السبت. أكتوبر 16th, 2021

 المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
تراجع سعر الليرة التركية أمام الدولار
يتداول الأتراك هذه الأيام مقطع فيديو لكبير مستشاري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الشؤون الاقتصادية، يغيت بولوت، وهو يهاجم الصحافيين والمحللين الاقتصاديين، الذين تنبأوا قبل سنوات بهبوط قيمة الليرة التركية أمام الدولار بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة للحكومات التركية المتعاقبة.
يعود تاريخ المقابلة إلى فترة صعود الدولار الأميركي أمام الليرة التركية من 1.4 ليرة للدولار الواحد، وصولاً إلى 3 ليرات تركية، فبدأت النقاشات في المقالات الصحافية والبرامج التلفزيونية المتوقّعة بوصول قيمتها إلى الـ5 ليرات. في حينه حققت العملة التركية ثباتاً دفع بالمستشار إلى الظهور على شاشة القناة الرسمية التركية “تي ري تي”، وتوجيه انتقادات واتهامات لاذعة للصحافيين والمحللين الاقتصاديين قائلاً “أين المغرّدون بأن الدولار سيصل إلى مستوى 5 ليرات و6 ليرات؟ إن كانوا رجالاً عليهم أن يخرجوا ويعتذروا للشعب”، فيما أطلق في مقالة له بعنوان “النظام الرئاسي سيؤدي إلى تحليق الاقتصادي التركي” تحدّيه الشهير القائل “إذا تجاوز الدولار عتبة الـ 3 ليرات فتعالوا وابصقوا في وجهي”.
  خدمة لرجال الأعمال المقرّبين من أردوغان
مناسبة إحياء هذا المقطع اليوم هي استمرار صعود الدولار، متجاوزاً عتبة 9 ليرات تركية للمرة الأولى في تاريخها منذ إلغاء الأصفار، وذلك غداة تقديم حاكم البنك المركزي في تركيا، شهاب كافجي أوغلو، عرضاً أمام لجنة الخطة والموازنة في البرلمان التركي، يوم الاثنين، أكد خلاله “استمرار سياسات خفض أسعار الفائدة، لأن ارتفاع التضخم الحاصل يرجع إلى عوامل موقتة”.
سياسة خفض سعر الفائدة التي يصرّ عليها الرئيس التركي منذ أعوام، رغم كل الانتقادات وتحميلها مسؤولية تراجع قيمة الليرة، تعتبر السبب الرئيسي لتبوّء كافجي أوغلو منصبه بعد سلسلة من المقالات التي نشرها في صحيفة “يني شفاق” الموالية لحزب “العدالة والتنمية”، انتقد فيها بشدة قيام الحكّام السابقين برفع أسعار الفائدة. رغم ذلك لا تبدو العلاقة بينه وبين الرئيس التركي اليوم جيدة، وسط انتشار مزاعم في الإعلام التركي أخيراً تفيد برفض أردوغان استقبال كافجي أوغلو منذ فترة طويلة، وأن الأخير يستعّد لتقديم استقالته.
أما إصرار أردوغان على مواصلة هذه السياسة فمردّه الى تخفيف الأعباء عن طبقة رجال الأعمال وأصحاب الشركات المقرّبين منه، والحاصلين على استثناءات لاقتراض مبالغ كبيرة من المصارف الحكومية، وبالتالي عدم تعريضهم إلى دفع فوائد عالية لقاء هذه القروض.
