-
جنى حسن، نشوى نعيم..المصدر . الجمهورية .نت
-
-
-
أثارَ سقوطُ نظام الأسد في سوريا قلقَ تيارات الإسلام السياسي الشيعي العراقية، التي رفضت هذا التحول الجديد، وهو ما انعكس على أوضاع اللاجئين السوريين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة خطابات عدائية وقرارات سياسية واقتصادية تُصعِّب عليهم العيش والعمل في العراق، مع شهادات متكررة عن انتهاكات أمنية بحقهم تتزايد مع كل أزمة طائفية أو سياسية في سوريا.
لكن هشاشة أوضاع السوريين في العراق سابقةٌ على سقوط الأسد، فمنذ سنوات يعيش الآلاف منهم في غياب إطار قانوني واضح ينظّم وجودهم، إذ تتباين أوضاعهم بحسب مكان الإقامة، وطريقة الدخول، والوثائق التي يحملونها.
التهمة: سوري
يعيش أبو علي وهو اسم مستعار لسوري يبلغ من العمر 34 عاماً، في العراق منذ عام 2022. يؤكد أنه دخل بغداد بصورة نظامية قادماً من أربيل، وأنه يحمل إقامة لجوء صادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، تُجدَّد سنوياً. لكن الأوراق القانونية التي يحملها لم تحمِه من تجربته الأقسى في العراق: السجن.
في أثناء عودته من عمله في منطقة الكرادة، إلى منزله، أوقفته دورية تفتيش للسيارات. طُلب منه بدايةً إبراز أوراقه الثبوتية، فأوضح أنه لا يحمل سوى جواز السفر، وطلب أن يُرافقه أحد العناصر إلى المنزل لإحضار وثيقة الإقامة، لكن طلبه قوبل بالرفض.
وفور معرفة القوة أنه سوري الجنسية، طلبوا هاتفه وفتشوا فيه، ثم سأله أحدهم عن صورة للرئيس الشرع: «سألني واحد منهم منو هذا؟ جاوبته الرئيس، وقالي هسّا تروح معنا وما تطلع عاد». ورغمَ عدم وجود ما يُدين أبو علي، أصرّت القوة على اعتقاله ووجّهت له تهماً عدة؛ « قالي إنتو تخربون العراق، وإذا إنتو بسوريا 80 بالمئة سنة، إحنا هون 90 بالمئة شيعة».
قضى أبو علي أربعة أيام بين السجن والهيئة التحقيقية لعمليات بغداد (الأمن الوطني) في منطقة العامرية، وهو يؤكد أنه بقي معصوب العينين في كل جلسات التحقيق، ويقول عن ظروف الاعتقال القاسية للجمهورية.نت: «بغرفة التحقيق كانوا يشلحوني كُل تيابي، وبعدين يرفعوني الفلقة، أنا معلّق بالسقف، والمحقق يسألني، والجو بارد، وأنا خايف كتير، ما كنت أحكي شي بس إبكي». تعذّرَ على أبي علي ارتداء ملابسه حتى بعد إنزاله، لأنه بقي مربوطاً لساعات طويلة مما سبّبَ آلاماً شديدة في يديه: «بدل ما يخلعوا عني ملابسي كنت أتمنى لو يضربوني».
ترافقَ هذا كله مع الشتم والتهديد بالتعذيب بواسطة الكهرباء: «بدهم يثبتوا أني طائفي، لهيك كان التعذيب، بس في شخص من الشرطة قالي بأذني لا ترد ولا تثبت أي شي على نفسك». خضعَ أبو علي للتحقيق والتعذيب مرتين يومياً، وسطَ شعور دائم الخوف واليأس من الخروج، كما كان ممنوعاً من الحركة والالتفات، يقضي وقته معصوب العينين ووجهه نحو الحائط: «بس لما يجيبوا الأكل نلتفت ناخذه».
