في مطلع عام 2026، بدأت سوريا تداول ليرتها الجديدة بعد حذف صفرين من عملتها، فأصبحت كل مئة ليرة قديمة تساوي ليرة واحدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه، هو: هل نجح الاقتصاد السوري مع الليرة “الجديدة”؟
اليوم، لم يعد السؤال ما إذا كانت دمشق قد نجحت في حذف الأصفار من عملتها، بل ما إذا كانت نجحت في إعادة الاعتبار إلى الليرة نفسها. فحذف الأصفار ليس أكثر من عملية محاسبية تعيد ترتيب الأرقام على الأوراق النقدية، أما نجاحها الحقيقي فيُقاس بقدرة العملة على استعادة وظائفها الأساسية: أن تكون وسيلة للتبادل، ووحدة للحساب، ومخزناً للقيمة، وأداة تعكس ثقة المجتمع بالدولة.
الليرة الجديدة تصطدم بالاقتصاد القديم
من الناحية التقنية، يصعب إنكار نجاح العملية. فقد جرى استبدال معظم الأوراق النقدية القديمة خلال فترة زمنية قصيرة، وانتقلت المصارف وأنظمة الدفع إلى العملة الجديدة بسلاسة، ولم تُسجَّل اضطرابات تُذكر في عمليات التداول. بل إن الأشهر الأولى حملت جرعة من التفاؤل انعكست في تحسن معنويات المستهلكين، وانخفاض الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية إلى مستويات محدودة، وهو ما أوحى بأن الليرة الجديدة قد تكون بداية لمرحلة نقدية مختلفة.
لكن الاقتصاد لا يعيش على الأثر النفسي وحده. فما إن انقضت الأشهر الأولى حتى بدأت المؤشرات الحقيقية بالظهور. فعادت الضغوط التضخمية بقوة، وارتفعت أسعار السلع الأساسية خلال النصف الأول من عام 2026 بنسب تجاوزت في المتوسط 50%، بينما تشير تقديرات منظمة الغذاء العالمية إلى أن التضخم السنوي اتجه نحو تجاوز 100%. وفي الوقت نفسه، اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، بعدما ارتفع الانحراف تدريجياً من أقل من 5% في بداية العام إلى نحو 25 % بحلول تموز الماضي ، وهو مؤشر كلاسيكي على تراجع الثقة بالسياسة النقدية.
هذه الأرقام تعني أن حذف الأصفار لم ينجح في معالجة أصل المشكلة، لأن المشكلة لم تكن في عدد الأصفار المطبوعة على الورقة النقدية، بل في الاقتصاد الذي يقف خلفها. فالعملة لا تستمد قيمتها من جودة تصميمها أو تقنيات طباعتها، وإنما من قوة الاقتصاد المنتج، وانضباط المالية العامة، واستقلالية السياسة النقدية، وقدرة الدولة على إقناع المواطنين بأن الاحتفاظ بعملتها أقل مخاطرة من الاحتفاظ بالدولار أو الذهب.
الاقتصاد السوري في ظل ثلاث عملات
ما زاد من تعقيد التجربة السورية أن البلاد لم تعد تمتلك سوقاً نقدية موحدة. ففي أجزاء واسعة من الشمال، ولا سيما المناطق المحاذية للحدود التركية، أصبحت الليرة التركية عملة التداول اليومية في الأسواق والرواتب والإيجارات، بينما حافظ الدولار على موقعه المرجعي في التجارة الخارجية والعقارات والصفقات الكبرى. وبهذا أصبحت سوريا تعيش عملياً في ظل ثلاث عملات، لكل منها وظيفة مختلفة، وهو واقع يضعف قدرة المصرف المركزي على إدارة السياسة النقدية ويحدّ من تأثير أدواته التقليدية.
