ملخص
ثمة كتب تروي زمناً مضى، وكتب تجعل الزمن نفسه يعود إلينا في هيئة أصوات وصور وروائح وملامح. وكتاب خالد زيادة الجديد “عقد الستينيات الفريد” (دار رياض الريس 2026)، ينتمي بالتأكيد إلى النوع الثاني.
حين نفتح كتاب “عقد الستينيات الفريد” لا ندخل إلى عقد من القرن الـ20 من بوابة المؤرخ وحده، ولا نرافق صاحب الكتاب في رحلة ذكريات شخصية خالصة. نحن أمام نص تتداخل فيه حياة رجل آخذة بالتشكل مع حياة مدينتين، وحياة جيل، وحركة عالم كان يعيد ترتيب نفسه بسرعة تكاد تفوق قدرة الذاكرة على اللحاق به.
يأتي الكتاب امتداداً طبيعياً لمسار طويل في كتابة خالد زيادة، لا سيما اهتمامه بتاريخ المدن والحياة الاجتماعية والثقافية وتحولات العالم العربي. لكن الجديد هنا هو زاوية النظر. فالكاتب لا يعود إلى الماضي من موقع الباحث الذي يقف خارجه، وإنما يعود إليه من داخله، من عين الصبي الذي كان يرى الأشياء للمرة الأولى، ثم من وعي الشاب الذي بدأ يكتشف أن العالم الذي يحيط به ليس قدراً ثابتاً. هكذا تصبح السنوات موضوعاً للبحث ومرحلة من العمر في الوقت عينه.
ولعل أجمل ما في هذا الكتاب أن القارئ لا يستطيع أن يمنحه صفة واحدة. فهو كتاب سيرة وذكريات، لأن خالد زيادة يستعيد فيه طفولته وعائلته وبيته ومدرسته وأصدقاءه وخطواته الأولى على درب السياسة والنشاط الحزبي، فضلاً عن أشياء صغيرة علقت في ذاكرته. وهو كتاب تاريخ، لأن هذه الذكريات لم تبق محصورة في حدود حياته الفردية. لأنه ما إن يستعيد مشهداً عائلياً حتى تنفتح خلفه صورة مدينة وبلد، وما إن يتذكر حادثة مدرسية حتى يظهر عالم كامل كان يتشكل خارج جدران المدرسة. وهو كتاب مكان أيضاً، لأن طرابلس، مسقط رأس الكاتب، ليست خلفية للأحداث، لعلها تكاد تكون شخصية قائمة بذاتها، تتحرك وتتغير وتفقد شيئاً من ملامح طرقها ومساجدها وأزقتها وأسواقها وباعتها ومقاهيها وساحاتها وعمارتها العتيقة كلما تقدمت الأبنية الجديدة نحوها.
العين البشرية
هنا تكمن بعض فرادة الكتاب. فالمكان لا يرى من عل، كما ترى المدن في الخرائط، وإنما من مستوى العين البشرية. الشوارع التي يسلكها الفتى والأسواق والحارات والزواريب والنهر والبساتين والمقاهي والمدارس والبيوت والواجهات والحرف القديمة، تتحول كلها إلى صفحات من ذاكرة مدينة تتبدل أمام أعين ساكنيها. وما يضيع في التحول العمراني ليس حجراً فقط، ولو كان أفصح من الطبيعة، وإنما طريقة في العيش، وإيقاع في العلاقات، وأشكال من الألفة كانت تجعل المدينة قابلة لأن تحفظ في القلب.
