ليست سورية الدولة الأولى، ولا الأخيرة، الخارجة من حرب أهلية، وأكثر ما تحتاجه بناء مجتمع يتعافى من جروح الماضي كي ينهض ويبني دولته المأمولة. احتاجت هذه الدول كلّها إلى جهود ودراسات وبرامج ودعم كان في مقدمتها مطلب تحقيق العدالة الانتقالية التي تطوّر مفهومُها ليأخذ في الاعتبار المجتمع المتضرر بصورة شاملة، من منظور موجّه نحو الماضي إلى منظور موجّه نحو المستقبل. ويتّفق معظم الباحثين على أنّ الاستراتيجيات التي تُطبّق على مستوى الدولة لمعالجة انتهاكات الماضي يجب أن تهتم بتحديد المسؤوليات، وتضع حدّاً للإفلات من العقاب، وتعمل لاستعادة العلاقة بين الدولة والمواطنين، وإعادة بناء المؤسّسات.
لا يمكن غضّ النظر عن واقع المجتمع السوري، وما أنتجته الحرب الشرسة في عقد ونصف العقد، ومن قبلها الحكم الشمولي بقبضة أمنية قوّية عقوداً، مع قتل الحياة السياسية والعمل باستمرار على بناء مجتمع “امتثالي” يتلقّى من دون أن يُنتج فكراً وثقافةً تخصّه، ما أدّى إلى زيادة الهُويّات الجماعية الفرعية التي تتحرّك في فضاءات غير فضاء الدولة، وتمكّنها من الوعي العام والجمعي ضمن كلّ مجموعة. أمّا النتيجة فهي ما نراه: مجتمع متشظٍّ، أفراده غير قادرين على التعايش مع بعضهم بعضاً، بل صارت التفاعلات فيما بين تلك المجموعات صراعية، تتفاقم شدّتها ويتعالى فيها خطاب الكراهية والتخوين، بل والإقصاء من مفهوم الوطن.
من الصعب تحقيق التوازن بين العدالة والاستقرار والتنمية، خصوصاً عندما تكون الانقسامات المجتمعية عميقةً. هذا ملحوظ، وتُظهره تجارب سابقة لشعوب ودول مرّت بهذه الحالة. وإذا كان بناء الدولة مطلباً أولويّاً، فإنّ هذا البناء سيتعثّر إذا لم يقترن بإجراءات تعيد بناء الثقة بين المواطنين والدولة. هذا البناء لن يكون متماسكاً وواعداً إذا لم تعمل الجهات الحكومية على منع تجدّد العنف، خاصّةً أنّ الباحثين خلصوا من دراسة تلك التجارب إلى أنّ العنف يمكن أن يعود بنسبة مرتفعة بين خمس وعشر سنوات من انتهاء الحرب. ولقد واجهت الحكومات التي تشكّلت بعد صراع، جديدة أو انتقالية، مهمّةً صعبةً تتمثّل في التعامل مع الماضي والانتهاكات التي ارتكبتها الدولة، وفي الوقت نفسه تحضير المستقبل وبناء مجتمع قائم على حكم القانون.
أهداف العدالة الانتقالية هي الاعتراف، والثقة، وسيادة القانون، وصولاً إلى المصالحة. وهذه الأهداف لا تتحقّق، جزئيّاً أو كلياً، من دون التمسّك بحقوق أساسية للضحايا: الحقّ في الحقيقة، والحقّ في العدالة، والحقّ في التعويض، وضمان عدم التكرار. لكن هناك تحديات كبيرة أمام هذه المسيرة من العدالة في طريق الوصول إلى المصالحة، فجهود المصالحة يجب أن تكون شاملة، مع أخذ أصوات جميع الأطراف المعنية بالاعتبار ومعالجة الأسباب الجذرية للصراعات. إلى اليوم لم نشهد في سورية هذا الأداء الذي يزرع بذور الطمأنينة لدى كثير من السوريين، فهناك كثيرٌ منهم يشعرون بالظلم وانتهاك حقوقهم، عندما يرون من كانوا سبباً في قتلهم وتشريدهم وتفتيت أسرهم وانتهاك حقوقهم وأملاكهم ليسوا أحراراً وأفلتوا من العقاب فحسب، بل أُدرجوا في عديد من مواقع الحكم حالياً. وهناك فئات من الشعب السوري تعرّضت للعنف والقتل الطائفي، كما جرى في مجازر الساحل أو في السويداء وبعض المناطق التي تسكنها غالبية درزية، أمام أعين السلطات، وبمشاركة عناصر من أجهزتها العسكرية والأمنية. وهذا ما اعترفت به السلطة بشكل موارب عندما وصفته بالفخّ الذي وقعت فيه، وما جاء في تقارير دولية صدرت عن محقّقين مستقلّين كلّفهم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالتحقيق. فقد أشارت هذه التقارير إلى أنّ موجات العنف التي ارتكبتها “القوات الحكومية” ضدّ الأقلية العلوية في الساحل والوسط الغربي لسورية كانت “عامّةً ومنهجيةً” وقد تُشكّل “جرائم حرب”. لكن كيف كان الأداء الحكومي إزاء هذه المجازر وما جاء في تلك التقارير؟ عُقدت جلسات محاكمة “إعلامية” أُحضر فيها عددٌ قليل من “المتّهمين” من الطرفَين، ثمّ ذهبت تلك المحاكمات طيّ النسيان. علاوةً على حالات الخطف المتكرّرة التي لم تتوقّف خلال العام ونصف العام الماضيَين، ولم يشهد الشعب السوري محاكمةً لمرتكبي واحدة من هذه الحالات على الأقلّ.
