منذ انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يصر “حزب الله” على تسمية حكومة نواف سلام “السلطة”، وهذا يستحق أن نتوقف عنده.
نذكر بأن الحزب نفسه تباهى بـ”احترام الدولة” حين زار سلام نفسه الجنوب في أوائل شباط الماضي، وهو يعود اليوم إلى الفصل بين “دولة” و”سلطة” عندما تتخذ المؤسسات قراراً لا يلائمه. أحد نواب الحزب قالها بوضوح: “نفرق دائماً بين الدولة والسلطة”. هذه ليست فلسفة دستورية بقدر ما هي هندسة سياسية للشرعية: الدولة مقبولة حين تتسع لخيار الحزب، وهي “سلطة” حين تحاول استعادة قرار الحرب والسلم.
الأخطر أن قاموس التحقير لا يتوقف عند الاسم. ونائب آخر للحزب تحدث عن “سقطة للسلطة من شاهق” متهماً مسارها بالتفريط بسيادة لبنان. وذهب قيادي في الحزب أبعد من ذلك، حين استحضر “حكومة فيشي” ليتحدث عن خيانتها وعن مواجهة مع “هذه السلطة السياسية”، رغم أن القيادي نفسه لم يُقفل الباب بوجه “تواصل مباشر مع الأميركيين”، راداً الأمر إلى قرار يُتخذ وفق المصلحة والظروف الملائمة بعدما قبّل الرسول الأميركي توم برّاك الحزب “قبلة الحياة”.
لا نقف هنا أمام اعتراض سياسي عادي، إنما نقف أمام خطاب يُنزل الحكومة منزلة العميل، فيما يمنح الحزب موقع القاضي الذي يحكم من الشرعي ومن الخائن، وكأن لا اختراق إسرائيلياً فاضحاً لخطوطه.
في تاريخنا الحديث، هذه لعبة مألوفة. مصطلح “سلطة” يفصل نفسياً بين مواطن ودولة، ويقول له إن هذه الدولة ليست دولتك، إنما هي جماعة مفروضة عليك. وعندما يكرر ذلك حزب مسلح، يشتد وقع الكلمة لأنها تأتي مسنودة بقوة تتجاوز البلاغة. والتراكم هنا مقصود: ليس المطلوب نقد قرار حكومي، إنما بناء صورة ذهنية تقول إن من يفاوض لإخراج إسرائيل وإعادة الأهالي وإطلاق مسار الإعمار ليس ممثلاً للدولة، بل متهم أمامها.
إنه أسلوب قديم في السياسة اللبنانية. عندما يعجز فريق عن إسقاط قرار داخل المؤسسات، يحاول إسقاط شرعية المؤسسات نفسها في الوعي الشعبي. يصبح مجلس الوزراء “سلطة”، والرئيس “فريقاً”، ثم يرفع الحزب نفسه إلى مرتبة “مقاومة” لا تحتاج إلى انتخابات ولا إلى تفويض جديد، ولا تعترض على طريقة التفاوض وحدها، بل تنازع الدولة على تعريف السيادة نفسها: أي سيادة لا تحفظ سلاحه مشبوهة؛ فيما تبدأ السيادة عند الدولة عندما يعود القرار العسكري والأمني إلى مؤسساتها.
هذه ليست مشادة لغوية، والصراع على المفردة اختصار للصراع الأكبر: من صاحب الأمر في لبنان؟