في اليوم الرابع، وبعد تنقله بين السجن والتحقيق، أُحيلَ إلى محكمة الرصافة، حيث قابل القاضي: «سألني كيف جيت العراق؟ قلت له: عن طريق أربيل، والختم على الجواز»، يؤكد أبو علي للجمهورية.نت أن القوة كانت مصرّة على جعله يعترف بما لم يفعل؛ «هم بدهم أعترف على إشي ما عملته وما أعرفه، بدهم أقول إني جاي أسوي مشاكل طائفية، أو أقول إني إجيت بعد سقوط الأسد». رغم عدم وجود ما يدينه في هاتفه، فقد أُرجع للسجن بعد انتهاء الجلسة محاكمة.
بقي أبو علي في السجن شهراً دون توجيه أي تهمة له رسمياً، وفي الخارج واصلت عائلته البحث عنه لمدة عشرة أيام، تعرّضت خلالها للاحتيال مرتين من محامين ادّعوا أنهم يعرفون مكانه، ودفعت في كل مرة مبالغ مقابل معلومات خاطئة. لاحقاً، أبلغت الشرطة عائلة أبي علي بمكانه، وطمأنتهم إلى أنه لا حاجة لتوكيل محامٍ، لأن المحكمة ستُبرّئه.
في بداية الجلسة، سأل القاضي أبو علي، مشيراً إلى صورة الرئيس أحمد الشرع: «من هذا؟»، أجابه أبو علي: «الرئيس»، ردَّ القاضي: «هذا إرهابي». أكد أبو علي خلال الجلسة أنه لا يعرف كيف وصلت الصورة إلى هاتفه، مشيراً إلى أنها قد تكون وصلت من خلال مجموعات فيسبوك وواتساب، مشدداً أمام القاضي على براءته، ليُقرِّر الأخير بعدها إطلاق سراحه.
السوري في العراق: ضبابية الوضع القانوني
لا تبدو تجربة أبي علي القاسية استثناءً فردياً، بل تعكس تخبطاً هيكليّاً في التعامل مع وجود السوريين في العراق، في ظل غياب إطار قانوني شامل وموحد ينظم أوضاعهم. بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، فإن العراق يستضيف 343,473 لاجئاً وطالب لجوء (بحسب بيانات نهاية تموز الماضي)، يُشكّل السوريون نحو 88 بالمئة منهم. وتوضح بيانات المفوضية أن محافظات إقليم كردستان وعلى رأسها أربيل تستضيف الكتلة الأكبر منهم، فيما يتوزع الباقون في محافظات الوسط والجنوب، لا سيما بغداد. كما تبيّن المفوضية أن 34 بالمئة من اللاجئين في الإقليم يعيشون داخل تسعة مخيمات، مقابل 66 بالمئة يقيمون في المناطق الحضرية، وتؤكد أن العراق يفتقر إلى إطار قانوني شامل ينظّم أوضاع اللاجئين ويوفّر لهم الحماية بما يتماشى مع المعايير الدولية وأفضل الممارسات.
في السياق ذاته، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن على العراق أن يُنهي فوراً حملته «المقلقة»، المُتمثّلة في الاعتقالات التعسفية وترحيل السوريين الذين فرّوا إلى أراضيه بحثاً عن الأمان، مؤكدةً أن إعادة طالبي اللجوء قسراً إلى سوريا تُعرّضهم للخطر «عن علم». وأضافت المنظمة أن ترحيل طالبي اللجوء يُعدّ انتهاكاً لالتزامات العراق بوصفه طرفاً في «اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب»، كما يُخالِف مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي العرفي.
وتتولى مفوضية اللاجئين في العراق تسجيل السوريين المحتاجين إلى حماية، وتمنحهم وثائق طالبي لجوء تُستخدم للتسجيل لدى «اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين» التابعة لوزارة الداخلية، حيث يُصنَّفون كـ«نازحين من المناطق الحدودية السورية لأسباب إنسانية»، وتُصدَر لهم بطاقات هوية تستثنيهم من قانون إقامة الأجانب.
