ملخص
حين نشر ماركيز نص “حكاية غريق” كان لا يزال صحافياً شاباً بالكاد قبلت صحيفة “الاسبكتادور” أن تعتبره واحداً من مراسليها. وكان ذلك في عام 1955، حين كرس الصحافي الشاب، نحو 120 ساعة من أيامه، لطرح عدد كبير من الأسئلة على بحار كان قد اعتبر وسط دعاية صاخبة في البلاد، ناجياً من الغرق
من بين الكتب العديدة التي تشكل إرث الكاتب الكولومبي الكبير الراحل قبل سنوات، غابريال غارسيا ماركيز، ثمة شوامخ في الفن الروائي وحكايات لا تنسى ونصوص قرئت بدهشة وأحياناً بذهول.
ومن بين عشرات الشخصيات الكبرى التي أبدعها في أدبه، ثمة اليوم تلك التي لا تزال تعيش معنا وربما في حياتنا اليومية تشكل جزءاً منها. فماركيز كان واحداً من كبار مبتدعي الحكايات خلال الربع الأخير من القرن العشرين على الأقل. وكانت رواياته، ولا تزال، من بين أكثر الروايات الحديثة مقروئية، ولا سيما منها أعمال تحمل عناوين “100 عام من العزلة” و” الحب في زمن الكوليرا” و”الجنرال في متاهته” و”خريف البطريرك”.
ومع هذا لو سألت ناقداً كبيراً أو باحثاً مكباً على عمله، عن الكتاب الذي يفضله أكثر من أي كتاب آخر من كتب ماركيز، سيجيبك بالتأكيد أنه كتابه المبكر “حكاية غريق”.
ويقيناً أن أي قارئ عادي من قراء ماركيز سيزم شفتيه أمام مثل هذا الجواب، وقد يتساءل باستغراب: هل لماركيز حقاً رواية تحمل هذا العنوان؟ وهو استغراب محق ومنطقي وليس فقط لأن الكتاب الذي يحمل هذا العنوان يعتبر مبكراً جداً في مسيرة الكاتب، ناهيك بأنه ليس رواية ومعظم قراء ماركيز ينتظرون منه روايات في المقام الأول.
ومن هنا لا يعتبر “حكاية غريق” من كتب هذا المبدع الكبير الرائعة أو المتداولة حتى وإن كان قد ترجم إلى عشرات اللغات، على الأقل منذ اشتهر الكاتب، ثم حين نال جائزة نوبل للآداب. وهو لئن كان قد اقتني في المناسبتين وغيرهما، فإن مشتريه بالكاد قرأوه. معظمهم اقتناه بحكم العادة مقرراً أن يقدم على “اكتشافه” يوماً. ولكن في المقابل يخيل إلينا أن ما من صحافي يحترم نفسه ومهنته في هذا العالم، غض النظر عن قراءة هذا الكتاب. وليس فقط لأن الناقد خوان كروز اعتبره قبل دزينة من السنوات، وفي مقال نشره في صحيفة “الباييس” المرجعية واسعة الانتشار في العالم الناطق بالإسبانية، “درساً حقيقياً في الصحافة”.
ما يقوله ماركيز
حين نشر ماركيز نص “حكاية غريق” كان لا يزال صحافياً شاباً بالكاد قبلت صحيفة “الاسبكتادور” أن تعتبره واحداً من مراسليها. وكان ذلك في عام 1955، حين كرس الصحافي الشاب الذي كانه، نحو 120 ساعة من أيامه، الخاوية من أي عمل على أية حال، لطرح عدد كبير من الأسئلة على بحار كان قد اعتبر وسط دعاية صاخبة في البلاد، ناجياً من الغرق من بين طاقم بحارة مركب تجاري غرق وغرقت معه البضائع التي يحملها بينما تم إنقاذ البحارة والقبطان.
كان البحار الناجي الذي انتشل من المياه يعتبر في حينها دليلاً على أعجوبة دينية ومعجزة إنسانية، ولكن كل ذلك تبدل منذ سجل الصحافي الشاب حكايته بناء على أقواله وربما انطلاقاً من الفخاخ التي نصبها له ماركيز خلال الحديث بينهما، مثبتاً أن كل ما هو متداول من حول المعجزة والأعجوبة وغرق المركب كان مختلقاً باستثناء حكاية غرق المركب طبعاً. لقد غرق المركب بالفعل، كما يعلم الجميع. لكن كل ما قيل وكتب عدا عن ذلك كان كذباً واختراعاً. أما ما فعله ماركيز فإنما كان نسفاً من الأساس للأسطورة كما تمت فبركتها، وكان قلة من المسؤولين الحكوميين والعسكريين، وهم من اخترعوا الحكاية الدعائية، يعرفون الحقيقة. أجل إن ما فعله ماركيز من خلال النص الذي كتبه ونشره، كان نسف الأسطورة من أساسها، مخترعاً لصحافة بلاده دوراً لم يكن لتلك الصحافة عهد به من قبل. ومن هنا العنوان الذي اختاره الصحافي الإسباني كروز لمقالته عن الكتاب نفسه بعد الحادثة بنحو ثلثي قرن: “درس ثمين في الصحافة”.
