ملخص
تدخل بريطانيا مرحلة مناخية أكثر خطورة مع تكرار موجات الحر واتساع الحرائق وتراجع المحاصيل، بما يهدد الأمن الغذائي ويحول تغير المناخ من قضية بيئية إلى مسألة أمن واستقرار وطني. ويطرح تصاعد الأخطار الحاجة إلى خطة عملية تشمل تعزيز قدرات الإطفاء والإنقاذ وإنشاء خدمة وطنية تطوعية، في ظل محدودية الموارد الحكومية واحتمال تكرار الأزمات المناخية بوتيرة أشد.
نحن مقبلون الآن على موجة الحر الخامسة هذا الصيف. وكما كان خبراء الأرصاد يقولون في العبارة المبتذلة القديمة التي اشتهرت بها صحف التابلويد، فإن “المزيد آت”، وتحديداً أزمة ممتدة في إنتاج الغذاء وإمداداته، تفاقمها الحرائق المنتشرة في المناطق الطبيعية في بريطانيا.
وقال الرئيس الجديد للاتحاد الوطني للمزارعين، توم برادشو، لـ”هيئة الإذاعة البريطانية” (بي بي سي)، هذا الأسبوع: “نتوقع أن ترتفع درجات الحرارة العالمية درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية بحلول عام 2050”. لكن في ضوء المؤشرات على تسارع الاحترار العالمي، من القارة القطبية الجنوبية إلى الأنهار الجليدية العالية في آسيا والقطب الشمالي، يبدو برادشو مفرطاً جداً في التفاؤل.
تنذر الحرائق والأراضي المحروقة في الحقول بأننا على أعتاب أزمة جديدة. أتذكرون أزمة الائتمان عام 2007؟ ما نواجهه اليوم هو “أزمة المناخ”. وعلى كل من يستطيع الإسهام في مواجهتها أن يتحرك، من الحكومة إلى المختصين والمتطوعين. لم يعد يكفي الحديث عن “حوار وطني”، ذلك التعبير الأثير لدى السياسيين والمسؤولين حين يحل الكلام محل التفكير. ما نحتاج إليه الآن هو خطة عمل.
من سيتولى مكافحة الحرائق في بريطانيا؟ يكشف تقرير داخلي صادر عن “فرقة إطفاء لندن”، أوردته صحيفة “الغارديان” هذا الأسبوع، حجم المشكلة؛ إذ تواجه الفرقة ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع الطلب على عمليات إطفاء الحرائق والتعامل مع حالات الطوارئ داخل العاصمة هذا الصيف، إلى جانب الزيادة الحادة في طلبات مساعدة فرق الإطفاء في مناطق أخرى. وبين الأول من أبريل (نيسان) والتاسع من يوليو (تموز)، تلقت فرقة إطفاء لندن 75 ألفاً و652 اتصالاً طارئاً، وسجلت 42 ألفاً و943 حادثاً، وتعاملت مع 392 حريقاً في المناطق الطبيعية و68 حالة طوارئ مرتبطة بالمياه، بزيادة تقارب الثلث مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وللمساعدة في مواجهة حالات الطوارئ القصوى والكوارث، يمكننا إنشاء قوة وطنية من المتطوعين، ربما على غرار المؤسسة الملكية الوطنية لقوارب النجاة، وهي هيئة تطوعية بريطانية تتولى عمليات الإنقاذ في البحر. وليس الأمر أننا نفتقر تماماً إلى مثل هذه الخدمات، بل إن المشكلة أن لدينا خليطاً غير متجانس من الهيئات العامة والخاصة، تعمل من خلال منتديات محلية لتعزيز القدرة على التكيف ومواجهة الأزمات، جرى تدعيمها في أعقاب جائحة “كوفيد”، إلى جانب خدمات تطوعية تنظمها جهات مثل الصليب الأحمر البريطاني أو منظمة “أوكسفام”. لكن هذه الجهات كثيراً ما تتنافس بضراوة على التمويل، ولا ترحب بانضمام منظمات جديدة إلى المجال، كما تضطر إلى منافسة بعضها بعضاً للفوز بالعقود الحكومية.