من هنا يمكن فهم طرابلس في الكتاب باعتبارها أكثر من مسقط رأس. إنها المختبر الأول الذي تعلم فيه الكاتب معنى التحول. فالطفل الذي يراقب مدينته لا يعرف بعد لغة المؤرخ، لكن عينيه تلتقطان ما قد يغيب عن الوثائق: اختفاء معلم وتبدل شارع وتغير وظيفة سوق وانتقال الناس من نمط سكن إلى آخر ووصول عادات جديدة وانحسار أخرى. وفي هذه التفاصيل اليومية الصغيرة يظهر تاريخ أعمق من تاريخ الأحداث الكبرى، لأن التاريخ لا يسكن القصور ومكاتب الحكام وحدها، بل يترك أثره في البيت، وفي المدرسة، وفي المقهى، وفي الطريقة التي ينظر بها الناس إلى مستقبلهم.
ثم تأتي بيروت في الطرف الآخر من المشهد. فإذا كانت طرابلس تمنح الكتاب ذاكرة المكان الأول، فإن بيروت الحداثة تفتح أمام الفتى نافذة على اتساع العالم وأفكاره الوافدة من كل حدب وصوب. المدينة هنا فضاء للكتب والصحف والمسرح والسينما والنقاشات الفكرية والسياسية، وممراً يعبر منه الجديد إلى الحياة العربية. وفيها يبدو العالم أقل بعداً، لأن الأفكار والصور والأصوات تصل بسرعة أكبر. لذلك تصبح الرحلة من طرابلس إلى بيروت رحلة جغرافية في ظاهرها، بينما هي في العمق انتقال من عالم مألوف إلى عالم يتسع كل يوم.
الصورة والصوت
وتزداد أهمية هذا الجانب حين نتذكر أن الستينيات كانت زمناً تغيرت فيه علاقة الإنسان بالصورة والصوت. التلفزيون أخذ يدخل البيوت، ولو تأخر حضوره في بيت الكاتب بسبب اهتمام العائلة بالدراسة، والسينما صارت نافذة على تجارب بشرية بعيدة، والموسيقى راحت تتجاوز الحدود، فيما كانت الصحف والكتب التي كان أشقاؤه، طارق ومعن ومحمود، يأتون بها إلى البيت تنقل إلى الشاب أخبار الحروب والثورات والاحتجاجات في لحظة وقوعها. وفي الكتاب حضور لافت للسينما بوصفها تجربة غيرت نظرة جيل كامل إلى الحياة. اكتشاف الأفلام العالمية من إيطالية وأميركية إلى أفلام “الموجة الجديدة” الفرنسية لم يكن ترفيهاً عابراً؛ لقد كان اكتشافاً لاختلاف البشر، ولإمكان أن تكون للعالم وجوه كثيرة لا تختصرها البيئة التي ولد المرء فيها.
ومن هذه النافذة الفنية يدخل التاريخ السياسي إلى الكتاب من طريق غير مباشر. فعبدالناصر، وفؤاد شهاب، والحبيب بورقيبة، والحركات القومية والبعثية، واليسار، وفلسطين، وحرب 1967، ليست فصولاً منفصلة عن سيرة المؤلف؛ إنها القوى التي أخذت تتسلل إلى وعي فتى ينمو في مدينة على المتوسط، وفي بلد صغير محاط بعالم مضطرب بدأ مع اغتيال كنيدي، وتواصل مع حرب فيتنام، وصراع الأيديولوجيات، ثم الحرب الباردة، والانتفاضة الطلابية والعمالية التي عصفت بفرنسا في مايو (أيار) عام 1968، وحركات التحرر، والانقلابات العسكرية في اليمن والعراق وسوريا، والأحداث الكبرى التي دارت في كل أنحاء العالم العربي والغربي، إلخ.
صورة الزعيم المعلقة على جدار البيت، والنقاشات السياسية التي تدور بين الإخوة الكبار، والحماس الذي يملأ نفوس الشباب، ثم الصدمة التي أحدثتها هزيمة 1967، كل ذلك يكشف كيف تدخل السياسة إلى الحياة الخاصة من دون استئذان. والأهم أن خالد زيادة لا يقدم نفسه في صورة البطل الذي عرف الحقيقة منذ البداية. فالزمن هنا يعيد صاحبه إلى أخطائه وأوهامه وأسئلته القديمة. ولهذا يكتسب الكتاب صدقه من مسافة السنين. فالشاب الذي انفتح على اليسار منذ أواخر الدراسة التكميلية لم يعد هو الرجل الذي يروي تجربته اليوم.