يضع وزير العمل والشؤون الاجتماعية، أحمد الأسدي، في تصريحات لوسائل الإعلام، ملفَّ العمالة السورية ضمن إطار « العمالة غير القانونية»، مشيراً إلى أن معظمها دخل البلاد تسلُّلاً عبر الحدود أو من خلال إقليم كردستان.
وأضاف الأسدي، في حديث متلفز العام الماضي، أن نسبة العمال السوريين في مطاعم بغداد تتراوح بين 80 و90 بالمئة، لافتاً إلى أن الحكومة اتخذت قراراً بتصحيح أوضاع العمالة الأجنبية، إلا أن العمالة السورية غير مشمولة بهذا القرار بسبب دخولها غير الرسمي إلى البلاد، وأشار إلى أن معالجة هذا الملف تتطلب تدخلاً سياسياً، نظراً للتداخل بين البُعدين الإنساني والقانوني.
بالمقابل، أوضحت وزارة الداخلية العراقية أن دخول السوريين إلى بغداد والمحافظات الاتحادية يتطلب أولاً استيفاء الشروط القانونية والحصول على سمات دخول رسمية أصولية عبر كفيل محلي أو شركات معتمدة، وأكدت أن السوريين حاملي الإقامات الصادرة عن إقليم كردستان لا يُسمَح لهم بالانتقال إلى العاصمة بناء على تلك الإقامات فقط، كما حذّرت من وجود سماسرة يستغلون حاجة السوريين عبر وعود بتأمين إقامة بغداد مقابل مبالغ مالية يستولون عليها لاحقاً. ونتيجة استقبال إقليم كردستان للسوريين – قبل تعليق التأشيرات في آذار 2024 – وانخفاض تكاليف التأشيرة والإقامة مقارنة بباقي المحافظات، اتجه معظمهم إليها كوجهة أولى قبل محاولة الانتقال إلى محافظات أخرى، وهو ما اعتبرته الوزارة إجراءً غير نظامي ما لم يتم عبر شركات تستقطبهم للعمل بشكل مباشر.
يقول الناطق باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، حسن خوّام للجمهورية.نت، إن أعداد العمّال الأجانب الموجودين في العراق حالياً، ممّن دخلوا بشكل رسمي ويحملون إجازات عمل، تبلغ نحو 47 ألفَ عاملٍ، من دون تصنيفهم حسب الجنسية، إذ يُسجَّلون جميعاً تحت مسمى «عامل أجنبي» سواء كانوا من جنسيات عربية أو آسيوية.
ويُشير إلى أن الوزارة شدّدت إجراءات استقدام العمالة الأجنبية عبر فرض ضوابط على أصحاب العمل، من بينها عرض فرص العمل أولاً على العمالة العراقية، وأن يمتلك العامل الأجنبي شهادة خبرة في الاختصاص، وبعد استكمال هذه الشروط، يحصل على كتاب رسمي من وزارة العمل يُتيح له الدخول إلى العراق والحصول على إقامة لمدة سنة. كما لفتَ إلى أنه بالتنسيق مع وزارة الداخلية تم ترحيل أكثر من 55 ألفَ عاملٍ مخالف لشروط الإقامة والعمل خلال عامي 2024 و2025، مع تشديد ضوابط الاستقدام لخمس جنسيات، منها: السورية، والفلبينية، والبنغالية، والباكستانية. في السياق ذاته تداولت منصات إعلامية مطلع آب (أغسطس) 2025 أنباء عن صدور قرار رسمي يمنع دخول السوريين إلى العراق، إلا أن وزارة الداخلية العراقية نفت تلك الأنباء جملةً وتفصيلاً.
