قد يعبّد الاتّفاق الثلاثيّ العسكريّ السعوديّ التركيّ الباكستانيّ الطريق أمام خروج المنطقة من معادلة تقاسم النفوذ بين الدول الثلاث الأكثر قوّة فيها: إسرائيل وإيران وتركيا. وهو الثلاثيّ الذي ظلّ لعقود خلف السؤال العربيّ المزمن: أين العرب؟ وهو سؤال عكس ضعفاً مزمناً في مواجهة التمدّد الإيرانيّ من ناحية، والمشروع الإسرائيليّ الساعي إلى تصفية القضيّة الفلسطينيّة والتوسّع نحو إسرائيل الكبرى من ناحية أخرى. اليوم، ومع بروز هذا العامل الاستراتيجيّ الأبعاد الجديد، يطرح المشرق العربيّ سؤالاً مختلفاً: كيف يمكن لفلسطين ولبنان وسوريا أن تستفيد من تبدّل موازين القوّة؟
تمهّد اتّفاقيّة مكّة بين المملكة السعوديّة وتركيا وباكستان لقلب مفاهيم ومعادلات تحكّمت بموازين القوى الإقليميّة والدوليّة في الشرق الأوسط، وصولاً إلى منظومة أمنيّة إقليميّة جديدة. لم ترقَ إلى مرتبة تحالف عسكريّ، لكنّ صفة “الدفاع المشترك” تفرض حسابات رادعة لدى إيران وإسرائيل، وأخرى لدى القوى الدوليّة الحاضرة بقوّة في الإقليم، على المديَين القريب والمتوسّط، في ظلّ تأثير الحرب في إيران على دول الخليج العربيّ، وحرب إسرائيل على الفلسطينيّين ومشاريعها التقسيميّة في لبنان وسوريا، بحجّة مواجهة إيران.
مأسسة الدّفاع المشترك وأميركا والصّين
يتوقّف تأثير الاتّفاقيّة المستقبليّ على تسريع تحقيق الطموحات بشأنها لجهة التخطيط لمأسستها عبر تشكيل أمانة عامّة ومجلس أعلى وهيئات سياسيّة عسكريّة متخصّصة. وإنّ ترجمة التعاون العسكريّ الدفاعيّ إلى خطوات عمليّة في التدريب والتسليح وتحريك الأصول العسكريّة هي التي ستعطي اتّفاقيّة مكّة زخماً له نتائجه السياسيّة.
في القراءات الدوليّة لهذا التطوّر المفصليّ أنّ الدول الثلاث حليفة وثيقة للولايات المتّحدة ، وفي الوقت نفسه تتمتّع بصلة وثيقة مع منافسها الأوّل الصين. علاقة إسلام آباد بالكوريدور الاقتصاديّ لنموّ التجارة مع بكّين سياسيّاً واقتصاديّاً، نموّ علاقة المملكة السعوديّة معها منذ قرّرت الأخيرة تنويع علاقاتها الدوليّة، وتراكم الاستثمار المتبادل بين أنقرة العضو في الحلف الأطلسيّ وبين بكّين، كلّها عوامل تجعل الأخيرة مرتاحة إلى التعاون بين الدول الثلاث. فلطالما دعت القيادة الصينيّة إلى حفظ الأمن الإقليميّ عبر دول المنطقة نفسها، بدلاً من اعتمادها على واشنطن. وهو ما أهّلها، بين أمور كثيرة أخرى، لأن ترعى اتّفاق المصالحة السعوديّ ـ الإيرانيّ في 10 آذار 2023.
الدّول الثلاث بمواجهة إيران؟
لا داعي لذكر ميزات الدول الثلاث التي تجعل من تعاونها العسكريّ الردعيّ عنصراً فائق الأهميّة إقليميّاً. بموازاة القوّة العسكريّة والنوويّة، احتفظت باكستان بروابط تجاريّة واقتصاديّة مهمّة مع إيران. فهي تتشارك معها 900 كيلومتر من الحدود، ويتّفقان على مواجهة النزعات الانفصاليّة في كلّ منهما، بتعاون أمنيّ ضدّ الإرهاب والتوتّرات المذهبيّة. على الرغم من مراحل اضطراب بينهما فرض الجوار تطويراً للتبادل الاقتصاديّ. فقد أهّلت علاقات الجارين إسلام آباد لدور الوساطة بين طهران وواشنطن وصولاً إلى “مذكّرة التفاهم” لإنهاء الحرب. لكنّ القيادة الباكستانيّة تتبرّم من الإخلال الإيرانيّ بها، لا سيما مصادرة “حرس الثورة” الإيرانيّة الملاحة في مضيق هرمز.
