلال يوليو 2024.
ويبدو الضغط التضخمي في سوق المواد الغذائية أشد بكثير من المتوسط العام للاقتصاد، إذ بلغ معدل التضخم في الأغذية والمشروبات خلال يوليو الماضي، نحو 128.1 في المئة، ما يعني أن متوسط تكلفة شراء الغذاء أصبح أكثر من ضعف مستواه خلال الفترة المماثلة من عام 2025.
وتصدرت الزيوت والدهون مجموعات الغذاء من حيث ارتفاع الأسعار، بعدما زادت أسعارها خلال عام واحد بنسبة 261.5 في المئة. كذلك ارتفعت أسعار منتجات الألبان والحليب والبيض بنسبة 147.1 في المئة، واللحوم الحمراء والبيضاء بنسبة 145.2 في المئة، بينما سجل الخبز والحبوب زيادة بنسبة 116.7 في المئة، والفواكه والمكسرات 115.4 في المئة.
وبذلك، ووفقاً للإحصاءات الرسمية للنظام الإيراني، تضاعفت أسعار كثير من أهم مكونات المائدة الإيرانية خلال عام واحد فقط، فيما أصبحت أسعار بعض السلع، مثل الزيوت، أكثر من ثلاثة أضعاف مستوياتها المسجلة في يوليو 2024.
أسعار خيالية للحوم ومنتجات الألبان والبقوليات
تكشف مراجعة أسعار السلع الأساسية اليوم الإثنين كيف انعكست نسب التضخم هذه على الأسعار اليومية في الأسواق. وبحسب الأسعار التي نشرتها وسائل الإعلام داخل إيران، بلغ سعر كيلوغرام واحد من موزات لحم الضأن ما لا يقل عن 2.15 مليون تومان (نحو 11.15 دولار)، وهو مبلغ يعادل قرابة عُشر إجمالي الدخل الشهري لعامل يتقاضى الحد الأدنى للأجور في إيران.
كذلك وصل سعر كيلوغرام موزات لحم العجل إلى 2.12 مليون تومان (نحو 11 دولاراً) ، فيما يباع حتى لحم خاصرة الضأن، الذي يعد من الأجزاء الأرخص نسبياً، بنحو مليون تومان للكيلوغرام (نحو 5.20 دولار).
وبذلك، فإن عاملاً يتقاضى دخلاً شهرياً يقارب 22 مليون تومان (نحو 114 دولاراً) يحتاج إلى إنفاق راتبه الشهري كاملاً لشراء عشرة كيلوغرامات فقط من موزات لحم الضأن، من دون احتساب إيجار المنزل وفواتير الخدمات والنقل والأدوية والملابس وبقية المواد الغذائية.
ولا تختلف الأوضاع كثيراً في سوق منتجات الألبان، إذ تظهر مراجعة أجرتها “اندبندنت فارسية” أن سعر عبوة جبن كريمي زنة 350 غراماً وصل إلى 200 ألف تومان (نحو 1.04 دولار) ، فيما يبلغ سعر عبوة الجبن الأبيض زنة 400 غرام نحو 225 ألف تومان (نحو 1.17 دولار). أما عبوة جبن زنة 800 غرام فبلغ سعرها 745 ألف تومان (نحو 3.86 دولار)، فيما تباع عبوة لبن بسعر 460 ألف تومان (نحو 2.39 دولار).
ووصل سعر عبوة الزبدة زنة 100 غرام إلى 93 ألف تومان (نحو 0.48 دولار)، فيما يبلغ سعر صندوق يحتوي على 100 قطعة زبدة زنة 15 غراماً نحو 1.7 مليون تومان (نحو 8.82 دولار). كذلك وصل سعر عبوة آيس كريم عائلية زنة 650 غراماً إلى 570 ألف تومان (نحو 2.96 دولار).
وشهدت أسعار الحليب أيضاً زيادات متكررة خلال الأشهر الأخيرة. فقد بلغ سعر أرخص عبوة حليب قليل الدسم سعة 955 مليلتراً اليوم الإثنين نحو 150 ألف تومان (نحو 0.78 دولار)، فيما بلغ سعر الحليب كامل الدسم نحو 160 ألف تومان (نحو 0.83 دولار). وحتى عبوة صغيرة من حليب الشوكولاتة سعة 200 ملليتر أصبح سعرها نحو 60 ألف تومان (نحو 0.31 دولار).
وامتدت موجة ارتفاع الأسعار الآن إلى المواد الغذائية التي كانت تعد سابقاً بديلاً أرخص للحوم. فقد وصل سعر كيلوغرام الفاصولياء الحمراء السائبة إلى 360 ألف تومان (نحو 1.87 دولار)، والبازلاء المجففة المشطورة إلى 298 ألف تومان (نحو 1.55 دولار)، والحمص إلى 389 ألف تومان (نحو دولارين)، والعدس إلى 375 ألف تومان (نحو 1.95 دولار)، فيما بلغ سعر الفاصولياء المنقطة نحو 580 ألف تومان للكيلوغرام (نحو 3 دولارات).