يقول ممثل وزارة الهجرة والمهجرين، إبراهيم خليل، للجمهورية.نت إن الوزارة تُصنّف السوريين في العراق على أنهم نازحون وليسوا لاجئين، موضحاً أن لدى العراق قانوناً خاصاً لتنظيم شؤون اللاجئين يمنحهم امتيازات مُحدّدة، في حين يجري التعامل مع السوريين وفق قانون النزوح الخارجي. ويشير خليل إلى أن هذا يندرج في إطار معاملة السوريين بالمثل، إذ عُومل العراقيون الذين لجأوا إلى سوريا عام 2014 بوصفهم نازحين. بخلاف حكومة إقليم كردستان التي تُصنّف السوريين لاجئين. ويُضيف أن الوزارة تواصل متابعة أعدادهم وأوضاعهم، والعمل على تكييف وضعهم القانوني حتى الآن، مؤكداً أن أعدادهم ما تزال كبيرة.
تجدر الإشارة إلى أن العراق ليس طرفاً في اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، ولا في بروتوكول نيويورك لعام 1967، ورغم أن قانون اللاجئين السياسيين رقم (51) لسنة 1971 كان قد نصَّ على الاعتراف بفئتي اللاجئين السياسيين و«العسكريين»؛ فقد توقفت الحكومة عن منح صفة اللجوء للسوريين الذين دخلوا البلاد بعد عام 2011، وصاروا يُعاملون وفق قانون الإقامة.
قبل العيش والعمل: أثر الكراهية
يروي ساهر (39 عاماً) للجمهورية.نت كيف تغيّرت ظروف معيشته في العراق بعد سقوط النظام في سوريا، إذ صار البعض ينعته بـ«الداعشي»؛ يقول: « أحياناً بيجي ناس لصاحب المطعم بيصيروا يقولوا ديروا بالكم هذا سوري من درعا هدول دواعش، وبيجي لعندي يقول رئيسكم إرهابي دولتكم إرهابية». لا يردُّ ساهر، شأنه شأن العديد من السوريين في العراق، على هذه الاتهامات، إنما يكتفي بالتأكيد لمن يشتمونه أنه لا علاقة له بما يجري في سوريا.
تعرّضَ ساهر للاعتقال في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام السوري من قبل قوة تابعة للأمن الوطني: «أنا كنت بالشغل إجت القوة لعندي، سألوني: إنت سوري؟ قلت: إي سوري، ما سألوا عن الإقامة أو أشياء ثانية». فتشت القوة هاتف ساهر، ووجدوا فيه فيديو للرئيس أحمد الشرع: «قالوا:شو هاي؟ قلت: مقطع لرئيسنا الجديد»، يؤكد ساهر أنه أخبرهم بامتلاكه وثيقة مفوضية اللاجئين، لكن ذلك المقطع للرئيس الجديد على الهاتف كان سبباً كافياً لاقتياده إلى مركز الأمن.
في مركز الأمن، فتَّشَ الضابط الهاتف مرة أخرى وقرأ محادثاته واستمع إلى الرسائل الصوتية، بحثاً عن محتوى تحريضي، ليتبيّنَ لاحقاً أنه لا يحتوي سوى على ذلك المقطع، فأطلق سراحه بعد يوم من توقيفه. يُشدد ساهر على أن اعتقاله، ولو ليومٍ واحد، كان سبباً في تغيّر معاملة مالك المطعم له. يقول: «بعد اعتقالي، صار صاحب المطعم يتجاهلني ويُجبرني على العمل لساعاتٍ أطول، ومن شدّة سوء المعاملة تركتُ العمل».
منذ ذلك الحين، يبحث ساهر عن وظيفة جديدة، وينشر منشورات على فيسبوك ويعلّق على إعلانات التوظيف، لكن ردود الفعل والتعليقات التي تَصِمُهُ بأنه «إرهابي» تُعرقل فرص حصوله على عمل. يؤكد أنه، قبل سقوط النظام كان يتلقى أكثر من خمسة عشر عرضاً من مطاعم مختلفة بمجرد أن يذكر في مجموعات التوظيف أنه سوري الجنسية.
