
تتوالى الأخبار الآتية من ولايات أميركية حاسمة، مثل نيويورك وميشيغن، محتفلة بانتصارات متتالية لمرشحين تقدميين، أو ممثلين لأقليات ديموغرافية ودينية نجحوا في اختراق الجدار الصلب لمؤسسة الحزب الديموقراطي التقليدية. للوهلة الأولى، تبدو هذه الانتصارات دليلاً على حيوية الحزب، وقدرته الاستثنائية على تجديد دمه، والاتساع للتنوع الهوياتي والثقافي في البلاد. غير أن القراءة العميقة لما يختبئ خلف هذه الصور البراقة تكشف عن تحولٍ عكسي تماماً: نحن لسنا أمام اتساع لـ”كونية” الحزب الديموقراطي، بل أمام انكفاء حاد ونكوص مريع نحو “المحلي”.
تاريخياً، وطوال القرن العشرين، كان هذا الحزب هو المهندس التنفيذي والعقلي للإمبراطورية الأميركية العابرة للقارات. هو الحزب الذي صاغ المؤسسات الكونية الكبرى، من الأمم المتحدة إلى اتفاقيات التجارة الحرة، ورسخ خطاب “القيم الكونية” و”حقوق الإنسان” كأدوات لضبط إيقاع الكرة الأرضية وتطويع جغرافيتها. على مدى العقود السابقة كان الديموقراطيون يطرحون أنفسهم بوصفهم حراس المعنى الشامل، وأصحاب الرؤية الكلية التي ترى أميركا كـ”ضرورة استثنائية” لقيادة العالم والتبشير بقيمه. مع هذا، لا يسعنا أن نغفل أدوار الجمهوريين في محاولة هندسة العالم، من أيزنهاور والحرب الباردة، إلى نيكسون وأدوار كيسنجر في هندسة السياسة الخارجية، إلى ريغان وحرب النجوم، وصولا إلى جورج بوش الأب والنظام العالمي الجديد. لكن العقود الماضية أظهرت غلبة لفكرة أن الهيمنة الأميركية تحتاج إلى شرعية ومؤسسات كونية ومؤسسات قادها الحزب الديموقراطي.
اليوم، ينقلب هذا المشهد رأساً على عقب. هذه الانتصارات المتراكمة في ميشيغن ونيويورك ليست إعلاناً عن “فتح كوني جديد”، بل هي في جوهرها إعلان عن “انعزالية محلية جديدة”. إنها انتصارات تُبنى على جزئيات شديدة التفصيل والضيق: أسعار الدواء في المقاطعة، جودة المياه في الحي، الضرائب العقارية، ومحاسبة الإدارة الفيدرالية في واشنطن على مواقفها من صراعات إقليمية نائية. لقد تحول الناخب الديموقراطي من كائن يفكك العالم بعين الإمبراطورية، إلى مواطن ينكفئ في “زاويته”، ويعاقب حزبه إذا ما تعارضت حسابات الإمبراطورية مع مصالح حيه.
هذه الظاهرة لا تشكل مشكلة للحزب الجمهوري بقدر ما تشكل مأزقاً وجودياً للحزب الديموقراطي نفسه. فالجمهوريون، مع تسيد التيار الترامبي، لم يتجهوا نحو “الانعزال عن العالم” كما يُروج بتبسيط إعلامي، بل أعادوا تعريف الهيمنة ذاتها: شعار “أميركا أولاً” يعني في جوهره “أميركا الحاكمة للعالم أولاً”، ولكن بأدوات قاسية تخلت تماماً عن أوهام التبشير بالقيم وتصدير الديموقراطية. تقوم العقيدة الجمهورية اليوم على مبدأ اعتراف صريح بحق كل أمة في أن تكون ما تريد أن تكونه، وبشكل نظام الحكم الذي يلائمها، من دون أي رغبة في فرض أنماط عيش أو تقاليد غربية عليها.