خيّب تناقض مواقف طهران بين القيادة السياسيّة و”الحرس” أمل إسلام آباد أكثر من مرّة، فتمسّكت بالعودة إلى “مذكّرة التفاهم”. ما أقلقها في العمق هو عودة طهران إلى استهداف المملكة السعوديّة ومنشآتها النفطيّة، وهي الدولة التي لها اتّفاق دفاع مشترك معها منذ أيلول العام الماضي.
أمّا تركيا فاتّبعت بمواجهة التوسّع الإيرانيّ في المنطقة سياسة معتدلة محسوبة هي مزيج من المعاكسة والترويض، لا سيما في الجارة الأقرب سوريا، إذ كانت لهذا التوسّع أضرار عليها بسبب التلاعب بالورقة الكرديّة في بلاد الشام والعراق. كان هاجس رجب طيّب إردوغان التحوُّط للانعكاسات المذهبيّة للإمعان الإيرانيّ في التغلغل في سوريا ولبنان.
لا داعي لتعداد ما افتعلته طهران للمملكة السعوديّة ودول الخليج من مشاكل لتقويض أمنها الداخليّ وموقعها الإقليميّ، على طريق سعيها إلى احتكار القيادة الإسلاميّة لتغطية التوسّع الفارسيّ برداء دينيّ أجّج المشاعر.
ردّت طهران بقصف المملكة السعوديّة، وقال أحد أعضاء لجنة الأمن القوميّ في مجلس الشورى الإيرانيّ إنّ الاتّفاق لن يحمي المملكة. لكنّ ذلك لم يمنع طرح بعض الإصلاحيّين في الصحافة الإيرانيّة السؤال عمّا إذا كان اتّفاق مكّة يمهّد لاتّفاق أميركيّ إيرانيّ؟
“اتّفاق مكّة” والتّغوّل الإسرائيليّ
إذا كان على طهران أن تحسب حساب اتّفاق مكّة، فقد بدأت في إسرائيل مناقشات ضمنيّة وعلنيّة لآثاره على موقع الدولة العبريّة. نبّه باحثون مقرّبون من حكومة بنيامين نتنياهو من أنّه يضمّ دولة نوويّة هي باكستان، ومن أنّ المملكة السعوديّة تتهيّأ لدخول النادي النوويّ باتّفاقها مع إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب على بناء برنامج نوويّ سلميّ، يناقض هدف تل أبيب الاستراتيجيّ القائم على احتكار القوّة النوويّة في المنطقة.
أطراف “اتّفاق مكّة” الثلاثة هم أعضاء في منظّمة التعاون الإسلاميّ، المؤسّسة الدوليّة التي لجأت إليها المنظومة العربيّة لصياغة وصيانة موقفها حيال الجموح الإسرائيليّ في الحرب على غزّة ولبنان وسوريا، وإضافة ثقل إلى الموقف العربيّ الضعيف. وقد لعبت الرياض دوراً رئيساً في تمتين مظلّة الإصرار على قيام دولة فلسطينيّة شرطاً للسلام مع الدولة العبريّة. غرور القوّة الإسرئيليّ، الذي بلغ حدّ قصف الدوحة، والاستخفاف بدور مصر في غزّة وفي القضيّة الفلسطينيّة، وإهمال الالتفاف الإسلاميّ حول فلسطين، كلّها عوامل دقّت جرس الإنذار وصولاً إلى اتّفاقيّة الدفاع المشترك الأخيرة. وفي ظلّ أنباء عن أنّ البحث متواصل في إمكان انضمام مصر، التي تملك أكبر وأقوى جيش عربيّ، إلى اتّفاقيّة الدفاع المشترك، ثمّة ما يستدعي قلق المؤسّسة الإسرائيليّة.
لبنان وسوريا و”الدّفاع المشترك”
كيف يمكن للبنان وسوريا الإفادة من هذا التغيير الإقليميّ، في وقت تتصلّب إسرائيل في إبقاء احتلالها لأجزاء منهما؟
في وقت تجهد القيادتان السوريّة واللبنانيّة لطيّ صفحة نفوذ “حرس الثورة” على قرار كلّ منهما، ما تزال إدارة دونالد ترامب تتلكّأ في الضغط للحدّ من توغّل إسرائيل في أراضيهما وإصرارها على “الحزام الأمنيّ” فيهما. مقابل إصرار طهران على الاحتفاظ بورقة سلاح “الحزب” ومحاولاتها تقويض استقرار بلاد الشام تارة عبر تهديدات ميليشياتها في العراق وتارة أخرى بمواصلة تهريب السلاح لـ”الحزب”، تجمّدت مفاوضات دمشق-تل أبيب الأمنيّة، فيما مفاوضات الأخيرة مع لبنان مهدّدة. ويأمل البعض أن تفيد المظلّة السياسيّة لـ “اتّفاق مكّة” كلّاً منهما في تشدّد واشنطن مع بنيامين نتنياهو.