يُضيف ساهر أن السوريين الذين لا يملكون وثائق إقامة، أو وثيقة تسجيل في المفوضية (تُعرَف محلياً بـ«الفورمة») يتعرضون للاستغلال: «اللّي ما عنده إقامة مثلاً يخلوهم يشتغلوا شهر شهرين وبعدين ما يعطوهم مصاري، كتير ناس بعرفهم هيك راحت مصرياتهم، وطبعاً هاد الشخص ما يقدر يشتكي لأنه ما معه لا أوراق ولا شي»، ويُضيف أن انخفاض الرواتب يدفع كثيراً من السوريين المقيمين في إقليم كردستان إلى دخول بغداد وإنْ بطرق غير رسمية، بحثاً عن فرص عمل أفضل: «انتقلت من أربيل، اشتغلت بقطاع المطاعم في بغداد من خمس سنين لأن الرواتب أعلى». كذلك يناشد ساهر الحكومة العراقية لتخفيف أجور الإقامة التي ترهق السوريين المقيمين، إذ إنها تصل إلى أربع ملايين دينار في السنة.
لم تكن بغداد وحدها بؤرة لهذا التوتر، ففي إقليم كردستان الذي لطالما عُدَّ ملاذاً آمناً استمرَّ الهدوء بعد سقوط النظام في سوريا لكنه لم يدم طويلاً؛ إذ سرعان ما انفجر الغضب الشعبي بالتزامن مع المواجهة التي شهدتها مناطق الجزيرة السورية بين قسد وقوات السلطة السورية الجديدة، وتمثّلَ في حملات تحريض وممارسات استهدفت السوريين.
تقول رنيم (34عاماً) وهي مذيعة تعمل في قناة سامراء وتسكن في أربيل، إن اشتباكات الشيخ مقصود في حلب التي وقعت في بداية العام، تسبّبت في تصاعد الغضب في صفوف الكرد ضد السوريين العرب في بعض المناطق الشعبية، وأشعلت الجدل بين مؤيدي السلطة السورية الجديدة ومعارضيها، ما فتح باب النقاش حول وجود السوريين في أربيل، وأدى إلى تصاعد أصوات تقول إن عليهم العودة إلى بلادهم إن كانوا يؤيدون السلطة الجديدة. تعدى هذا النقاش حدوده، ليتحول إلى ممارسات تمييزية لدى أصحاب العمل، الذين بات بعضهم يرفض توظيف السوريين، كما تُضيف أن بعض المناطق في أربيل بات سكانها يرفضون الرد على متحدث اللغة العربية.
وفقاً لمشاهدات رنيم، فإن التوتر يرتبط بأوضاع السوريين الذين لا يملكون إقامات نظامية، ويدخلون بموجب وثائق دخول مؤقتة صادرة عن المعبر، تضعهم داخل الإقليم تحت حماية مفوضية اللاجئين، لكنهم لا يملكون أوراقاً ثبوتية أو جواز سفر. وتنقل رنيم جانباً من الخطاب الموجه إليهم: «أغلبهم ما عندهم أوراق نظامية، فأنت ليش عندك رأي؟ إذا عاجبتك الحكومة ارجع على بلدك».
ولا تقتصر الصعوبات على السوريين الذين لا يملكون إقامات نظامية، إذ تُشير رنيم إلى ارتفاع كلفة تجديد الإقامة، التي وصلت (1500) دولار سنوياً في عام 2024، فضلاً عن ارتفاع كلفة التأمينات الاجتماعية، إذ تقول: «ندفع تأميناً بحدود 200 ألف دينار عن كل شخص، بما في ذلك أنا وثلاثة عاملين معي، وفق قرار الضمان الاجتماعي رقم 172».
