هناك متغيّرات حادّة في تكتيك الطرفين الإيرانيّ والأميركيّ، بالغة الخطورة، بحيث يمكن أن تنفلت تماماً فتنزلق إلى الانفجار وتصل إلى حالة اللاعودة في المفاوضات.
هذه المتغيّرات هي:
– أوّلاً من الطرف الإيرانيّ:
1- قرار القيادة الإيرانيّة، وتحديداً الحرس الثوريّ، عدم منح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب “جائزة الاتّفاق الدبلوماسيّ” التي يريدها حتّى تدعمه وتدعم حزبه في الانتخابات النصفية لمجلسي الشيوخ والنواب التي ستحصل في تشرين الثاني.
2- إصرار إيران على الحصول مقدّماً ونقداً على الوعود الماليّة التي جاءت في اتّفاق النيّات المبرم مع واشنطن. وتؤكّد مصادر مطّلعة على موقف إيران أنّ القيادة الإيرانيّة فقدت الثقة تماماً بـ”الوعود الكاذبة والمخادعة” التي ينتهجها الرئيس ترامب الذي يتقلّب في سياساته تقلّبات حادة وجذرية.
شروط طهران
بناء على ما سبق، أبلغت طهران الوسيط العُمانيّ بالآتي:
1- تريد دفعات نقديّة قبل التفاوض وليس بعده حتّى تستأنف العودة إلى الحوار.
2- تريد إدارة مضيق هرمز بالكامل، وتحديد مسارات العبور فيه وفرض رسوم خدمات لتعويض الآثار السلبيّة على الاقتصاد الإيرانيّ بسبب العقوبات الأميركيّة.
3- أكّدت طهران أنّ حلفاءها في اليمن والعراق ولبنان لن يهدأوا ما دامت الولايات المتّحدة وإسرائيل تمارسان “سياسات عدوانيّة على جمهوريّة إيران الإسلاميّة”.
– ثانياً من الطّرف الأميركيّ:
1- فقدان ترامب ثقته بقرار القيادة في طهران ودخوله مرحلة “اليأس” من إنجاز أيّ نتائج إيجابية من هذا الحوار.
2- إصرار ترامب على الردّ بعنف على طهران من خلال حصار مضيق هرمز وتشديد العقوبات الماليّة عليها.
3- يتردّد ترامب في السماح المؤقّت لخطّة هيئة الأركان الإسرائيلية التي يزكّيها نتنياهو وتقوم على توجيه ضربات موجعة وعمليّة نوعية ضدّ طهران من أجل دعم موقفه الانتخابيّ عشيّة انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأوّل المقبل.
4- إعادة ترتيب الأولويّات الاستراتيجيّة في الشرق الأوسط وعودة ملفّ مجلس السلام في غزّة إلى الصدارة بدلاً من ملفّ المفاوضات المتعثّرة مع إيران.
5- التشجيع الأميركيّ لمشروع التحالف الاستراتيجيّ بين المملكة السعوديّة وتركيا وباكستان للعب دور في أيّ تدخّل أمنيّ برّيّ تحتاج إليه المنطقة بعدما نصحت قيادة الأركان الأميركيّة بتجنّب تدخّل قوّاتها في المنطقة، ومن أجل عدم إغضاب حركة “ماغا” الرافضة لمثل هذا التدخّل.
ثلاثة أهداف متناقضة
ماذا يعني ذلك؟
يبدو للوهلة الأولى أنّ طهران هي الطرف المحرّك لإيقاع السياسات في المنطقة، فتتصرّف باعتبارها الطرف الذي حقّق مكاسب عسكريّة في المواجهات السابقة، على عكس ما تقوله وتؤكّده الإحصاءات المحايدة عن خسائرها. ويمكن رصد الآتي:
– طهران تريد إسقاط حزب ترامب وتكبيده ثمن خسائرها، وأهمّها خسارة المرشد الأعلى.
– واشنطن تريد إعلان اتّفاق مع إيران يدعم ترامب وحزبه في انتخابات التجديد للكونغرس.
– تل أبيب تريد عملاً عسكريّاً ضدّ طهران يدعم الائتلاف الحاكم الحاليّ في انتخابات الكنيست، ويثبت للرأي العامّ المتشدّد أنّ نتنياهو لا ينصاع لأحد حتّى لو كان ترامب.
ثلاثة استطلاعات مؤلمة في واشنطن وطهران وتل أبيب:
1- في واشنطن يقول استطلاع أجري مؤخراً إنّ 70% من الأميركيّين غير راضين عن أداء ترامب وإنّ 57% منهم يرون أنّ الأسعار في عهده أصبحت لا تحتمل.
2- في تل أبيب قلق من نموّ التأييد الشعبيّ للجنرال غادي آيزنكوت وتيّاره الذي يهدّد بقوّة الكتلة الناخبة لحزب الليكود.
3- في طهران، تجاوزت أرقام فقدان العملة الإيرانيّة الـ80% من قيمتها بسبب العقوبات وارتفاع التضخم والبطالة بين الشباب، وهذا يسبّب قلقاً لدى الرئيس مسعود بزشكيان. بالمقابل، قد لا يأبه الحرس الثوريّ الراغب في التصعيد بخطورة هذه الأرقام، ويقوم بعرض جائزة ماليّة بقيمة 30 ألف دولار لكلّ من يقتل أو يأسر جنديّاً أميركيّاً.
خلاصة هذا كلّه، إن المنطقة أمام رصاصة في قلب مشروع التفاوض لعودة التفاوض والحقوق. كلّ الخوف أن تنزلق الأمور إلى حرب إقليميّة خارجة عن السيطرة.