هذا التحول الجمهوري الراديكالي يتسق مع واقع كوني جديد يفرض نفسه بقوة. ألا وهو الصعود الآسيوي الهائل. لقد كان الشرق الأوسط طوال عقود بمثابة “فأر مختبرات” للثقافة الغربية. فتقاسم إرث السلطنة العثمانية أوروبياً صنع كيانات قلقة، حددتها إلى هذا الحد أو ذاك، المساحات التي وصلت إليها وحدات المشاة العسكرية. ما حول المنطقة إلى ساحة جُربت فيها وصفات الهندسة الاجتماعية وفرض التجانس القسري المصنوع من تاريخ الحروب الأوروبية الدامية، وهي تجربة لم تنتج في الشرق الأوسط سوى التفتت والحروب الأهلية التي لا تنتهي. لكن العالم الآسيوي اليوم يتشكل حول كتل بشرية وجغرافية عملاقة مثل الصين والهند وإندونيسيا. وهي كتل لا يمكن معاملتها كفئران تجارب، ولا يمكن لأحد أن يغامر بفرض قيم موحدة عليها أو دفعها نحو حافة الحروب الأهلية. وعليه، تتلخص السياسة الجمهورية في صيغة براغماتية حاسمة: “فليحكم الصينيون والهنود أنفسهم كما يشاءون، نحن لا نريد تغيير مجتمعاتهم، بل نريد إدارة تعاون تنافسي يضمن إبقاء اليد العليا لأميركا”. وهذا التوجه يعلن عمليا الموت النهائي للأطروحة الديموقراطية التقليدية التي جعلت من التبشير بالقيم الأميركية عكازاً لسياساتها الخارجية. في الخلاصة، لا يعني مشروع أميركا أولاً الذي يقوده ترامب تخلياً عن الهيمنة الأميركية. إنه، بوضوح، تخل عن الحاجة إلى تبريرها أخلاقياً أو تحويلها إلى مشروع لتغيير المجتمعات الأخرى.
في مقابل هذه البراغماتية الإمبراطورية الصلبة عند الجمهوريين، يبدو الحزب الديموقراطي اليوم كما لو أنه عاد إلى “لحظة التأسيس الأميركية الأولى”. في تلك اللحظة، كان السجال يتمركز حول حقوق “الولاية والقضاء” في مواجهة طغيان “المركز الفيدرالي”. واليوم، يعود الديموقراطيون لتفكيك هذا المركز من الداخل، محولين أميركا -في مخيالهم السياسي- إلى مجموع أجزائها ومقاطعاتها، لا ككيان كلي يحمل مشروعاً للعالم. إنهم يعيدون الاعتبار للولايات والأقضية والعائلات والأفراد، ولكن على حساب الأفكار الكبرى الشاملة العابرة للحدود.
أميركا اليوم هي دولة كونيّة بامتياز. تملك مفاتيح المادة، والمال (الدولار)، والخوارزمية، والهيمنة العسكرية العابرة للبحار. لكن الحزب الذي يُفترض به أن يملك السردية الكونية بات يُدار بعقلية “رئيس بلدية”. الموظف الفيدرالي الديموقراطي في واشنطن، الذي كان يخطط في منتصف القرن الماضي لرسم خريطة العالم، بات اليوم مكبلاً بخوفه من غضب ناخبيه في زواريب ديربورن أو بروكلين. لقد تم تفريغ السياسة الخارجية من عقلها الاستراتيجي، لتتحول إلى مجرد ردود أفعال وافتداء أجهزة الاقتراع في المقاطعات المتأرجحة.
في المحصلة، تبدو أميركا اليوم كما لو أنها تعيش مفارقة تاريخية غير مسبوقة: إمبراطورية تمتلك مفاتيح القوة الكونية كلّها -المال، والخوارزمية، والبحر، والجيش- لكن الحزب الذي كان يعبّئ هذه القوة في سردية شاملة، عاد لينشغل بإدارة مخاوف زواريب بروكلين وديربورن. لقد انكفأت القيادة الديموقراطية من هندسة العالم إلى هندسة “الأقضية”، ومن صياغة المعنى الكوني إلى فضّ نزاعات الضرائب والمياه والدواء.
هذا الانكفاء لا يعني أن أميركا فقدت مركزها، بل يعني أن المركز نفسه فقد سرديته. فالإمبراطورية ما زالت قائمة، لكن عقلها السياسي بات يعمل بمنطق البلديات لا بمنطق القارات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على قيادة العالم، بل ما إذا كان الحزب الذي صاغ مشروعها الكوني ما زال قادراً على تخيّل عالم خارج حدود مقاطعاته.
هل هذا الانكفاء لحظة إرهاق ما بعد العولمة، أم أنه بداية عصر جديد تُدار فيه الإمبراطورية من الداخل، بلا رؤية تتجاوز حدود الحي؟ قد يكون هذا السؤال والإجابة عليه هو ما سيحسم شكل العالم في العقود المقبلة.