أجريت مقابلةٌ مع آرام (28 عاماً) بالتزامن مع المعارك التي كانت تدور بين السلطة وقسد في سوريا، وهو يوضح أنه شارك في فعاليات داعمة للكرد السوريين، ليس لكونه كردياً فقط، بل أيضاً لأنه يرى أن «الكردي والعربي نفس الشي»، ويستدرك: «بس إذا العربي ما يقترب من السياسة ما حدا يقترب منه».
لجأ آرام مع عائلته إلى كردستان العراق قبل نحو 14 عاماً، وأقام في مخيم دوميز بدهوك، وبحسب آرام فإن المخيم كان يتلقى مساعدات مالية وغذائية أممية، غير أنها انقطعت منذ بداية جائحة كورونا. يحصل المُسجَّلون لدى المفوضية بصفة طالب لجوء على إقامات تُجدّد سنوياً عبر مكتب داخل المخيم، ويوضح آرام: «لمّا نجدد الإقامات سنوياً تكون مجانيّة لأنها مخصصة للاجئين، لكن القادمين عبر الطائرة، تصل كلفة إقامتهم إلى أكثر من 500 دولار».
قبل أربع سنوات، كان آرام يدرس طب الأسنان في جامعة دهوك بنظام الأقساط السنوية، حيث تبلغ كلفة السنة الواحدة نحو خمسة ملايين ونصف المليون دينار، لكنه اضطر إلى ترك الدراسة بسبب ضعف قدرته المادية، في ظل عمله بأجر يومي يبلغ عشرة آلاف دينار أي نحو سبعة دولارات، ويقول: «أنا حلمي طب الأسنان، بس ما عندي إمكانية، حاولت مع وزارة التعليم تساعدني بس ما زبطت».
بالنسبة لآرام، لا تقتصر صعوبة بناء المستقبل على التعليم والعمل، إذ يُشير إلى القيود القانونية التي تحول دون تسجيل العقارات بأسماء الأجانب داخل الإقليم، موضحاً: «لو حدا عراقي نثق فيه نشتري بيت ونسجله باسمه». كما يتحدث عن محدودية البدائل التي تجعل اللاجئ السوري مضطراً إلى قبول العمل مهما كان الأجر متدنياً: «مجبور أشتغل، لأن ما عندي مصادر دخل ثانية».
يختتم حديثة بأمنية العودة مع عائلته إلى سوريا، إلا أن الأوضاع الأمنية تحول دون ذلك: «بدنا نرجع لوطننا، بس في حرب هناك، وهنا متوفر شغل حتى لو قليل، وفي كهربا ومي وخبز».
العنف مجدداً: حملات انتقامية
يقول الأكاديمي الباحث في الشأن السياسي الدكتور عقيل عباس للجمهورية.نت إن لحظة سقوط النظام في سوريا تسببت بحالة كبيرة من التوتر والقلق، وأدت إلى تداول مصطلح «الحاكمية الشيعية» في مقابل صعود ما بدا أنه إسلام سياسي سنّي، ويرى أن جزءاً من النخب السياسية والجمهور الشيعي رفض النظر إلى التحولات التي طرأت على سلوك هيئة تحرير الشام، وظلَّ يتعامل معها بوصفها امتداداً لتنظيم القاعدة، كما نظر إلى الإطاحة ببشار الأسد ومجيء هيئة تحرير الشام على أنه انتصار سنّي على التشيُّع.
ويُضيف أن ما حدث أعاد أيضاً إنتاج المواجهة داخل العراق، إذ شكّلَ بداية لظهور جرأة سنية أكبر، وبدأ سنّة العراق يتحدثون عن المظالم التي تعرّضوا لها، وعن عدم السكوت كما في السابق، كما برز شعور بالفخر لدى بعض الأوساط السنية العراقية بما جرى في سوريا، وبدأوا ينظرون إلى أحمد الشرع بوصفه شخصية عابرة للحدود وليست سورية فقط. بالمقابل، ظهر تعصّبٌ مضاد للتأكيد على أن الشيعة هم من يحكمون العراق، وأن ما حدث في سوريا لن يغيّر المعادلة، رغم ما يراه عباس من مبالغة كبيرة في هذا التفكير.