أصل الحكاية
وتتلخص الحكاية كما استقر أمرها في النهاية على أن مركباً عسكرياً قد أقلع بين مدينة كولومبية وأخرى ثم غرق، وفيما أنقذ البحارة العسكريون وضباطهم أنفسهم، أو أنقذتهم المراكب العسكرية، ضاع واحد من البحارة ليطفو طوال عشرة أيام على طوف وجده صدفة، وبقي عشرة أيام من دون طعام وماء. حتى فوجئ الجميع به في نهاية الأمر يطرق على باب صحيفة “الاسبكتادور” عارضاً أن يروي قصته.
في البداية لم يعبأ جماعة الصحيفة به، لكنهم سرعان ما وجدوا الحكاية طريفة، لا أكثر. ويمكنها أن تكذب الحكاية الأخرى الرسمية التي كانت السلطات العسكرية الدكتاتورية قد نشرتها، جاعلة من ذلك البحار “الناجي” نوعاً من أسطورة تصلح لشتى أنواع البروباغاندا. وهكذا، وربما على سبيل الاستخفاف به وبقيادته، سلموه إلى ذلك الصحافي الناشئ غابريال غارسيا ماركيز الذي جالسه ست ساعات يومياً طوال عشرة أيام أحاطه فيها بكل أنواع الأسئلة وتلاعب به، من دون أن يدرك أحد ذلك أول الأمر، لتكون النتيجة ذلك النص الذي جعل الصحافي فيه البحار يكذب الجزء الأكبر والأكثر ديماغوجية من الحكاية الرسمية. وأهم من ذلك، ينفي أن ثمة عاصفة عاتية هي التي أغرقت السفينة – تبعاً لحكاية القيادة العسكرية المسؤولة عن الحكاية كلها – وذلك بالنظر إلى أن البحار ويدعى لويس أليخاندرو اعترف بنفسه تلقائياً، منذ اليوم الثالث بأن العاصفة لم تكن ما أغرق المركب بل إن الحمل الذي سمحت قيادته بتحميله على متن المركب، كان أزيد كثيراً مما يتحمل فغرق وغرق الحمل معه. وبالتالي تبين وباعترافه أن ممارسة التحميل الزائد كانت شائعة وكثيراً ما تسببت في غرق سفن وقتل جنود بحارة.
بين أيدي المعارضين
الحقيقة أنه كان من سوء حظ السلطات الدكتاتورية أن البحار الأحمق الذي كانت قد جعلت منه بطلاً، اختار التوجه إلى صحيفة “الاسبكتادور” المعارضة من دون أن يكون فاهماً معنى ذلك. وكان الأمر من حظ ماركيز الذي تمسك بالفرصة ليصيغ الحوار كله بصيغة الراوي ملغياً الأسئلة والأجوبة، موحداً الحكاية بحيث أتت في نهاية الأمر مرافعة اتهام ضد السلطات، أولاً بسبب الأخطاء والخطايا التي اعتادت ممارستها في مجال النقل البحري والنهري، ثم بسبب الأسطورة الكاذبة التي حاولت السلطات نفسها خلقها من حول البحار وحكايته.
وهكذا تمكن ماركيز الذي لم يكن قد نشر بعد أياً من رواياته أو كتبه الكبرى، تمكن من خلق أسطورة جديدة، مضادة هذه المرة طبعاً للأسطورة التي حاولت السلطات الحاكمة خلقها. وكان من الطبيعي للقراء، وبخاصة لقراء الصحيفة المعارضة الكبرى “الاسبكتادور” أن يصدقوا الحكاية المضادة التي تروى لهم الآن بقلم كاتب أتته فرصة لم يكن ينتظرها فاستغلها ببراعة مطلقة، ليقدم لعالم الصحافة هذا الدرس في كيفية تحويل كذبة مؤسساتية إلى قضية في منتهى الخطورة. درساً سيقول كثر عنه أن مادته إنما تعتبر الخالق الحقيقي لأعظم درس صحافي في القرن العشرين. وهو التوصيف نفسه تقريباً الذي سوف يعطى لاحقاً لمعظم إصدارات غابريال غارسيا ماركيز سواء في المجال الروائي، أو في مجال الكتابات غير الروائية التي سيتبدى الكاتب بارعاً فيها براعته في الكتابات الروائية بالطبع.