لعل أخطر ما تكشفه التجربة هو أن الدولرة لم تتراجع بعد إطلاق العملة الجديدة، بل تشير تقديرات صندوف النقد الدولي إلى أنها ارتفعت مجدداً لتلامس مستويات تراوح بين 80 و85% من المدخرات والمعاملات ذات القيمة المرتفعة، بعدما كانت قد انخفضت بصورة طفيفة في الأشهر الأولى. فالمواطن الذي رأى الأسعار ترتفع وسعر الصرف يتراجع، عاد سريعاً إلى الملاذ الذي اعتاد عليه طوال سنوات الأزمة: الدولار.
هذه النتيجة ليست مفاجئة في علم الاقتصاد. فحين تستمر الحكومة في مواجهة عجزها المالي عبر التوسع في الكتلة النقدية، بينما يبقى الإنتاج الحقيقي ضعيفاً، تتحول أي عملة جديدة إلى نسخة مختلفة شكلاً عن العملة القديمة. وتشير دراسات اقتصادية استندت الى بيانات صندوق النقد الدولي وبرنامج الغذاء العالمي إلى أن التمويل النقدي للعجز أدى إلى زيادة الكتلة النقدية بما يتراوح بين 25 و30% خلال الأشهر الأولى من العام الجاري، في وقت لم يسجل فيه الاقتصاد نمواً حقيقياً يوازي هذه الزيادة، بل بقي النمو قريباً من الصفر، مع انكماش في بعض القطاعات الإنتاجية.
هنا تحديداً يكمن الفارق بين سوريا وتجارب نجحت في حذف الأصفار. فتركيا، عندما أطلقت الليرة الجديدة عام 2005، كانت قد خفضت التضخم إلى أقل من 10%، واستعادت قدراً كبيراً من الانضباط المالي، ورسخت استقلالية البنك المركزي. أما رومانيا، فقد سبقت إعادة التقييم النقدي بخفض معدلات التضخم بصورة تدريجية، بينما لم تحقق البرازيل الاستقرار إلا بعد ربط الإصلاح النقدي بإصلاح مالي شامل ضمن “خطة الريال” التي أُطلقت عام 1994. وفي جميع هذه الحالات، كانت إزالة الأصفار خاتمة برنامج إصلاحي، لا نقطة بدايته.
المشكلة ليست في الأصفار بل في الاقتصاد
أما في سوريا، فقد جاءت إعادة إصدار العملة في وقت لا يزال فيه الاقتصاد يواجه تحديات ضخمة، من ضعف الاستثمار والإنتاج إلى محدودية الإيرادات العامة واستمرار الاعتماد على الواردات، فضلاً عن الانقسام النقدي والجغرافي الذي يجعل جزءاً من النشاط الاقتصادي خارج دائرة الليرة السورية أصلاً.
لا يقل أثر ذلك على ميزان المدفوعات أهمية عن أثره في السياسة النقدية. فكلما توسع استخدام الدولار والليرة التركية، ازداد الطلب على العملات الأجنبية لتمويل التجارة والادخار، وتراجعت فعالية الليرة كوسيلة لتسوية المعاملات. وفي المقابل، يفقد المصرف المركزي جزءاً من قدرته على التأثير في السيولة وسعر الفائدة، لأن قسماً متزايداً من الاقتصاد بات يعمل بعملات لا يصدرها ولا يستطيع التحكم بها.
مع ذلك، سيكون من الظلم وصف التجربة بالفشل المطلق. فالنجاح الفني في تنفيذ عملية الاستبدال يمثل إنجازاً إدارياً لا يمكن إنكاره، كما أن استقرار الأشهر الأولى أظهر أن الثقة يمكن أن تعود إذا توافرت لها الشروط الاقتصادية المناسبة.
لقد نجحت سوريا في إصدار ليرة جديدة، لكنها لم تنجح حتى الآن في بناء الاقتصاد القادر على حمايتها. فالسيادة النقدية لا تبدأ من المطابع، بل من المصانع والحقول والاستثمارات والمالية العامة السليمة، ومن دولة قادرة على إقناع مواطنيها بأن مستقبل مدخراتهم أكثر أمناً بالليرة السورية من أي عملة أخرى. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى إزالة الأصفار خطوة تقنية مهمة، لكنها غير كافية لإعلان تقدّم اقتصادي حقيقي