وفي هذا السياق، تصاعدَ الخطاب الطائفي على مواقع التواصل الاجتماعي، الذي بلغ ذروته مع أحداث الساحل السوري في 2025. في 12 آذار (مارس) 2025، تعرّضَ عدد من العمال السوريين للضرب والتعنيف على يد مجموعة مُلثمة تنتمي إلى فصيل شيعي يُطلق على نفسه اسم «تشكيلات يا علي الشعبية». وقد جرى توثيق الاعتداء وانتشر على منصات التواصل الاجتماعي، مثيراً جدلاً واسعاً بين الناشطين السوريين الذين طالبوا بمحاسبة المجموعة التي داهمت موقع عمل الشبان السوريين، وفتشت هواتفهم وعبثت بمحتوياتها قبل أن تعتدي عليهم بالضرب.
رسمياً، أدانت وزارة الخارجية السورية ما يتعرض له السوريون في العراق، معتبرة أن هذه الأفعال تُمثّل انتهاكاً لحقوق الإنسان والقانون الدولي، كما وجّه رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة العراقية آنذاك، محمد شياع السوداني، بتشكيل فريق أمني مختص لملاحقة المسؤولين عن هذه الأفعال التي وصفها بأنها «غير قانونية ومنافية للقيم العراقية».
من جانب آخر، يلتقي السياقان السوري والعراقي عند نقطة التعقيد نفسها، فكما بدأ التشدّد هناك طائفياً ثم أخذ بُعداً قومياً، انعكس الأمر ذاته على العراق، إذ انتقل العنف من ثنائية الشيعة والسنّة إلى توتر بين العرب والكُرد.
وقد انتشرت لافتات في بعض مناطق كردستان تدعو إلى مقاطعة وطرد العمال السوريين من المحال التجارية، كما تداول ناشطون مقاطع مصورة تُظهر اقتحام مجموعة من الكُرد أحد المطاعم السورية في أربيل، حيث وجهوا الشتائم والإهانات للعاملين السوريين فيه، ورفعوا علم إقليم كردستان داخل المطعم. ونُقل عن أحد المشاركين في الاقتحام قوله: «لا يوجد هنا عامل كردي، هؤلاء السوريون العرب بلا شرف».
وتزامنت هذه الحوادث مع تصاعد حالة الغضب في الشارع الكردستاني، خصوصاً بعد انتشار مقطع مصوّر يُظهر أحد المسلحين في الجيش السوري وهو يمثّل بجثة مقاتلة كردية، ما أثار غضباً كردياً. وعلى إثر ذلك، وجّه بعض أصحاب المقاهي في أربيل إنذاراً إلى العاملين السوريين لديهم، طالبوهم فيه بالبحث عن فرص عمل أخرى.
كما هاجمت جماعة تعرّف نفسها باسم «صقور زاغروس» المحال التجارية، وحدّدوا مُهلاً زمنية لتغيير واجهاتها الإعلانية من اللغة العربية إلى اللغة الكردية، واحتفت عبر صفحاتها على مواقع التواصل بطرد سوريين عرب من الإقليم أو منعهم من التحدث بالعربية، ملوّحين بتهديدات تشمل المقاطعة أو رشّ الواجهات بالصباغ الأزرق.
أجبرت هذه الأحداث رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، على إصدار بيان رسمي في 12 كانون الثاني (يناير) 2026، علّق فيه على أحداث حلب وما تبعها من حملات تحريض ضد السوريين العرب المقيمين في الإقليم. وأكد أن هذه التصرفات «غير لائقة» ولا تنسجم مع قيم شعب كردستان، مشدداً على رفض تحميل أي مكوّن تبعات أفعال أفراد، وداعياً إلى احترام اللاجئين السوريين. كما حثَّ الجهات المعنية على وضع حد للحملات غير القانونية ومنع تكرار مثل هذه السلوكيات، بما يحفظ التعايش السلمي والتنوع القومي الذي يتميز به الإقليم.