عبوتان من الشبس بـ200 ألف تومان
لم تعد الزيادات في الأسعار مقتصرة على السلع الأساسية. فقد أرسل أحد قراء الصحيفة صورة، قائلاً إنه اشترى عبوتين من الشبس الخفيفة مقابل 200 ألف تومان (نحو 1.04 دولار). وعرض الرجل العبوتين أمام الكاميرا، منتقداً السرعة التي ترتفع بها أسعار أبسط السلع اليومية.
وقالت أم تقيم في مشهد، في رسالة، إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية أجبرها على خفض مشتريات أسرتها الأسبوعية بصورة كبيرة، “في السابق كنا نشتري للأطفال الفواكه والحليب واللبن والوجبات الخفيفة. الآن، قبل أن أضع أي شيء في سلة التسوق، أحسب سعره. في كثير من الأحيان يطلب الطفل شيئاً فاضطر إلى القول إننا لا نستطيع شراءه. وربما نشتري اللحوم مرة واحدة في الشهر فقط”.
وأشار متقاعد يقيم في شيراز إلى أن تكلفة الأدوية أصبحت مصدراً آخر للضغط الشديد على حياته، وقال: “عندما يُحول الراتب، علينا أولاً أن نخصص منه ثمن الأدوية والفواتير، ثم نرى كم بقي للطعام. في السابق كان راتب التقاعد منخفضاً أيضاً، لكننا كنا نستطيع بطريقة أو بأخرى الوصول إلى نهاية الشهر. الآن ينتهي المال قبل أن نصل حتى إلى منتصف الشهر”.
وقال عامل يقيم في الأحواز إن ارتفاع الإيجارات وضع أسرته على وشك مغادرة منزلها الحالي، “يريد مالك المنزل 700 مليون تومان (نحو 3631 دولاراً) لتجديد العقد، وهذا يفوق قدرتنا. راتبي لا يكفي حتى للإيجار والطعام. وإذا أردنا العثور على منزل أرخص، فعلينا الانتقال إلى منطقة أبعد، وعندها سترتفع تكاليف المواصلات”.
وتقدم رسالة أخرى من كرج صورة مشابهة، “في السابق كنا نقول إننا سنتخلى عن الترفيه والملابس الجديدة حتى نستطيع الاستمرار في الحياة. ثم قللنا اللحوم، وبعدها الفواكه. والآن وصلنا إلى الخبز والجبن والحليب. في كل شهر نحذف شيئاً جديداً من مائدتنا”.
راتب بـ22 مليون تومان في مواجهة سلة معيشة بـ73 مليوناً
بالتزامن مع القفزة في الأسعار، لا تزال زيادات الأجور بعيدة جداً من الكلفة الحقيقية للمعيشة، فقد بلغ الحد الأدنى للأجور خلال العام الحالي، مع احتساب المزايا، نحو 22 مليون تومان شهرياً (114 دولاراً)، في حين تشير تقديرات مستقلة إلى أن تكلفة الحد الأدنى لسلة معيشة أسرة عاملة في المدن الكبرى تتجاوز 73 مليون تومان شهرياً (نحو 379 دولاراً).
وبذلك، حتى إذا كان فردان من أسرة مكونة من أربعة أشخاص يعملان، فإن الفجوة الشهرية بين دخل الأسرة والحد الأدنى من تكاليف المعيشة تظل في حدود 20 إلى 30 مليون تومان (نحو 104 إلى 156 دولاراً).
وتُسد هذه الفجوة عملياً من خلال العمل في وظيفة ثانية، أو ساعات العمل الإضافية، أو الاقتراض، أو استنزاف المدخرات، أو بيع الممتلكات، أو حذف أجزاء من سلة استهلاك الأسرة، وهي خيارات يقول كثيرون إنهم لم يعودوا يملكون القدرة على مواصلة الاعتماد عليها.
كذلك تلتهم الزيادات في الإيجارات جزءاً كبيراً من دخول الأسر المستأجرة. ففي طهران وغيرها من المدن الكبرى، اضطر كثير من المستأجرين خلال الأعوام الأخيرة إلى الانتقال إلى مساكن أصغر، أو أحياء أرخص، أو مناطق تقع على أطراف المدن.
وفي مثل هذه الظروف، يؤدي الارتفاع المتزامن في تكاليف السكن والغذاء والأدوية والنقل إلى مضاعفة الضغوط على الأسر التي تعتمد على الرواتب.
وحذر ألبرت بغزيان، أستاذ الاقتصاد في جامعة طهران، في حديث إلى وكالة “إيلنا”، من تداعيات أي زيادة محتملة في أسعار البنزين، في ظل استمرار ارتفاع النفقات اليومية للمواطنين. وقال إن زيادة أسعار الوقود قد ترفع تكاليف النقل وتولد توقعات تضخمية، بما يمكن أن يطلق موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويزيد الضغوط على معيشة الأسر وسوق العمل.
نقلاً عن اندبندنت فارسية