بين الإثنين عقود من القراءة والتأمل والعمل والسفر والبحث والمواجهة لاكتناه الحقيقة. لذلك تتحول السيرة إلى حوار بين ذاتين: ذات عاشت الأحداث بحرارة اللحظة، وذات تنظر إليها الآن ببرودة المعرفة. ولعل هذا الحوار هو الذي يمنح الكتاب بعده الفكري. فالمؤلف يعود إلى تجربته السياسية من دون رغبة في تلميعها. يتساءل عن المسافة التي كانت تفصل المظاهرات والشعارات عن حياة الناس، وعن عجز الأحزاب عن تحويل الأفكار إلى برامج تمس البطالة والهجرة وتفكك الأسرة وسائر الجراح اليومية. وحين يروي اختياره الرسم والألوان ثم الكتاب بدل السلاح الذي، وفق ما يقول، ليس مهنته، يبدو الأمر أكثر من واقعة في سيرة شاب؛ إنه إعلان مبكر عن الإيمان بقوة المعرفة في مواجهة إغراء العنف.
ولئن كان قد اختار أن يضع السلاح جانباً، فإنه اختار في المقابل أن يجعل من الكتاب والقراءة والفكر أدواته في الفعل، مقترباً بذلك من صورة “المثقف العضوي” الذي يسعى إلى التأثير في العالم بالكلمة والمعرفة.
لكن الكتاب لا يجعل السياسة تبتلع الإنسان. ثمة لحظات رقيقة تتسلل من بين الصفحات، إشارات إلى المراهقة، وإلى الارتباك العاطفي، وإلى أسماء نسائية تظهر كرسائل بعيدة أو احتمالات لم تكتمل. وهي لحظات ذات دلالة خاصة، لأنها تكشف ما لا تقوله السيرة السياسية عادة: أن الشاب الذي كان يقرأ العالم من خلال الأفكار كان يعيش في الوقت نفسه هشاشة العمر الأول، وأن التاريخ الكبير كان يجري فوق أرض إنسانية شديدة الخصوصية.
تداخل الأجناس الأدبية
في هذا الموضع تحديداً تتضح طبيعة الكتاب الواقع على تقاطع الأجناس الأدبية. فهو لا يعتمد الحكاية المتخيلة، ولا يحتاج إلى اختراع الشخصيات؛ الواقع نفسه يمنحه مادة سردية غنية. مشهد عائلي صغير يمكن أن يحمل دلالة اجتماعية. ذكرى من المدرسة الابتدائية والتكميلية والثانوية قد تفتح باباً على الثقافة. فيلم قديم قد يقود إلى سؤال سياسي. صورة معلقة على حائط قد تختزن تحولات جيل بأكمله. كتاب وأفكار وفلسفات قد تركت أثرها في العالم. والمدينة التي تتغير أمام العين تصبح استعارة للزمن الذي يبدل الناس من الداخل.