يقول عقيل عباس إن الوضع السياسي تغيّر تدريجياً في الأشهر القليلة الماضية، وتحولت سوريا من العداء إلى الصداقة مع العراق، مبيناً أنه لا بدَّ من التمييز بين الحكومة العراقية، سواء الحالية أو السابقة، التي كانت مستثمرة في الصداقة مع سوريا، وبين الإطار التنسيقي وأحزابه والفصائل، التي تنظر إلى سوريا بوصفها عدواً مذهبياً، وتربط الجولاني أو أحمد الشرع بالقاعدة، وتعتبر وجوده في الحكم هيمنةً للتنظيم وأن الهدف التالي هو الشيعة. يعتبر عباس أن الغرض من هذا هو التحشيد المذهبي، والاستفادة منه في حينه في الانتخابات.
يضيف عباس أن هذا الموقف المذهبي بدأ حالياً يتراجع داخل الإطار التنسيقي وداخل الفصائل المسلحة، لكن تراجُعه لم يرقَ إلى القبول بشرعية أحمد الشرع أو التجربة في سوريا، والسبب في رأيه أن هؤلاء لا تزال لديهم علاقة بما يسمى «محور المقاومة»، ويحاولون إيصال مساعدات وأسلحة وغير ذلك عبر سوريا إلى حزب الله في لبنان، أي بمعنى أن هناك اختلافاً في المصالح بين الطرفين. بالمقابل يرى أن الحكومة العراقية تهتم بالمصالح الاقتصادية، وتريد مثلاً أن تمد أنبوب النفط نحو بانياس السورية.
شعبياً يرى عباس أن تجربة إقليم كوردستان مع السوريين جيدة، إذ رُحِّبَ بهم ويعملون هناك، لكن تجربتهم في العراق العربي ليست بالضرورة جيدة، فهم يشتكون من زيادة رسوم التجديد وما إلى ذلك، وهذا يمكن الاشتغال عليه وفق الإجراءات الرسمية برأيه. يقترح عباس على السوريين في محافظات الوسط والجنوب ألا يُظهروا تعاطفهم مع التجربة التي تحصل في سوريا، ومع أنه يرى أن من حقهم من حيث المبدأ أن يتعاطفوا مع زعامة سياسية في بلدهم، إلا أنهم لا يستطيعون عملياً أن يفعلوا ذلك في العراق دون عواقب. يتعلق الأمر في رأيه بالحس الشعبي السلبي تجاه الشرع في المناطق الشيعية، والذي قد ينعكس سلباً على السوريين في حال أبدوا أي تعاطف علني معه.
* * * * *
يقول أبو علي إن تعافيه استغرق شهرين بعد خروجه من السجن، كان خلالهما غير قادر على تحريك قدميه بسهولة رغم المتابعة الطبية. ورغم عودته إلى عمله السابق، واستقبال أصدقائه العراقيين له بفرح، لكنه بات يسمع عبارات مثل «السوريين إرهابيين إنتو جماعة الجولاني» ويتجاوزها: «أنا ما إتعامل وياها لهاي الكلمات، أنا على باب الله بس بدي إشتغل وإصرف على أهلي» يقول للجمهورية.نت. ويختم حديثه بالإشارة إلى الأثر النفسي الذي تركته التجربة، إذ أصبح أكثر حذراً، يتجنب الانخراط في المجموعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يحتفظ بأي صورة تخص الشأن العام في سوريا، وقد صار يشعر بالقلق عند رؤية نقاط التفتيش، فيحاول الابتعاد عنها رغم امتلاكه أوراق لجوء رسمية.
-