ترامب يصعد إلى الطائرة الرئاسية مغادراً أنقرة (8/7/2026 الأناضول)
جيرار ديب.العربي الجديد
كشفت تقارير استخبارية نُشرت في أغسطس/ آب الجاري تنفيذ الخدمة السرّية الأميركية عملية تمويه في الثامن من الشهر الماضي (يوليو/ تمّوز) لإخراج الرئيس الأميركي دونالد ترامب سرّاً من أنقرة، عقب تحذيرات إسرائيلية من مخطّط إيراني لاغتياله بصاروخ محمول على الكتف. فصعد ترامب أمام الكاميرات إلى طائرة الرئاسة الرسمية (إير فورس ون) لتضليل المراقبين، في حين نُقل الرئيس ومساعدوه سرّاً عبر شاحنة تموين إلى طائرة عسكرية بديلة أصغر من طراز “C -32A”.
على الرغم من التشكيك التركي والصحافة الأميركية في الحادثة، وعلى الرغم من النفي الإيراني لهذه الرواية، إلّا أنّ الأكيد أنّ إيران في وارد الإقدام على اغتيال ترامب. قد لا يكون هذا من خلال التصفية الجسدية للرجل، بل قد تعمد إلى تصفيته سياسياً. فهل من فرصة جدّية أمام طهران للإقدام على ذلك؟
تعمل إيران منذ بدء الهجوم المزدوج الأميركي – الإسرائيلي عليها في إدارة الصراع مع الولايات المتحدة، بعد فشل المفاوضات بينهما مرّاتٍ. هذا ما حمل النظام في إيران على لعب أوراقه كافّة لإرهاق العدوّ وتشتيت أهدافه التي أعلنها مع أولى ضرباته في يونيو/ حزيران 2025، وهي منع إيران من الوصول إلى صناعة القنبلة النووية. فتحت طهران حرباً شاملةً، من خلال إطلاقها الصواريخ الباليستية والمسيّرات، وصولاً إلى استخدام أذرعها في المنطقة، مروراً بإغلاق مضيق هرمز الذي شكّل العقدة الرئيسية أمام إدارة ترامب بسبب عدم المقدرة على فتحه أمام حركة الملاحة بالقوّة العسكرية.
ليس تفصيلاً إغلاق إيران للمضيق، وهو الذي يشهد نقل نحو 20% من إمدادات الطاقة إلى السوق العالمي، إذ أدّى إلى رفع أسعار النفط وإلى استنزاف سريع للاحتياطي النفطي للولايات المتحدة. تأثير مباشر تتعمد إيران إطالة أمده، لاستهداف الرأي العام والناخب الأميركي في ظلّ انتخابات نصفية مزمع إجراؤها في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. إذ أفاد تقرير صادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) التابعة لوزارة الطاقة، في يونيو الماضي، بأنّ الإغلاق أدّى إلى ارتفاع أسعار الوقود بنحو 2.98 دولار، أي أعلى بنحو دولار من توقّعاتها السابقة.
لا يعتمد النظام الإيراني في صراعه مع واشنطن على مضيق هرمز، بل يعمد إلى تشظية الصراع من خلال إصداره الأوامر إلى جماعة الحوثي في اليمن لاستهداف منشآت نفطية حيوية لشركة أرامكو السعودية، كما يحصل في محافظة مأرب ومحيطها، بالإضافة إلى مدينة وميناء المخا الاستراتيجيَّين في الساحل الغربي لليمن، إضافة إلى إعلانه فرض حظر على مرور السفن السعودية عبر باب المندب.
يهدف الضغط الإيراني على المملكة عبر جماعة الحوثي إلى إلغاء اتفاقية كوينسي مع واشنطن، الموقّعة في عام 1945، التي أصبحت معها السعودية الحليف الاستراتيجي لواشنطن في المنطقة. هذه الضربات المتكرّرة دفعت الرياض إلى تنويع اتفاقات الشراكة الدفاعية، وألّا تكون حصرية بواشنطن. ولهذا كانت اتفاقية مكّة للدفاع المشترك مع الجانبَين التركي والباكستاني.
إسقاط أوراق واشنطن في المنطقة من خلال اعتماد إيران على وكلائها وضع رؤية ترامب لفرض السلام في المنطقة أمام تعقيدات أكثر. فما أقرّ به رئيس مجلس الشورى الإيراني محمّد باقر قاليباف يصبّ في هذا الإطار، وهو الذي أكّد، السبت الماضي، استمرار تواصله مع مقاتلي “الصفوف الأمامية” في لبنان، في وقت تسعى فيه الحكومة اللبنانية إلى تعزيز سيادة الدولة وحصر قرار السلم والحرب والسلاح بيد مؤسّساتها.
جاءت تأكيدات قاليباف بالتزامن مع تطوّرات الميدان في جنوبي لبنان، وموجة من الضربات الإسرائيلية على أنصار ودير الزهراني، وأدّت، بحسب ما أعلنته وزارة الصحّة، إلى استشهاد 11 شخصاً وجرح نحو 19. ويُعتبر هذا التصعيد الأوّل من نوعه بعد وقت على وقف الأعمال العدائية الإسرائيلية على لبنان بقرار أميركي واضح، لإفساح المجال لإنجاح اتفاق الإطار الذي ينتظر تحديد جولته الثامنة المتوقّعة في سبتمبر/ أيلول المقبل.
بات من الواضح الاختلاف في النظرة إلى الحرب الدائرة في المنطقة، بين الجانب الأميركي الذي يذهب نحو فرض التهدئة، تحديداً في الجبهة اللبنانية، والجانب الإيراني الذي يعمد إلى توتير الجبهة من أجل عرقلة الجهود الأميركية في الساحة اللبنانية، إذ تجد إيران أنّها الفرصة المناسبة لتحريك الجبهات التي من شأنها دفع الأميركي إلى طاولة المفاوضات على قاعدة الاعتراف بخسارة أميركا حربها مع إيران.
قد تستمرّ حرب واشنطن على إيران طالما امتلك ترامب زمام القرار والمبادرة، متسلّحاً بدعم جمهوري وديمقراطي في الكونغرس. وعلى ما يبدو، فإنّ التهديد الإيراني باغتيال ترامب يبدأ من الكونغرس من خلال تجريد قراراته التنفيذية من الغطاء الدستوري والتشريعي. فهل تنجح أوراق إيران في اغتيال ترامب سياسياً بعدما نجحت أوراق غزّة في ليّ ذراعه من خلال المفاجأة التي تمثّلت في فوز النائبة الديمقراطية إلهان عمر الساحق في الانتخابات التمهيدية، في الدائرة الخامسة بولاية مينيسوتا الأميركية، محقّقةً أكثر من 80% من أصوات الناخبين؟