كذلك لا يكتفي الكتاب بالنظر إلى لبنان من داخل حدوده. الستينيات فيه زمن عربي وعالمي متشابك: الناصرية في صعودها ثم انكسارها، والشهابية ومشاريع بناء الدولة، والحركات القومية واليسارية، والقضية الفلسطينية، ومنظمات التحرير، والحرب الباردة، والاحتجاجات الطلابية، والتحولات الفنية، وسباق الفضاء، والثورات التي هزت عواصم بعيدة. غير أن كل هذه الأحداث لا تظهر في صورة سجل موسوعي؛ قيمتها تأتي من الطريقة التي تصل بها إلى وعي إنسان يعيش في طرابلس أو بيروت. العالم الكبير يدخل البيت من الراديو والشاشة والصحيفة والكتاب، ثم يتحول داخل النفس إلى خوف أو حماسة أو سؤال.هنا يصبح عنوان الكتاب أكثر من تسمية زمنية. فـ”عقد الستينيات الفريد” يستدعي، على نحو موحٍ، عنوان كتاب ابن عبدربه الأندلسي “العقد الفريد”. فإذا كان عقد ابن عبدربه قد جمع في حباته خلاصة المعارف والأخبار والأشعار التي صاغت صورة الثقافة العربية في عصره، فإن “عقد الستينيات الفريد” يجمع في حبات عقده الخاص شذرات زمن كامل، وجوهه وأفكاره وأحلامه ومدنه وتحولاته، حتى تغدو السنوات الـ10 كأنها عقد من الذكريات والتجارب المنظومة في سلك واحد، علماً أن الفرادة التي ينسبها خالد زيادة إلى ذاك العقد لا تعني أن الماضي كان أجمل على نحو مطلق. إنها تشير إلى كثافة التجربة: عالم قديم لم يختفِ دفعة واحدة، وعالم جديد كان يطرق الأبواب بإلحاح. وفي المسافة الفاصلة بينهما نشأ جيل كامل، يحمل في ذاكرته صوراً متعارضة عن الحي القديم والعمارة الحديثة والراديو والتلفزيون والكتاب والشعار والحلم السياسي والخيبة والانتماء المحلي والانفتاح على العالم.
لذا تبدو كتابة خالد زيادة في هذا العمل أشبه بعملية إنصات طويلة. إنه يصغي إلى نفسه حين كان فتى، وإلى مدينة كانت تتغير، وإلى جيل آمن بأفكار كثيرة، قومية وشيوعية وبعثية أو سواها، ثم اضطر إلى إعادة النظر فيها. لا يطلب من القارئ أن يعيش الماضي كما عاشه هو، وإنما يمنحه مفاتيح الدخول إلى ذلك الزمن عبر التفاصيل. وهذه هي قوة الأدب حين يلامس التاريخ. فهو لا يعيد إلينا ما حدث فحسب، وإنما يعيد إلينا الإحساس الذي كان يحيط بما حدث.
ولا بد في هذا السياق من الإشارة إلى السخرية الرقيقة والذكية التي لا تنفصل عن حس المؤلف النقدي، والتي تمنح السرد خفة محببة، وتتيح له أن ينظر إلى بعض أوهام الماضي وشعاراته وتناقضاته بعين تجمع بين الدعابة والمسافة النقدية.
“عقد الستينيات الفريد” كتاب عن الزمن حين يتحول إلى ذاكرة، وعن الذاكرة حين تصبح معرفة. إنه سيرة رجل تتسع حتى تشمل مدينة، وصورة مدينة تنفتح على بلد يطل من خلاله على عالم عربي كان يبحث عن صورته، وعالم كامل يصل إلى غرفة فتى عبر شاشة أو أغنية أو كتاب.
في هذا التداخل تكمن قيمة العمل، لا توجد فيه جدران صلبة تفصل الخاص عن العام، ولا حدود نهائية تفصل الحكاية عن التاريخ أو المكان عن الإنسان.
وحين نغلق الكتاب، لا يبقى في الذهن تسلسل السنوات وحده. تبقى طرابلس التي كانت تتبدل، وبيروت التي كانت تجذب إليها الأسئلة والأحلام، ووجه جيل وقف طويلاً أمام مستقبل بدا قريباً ثم ابتعد. تبقى صورة رجل يعود إلى بداياته لا ليستعيدها كما كانت، وإنما ليفهم كيف صنعت تلك البدايات جزءاً من الشخص الذي صاره. وربما هنا تحديداً تكمن أجمل مفارقات الكتاب: إن الماضي لا يعود حين نكتب عنه؛ نحن الذين نعود إليه، وقد تغيرنا بما يكفي لكي نراه للمرة الأولى.