ويتبع حلفاؤنا المقربون، ولا سيما البلدان الواقعة الآن في قبضة حرائق غابات خارجة عن السيطرة، نهجاً مختلفاً وأكثر حزماً في تعزيز القدرة الوطنية على مواجهة الأزمات وتقديم الدعم عند وقوع حالات الطوارئ. فعندما هددت الحرائق بمحاصرة بوردو، قرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “استدعاء الجيش الفرنسي”، إلى جانب قوات الدرك. ولدى إيطاليا أيضاً سلاح “الكارابينييري”، وهو قوة الدرك الوطني الإيطالية التي بات تعدادها أكبر من تعداد الجيش البريطاني. وبما أن إيطاليا تقع في منطقة نشطة زلزالياً، و80 في المئة من شبه الجزيرة معرضة للزلازل، فلديها جهاز متكامل للحماية المدنية، فضلاً عن لواء تابع للصليب الأحمر وملحق بالقوات المسلحة.
أما الحكومة البريطانية، فلم يعد لديها جيش كبير يمكنها استدعاؤه لمكافحة الحرائق، حتى لو رغبت في ذلك. وعندما طُلب إلى سلاح الجو الملكي الشهر الماضي إرسال مروحيات لإخماد حرائق الغابات في منطقة كيرنغورمز في اسكتلندا، كانت مروحيات “شينوك” الأنسب لهذه المهمة منشغلة بتنفيذ مهمات في قبرص.
وفي اسكتلندا، تعالت دعوات إلى الاستعانة بالسجناء المصنفين ضمن الفئات المنخفضة الخطورة لمكافحة حرائق الغابات في البلاد، على غرار مشاركة نحو ألف رجل وامرأة من نزلاء السجون، في العام الماضي، في الخطوط الأمامية لمواجهة حرائق قياسية اجتاحت لوس أنجليس وجنوب كاليفورنيا.
لقد أصبحت أزمة المناخ الآن مسألة أمن واستقرار في الداخل، كما باتت سبباً في الاضطرابات والتهديدات الآتية من الخارج. وهي قضية دفاعية بصورة مباشرة وغير مباشرة. ومع ذلك، لم يرد ذكر تغير المناخ في “المراجعة الاستراتيجية للدفاع” لعام 2025، وهي الوثيقة التي تحدد توجهات بريطانيا وأولوياتها الدفاعية، سوى ثلاث مرات، واقتصر تناوله فيها على أنه أمر بعيد لا يكاد يمس شؤون الدفاع والقوات المسلحة.
أما الحل الأنسب، وإن كان الأصعب في التنفيذ، فهو إنشاء خدمة وطنية تطوعية للإطفاء والإنقاذ وتقديم الدعم. ويمكن أن تكون على شكل برنامج يلتحق به خريجو المدارس أو الجامعات لنحو عام، يتلقون خلاله التدريب ويشاركون عملياً في أعمال الخدمة العامة وعمليات الإنقاذ داخل البلاد وخارجها. وسيحتاج مثل هذا البرنامج إلى رعاية وتمويل، وإلى دعم حكومي واضح يساعد أيضاً في الحد من اعتراضات المشككين.
نشأت في مزرعة مساحتها 200 فدان في جنوب سومرست، تتنوع أنشطتها بين زراعة المحاصيل والحبوب وإنتاج الألبان وتربية أبقار اللحم. وحقق والدي، الذي تمتع بموهبة استثنائية في الزراعة من دون أن يتباهى بها، دخلاً جيداً جداً لنفسه ولإخوتي الثلاثة. أما اليوم، فتواجه المزرعة خطر التحول إلى صحراء، فمحاصيلها شحيحة، وتتضاءل فرص زراعة أي شيء ذي قيمة فيها العام المقبل. ويواجه نصف مزارع إنجلترا المصير نفسه، إذ يتهددها التحول إلى مجرد تراب.
ذلك مستقبل محتمل. لقد ظل الأمن الغذائي أحد الأهداف الأساسية للسياسة الدفاعية منذ أن وصل يوليوس قيصر إلى بريطانيا عام 55 قبل الميلاد، بل ربما قبل ذلك. ومع أنه يكاد لا يُذكر في سيل الأوراق الصادرة عن دوائر الحكومة البريطانية ومراكز الفكر التي تدور في فلكها في مجالات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية، فإن أزمة المناخ تفرض علينا جميعاً أن نفعل شيئاً لتعزيز قدرتنا على التكيف ومواجهة الأزمات. وبقليل من الحظ والابتكار والشجاعة والدهاء، ينبغي أن نكون قادرين على ذلك، شرط ألا تقف السياسة والسياسيون في طريقنا. فهم، في نهاية المطاف، لا يروق لهم أن يُواجَهوا بحزم.
© The Independent