تحقيق العدالة الانتقالية، وترسيخ هيبة القضاء وحماية مفهوم العدالة بشكل عام وصون مكانته العليا في الوجدان الجمعي، لا يتحقّق من دون محاسبة المرتكبين من كلّ الأطراف في صراعات من هذا النوع، فمعاقبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال الصراع أمر ضروري للضحايا، ولعافية المجتمع، لكنّه قد يعيد إشعال التوتّرات إذا عَدَّتها بعض الفئات منحازةً، أو إذا بقيت مجموعات تشعر بالظلم وعدم احترام حقوقها وضحاياها.
لا يمكن تحقيق المصالحة وتعزيزها من دون إيجاد توازن بين العدالة والاستقرار، والعدالة عملية مستدامة وطيفها واسع. فعدم المساواة الاقتصادية سيفاقم التوتّرات ويزيد الفقر. صحيح أنّ الفقر يعمّ معظم الشعب السوري، لكن هناك مناطق ومجموعات جرى تهميشها وتسريح جزء من سكّانها من وظائفهم.
تتلخص العدالة الانتقالية في حزمة من الأهداف: وقف انتهاكات حقوق الإنسان التي قد لا تزال مستمرّةً (وهي مستمرّة)، والتحقيق في الجرائم المرتكبة في الماضي، وتحديد المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، ومعاقبة هؤلاء المسؤولين (قدر الإمكان)، وتقديم التعويضات للضحايا، ومنع أيّ انتهاك جديد، وإصلاح قطاع الأمن (وما زال هذا القطاع دون المستوى المطلوب)، والحفاظ على السلم وتعزيزه (ما لم يُرسَّخ بعد)، وتشجيع المصالحة (تنأى كلّ يوم أكثر، من بالغ الحزن والأسف على هذا الواقع). لكن ما يظهر اليوم أنّ هناك قصوراً وتقصيراً في هذا المجال، وما زالت السلطات تتأخّر في تنفيذها، وتُضاف جرائم جديدة إلى القائمة الطويلة لتلك المرتكبة في مرحلة النظام الساقط. فحتّى المحاكمة التي صدر فيها الحكم بالإعدام غيابيّاً في حقّ بشّار وماهر الأسد، وبعض رموز النظام الذين ارتكبوا جرائم في حقّ الشعب السوري في المرحلة السابقة، أحدثت ردّات فعل عديدة لدى الشعب. وإذا ما استثنينا الناحية العاطفية لدى شريحة من الشعب، وشعورها بأنّ الحكم أنصفها، فإنّ كثيرين ممّن ينظرون إلى هذا الإجراء من زاوية أخرى ومن خلال القواعد الدولية والصلاحيات القضائية، يرون أنّ الشعب، بهذه المحاكمة، حُرم من فرصته التاريخية. فالشعب في مجمله كان متضرّراً من النظام السابق، بطريقة أو بأخرى، وحُرم من حقّه الإنساني والحقوقي والوطني والسيادي في أن تكون له المحكمة الشرعية التي تمتلك الحقّ الحصري في مقاضاته وتطبيق العدالة التي يرنو إليها. لكنّ حكم الإعدام هذا قطع الطريق على الشعب للوصول إلى المجرمين الذين عاثوا فساداً بمصيره ومصير وطنه. فرأس النظام والمسؤولون الكبار فيه لم يرتكبوا القتل بأيديهم لتُعدّ جرائمهم جنايات فيُحكمون بالإعدام وفق القوانين السورية، إنّما ارتكبوا جرائم ضدّ الإنسانية في حقّ الشعب السوري كلّه، بإدارة الحكم على مدار سنوات طويلة، وإدارة الحرب خلال العقد ونصف العقد الماضيَين بالقوّة الغاشمة ومصادرة الإرادة وإصدار الأوامر بقتل كلّ من يقول “لا” في وجه سلطته المستبدّة.