سياسات “الصّهر” الماليّة الخاطئة
لكن من المجحف تحميل أسعار الفائدة فقط وزر التدهور الأخير لليرة التركية التي مرّت بسياق زمني يعتبر الأسوأ سياسياً واقتصادياً في تاريخ تركيا الإسلامية، منذ وصول “العدالة والتنمية” إلى سدة الحكم عام 2002. فالسياسات المالية الخاطئة التي اتّبعها صهر أردوغان، وزير الخزانة والمالية السابق بيرات البيرك، المشهور بتصريحاته المقللة من أهمية صعود الدولار، وهو الذي أجاب عن سؤال في برنامج حواري عبر شاشة “سي أن أن تورك” الموالية للحكومة التركية حول خطورة ارتفاع الدولار بالقول: “لماذا يشكّل هذا الموضوع هاجساً لك ولغيرك من المواطنين؟ هل تقبضون رواتبكم بالدولار؟ هل تتعاملون به في حياتكم اليومية؟” في منطق غريب تماماً عن مفهوم الاقتصاد. هذه السياسات، وعلى رأسها تبديد 128 مليار دولار من احتياطي البنك المركزي التركي لموازنة سعر الصرف، ألحقت بالعملة التركية ضربة موجعة، يتوقّع المحللون أن تستمر تأثيراتها السلبية لعشر سنوات مقبلة.
ركّزت المعارضة التركية على ثروة البنك المركزي المهدورة، وجعلت من تبديدها عنواناً لانتقاد السلطة عبر تعليق لافتات عملاقة كتب عليها “أين الـ 128 مليار دولار؟”، مؤكدة قيام المركزي التركي ببيع الدولار بقيمة أقل من سعره الرائج لرجال أعمال مقرّبين من الرئيس التركي تحت عنوان ضبط قيمته. عجزت السلطة التركية عن تقديم إجابات وحجج مقنعة للمعارضة، فردت على السؤال المذكور بشنّ حملة أمنية وقضائية على مكاتب حزب “الشعب الجمهوري”، المعارضة الأم في البلاد، وإنزال اللافتات استناداً الى قرارات قضائية في بعض الولايات، وأوامر من الولاة وقادة الشرطة في ولايات أخرى.
 
تهديدات أردوغان تزعزع الليرة التّركية
استمرت الليرة التركية الفاقدة عناصر القوة نتيجة العوامل المذكورة أعلاه في الهبوط، يوم الثلثاء، متأثرة بتصريحات الرئيس التركي الطويلة بعد اجتماع مجلس الوزراء، والمشيرة إلى إمكان القيام بعمل عسكري داخل الحدود السورية، غداة الهجوم الصاروخي على موكب للقوات التركية في منطقة مارع التابعة لمدينة أعزاز المحتلة تركياً في شمال سوريا، والذي أدى إلى مقتل شرطيين من العمليات الخاصة وإصابة اثنين آخرين، إذ اتّهم وزير الداخلية التركي سليمان صويلو عبر “تويتر” عناصر حزب “العمال الكردستاني / حزب الاتحاد الديموقراطي” الموجودة في منطقة تل رفعت بارتكابه.
ويرى محللون أتراك أن أي عمل عسكري جديد في سوريا سيعرّض الليرة التركية إلى ضغوط أشد من الحالية، لأنه سيدفع بعلاقات أنقرة المتوترة أصلاً مع الولايات المتحدة إلى مستويات أكثر خطورة، مستشهدين بالضربة التي ألحققتها تغريدة الرئيس الأميركي السابق ترامب، حينما هدد بتدمير الاقتصاد التركي في حال رفض أنقرة تسليم الراهب الأميركي برونسون المحتجز لديها، ما أدى إلى فقدان الليرة التركية قيمتها دراماتيكياً بعد نشر التغريدة مباشرة، وأجبر الرئيس التركي على تسليم القس برونسون خلال أيام، رغم تأكيداته السابقة رفض الطلب الأميركي.
ويحذّر الخبراء الأتراك من أثر هذا التدهور الشبيه بكرة الثلج على “السيكولوجيا الجمعية” للمجتمع التركي، الذي بدأ فعلياً قلب مدّخراته من العملة المحلية إلى الدولار الأميركي أو عملات أجنبية أخرى، وحتى شراء الذهب خوفاً من استمرار المنحى التصاعدي للدولار، ما يعني بطبيعة الأحوال ازدياد الطلب المفاجئ على العملة الصعبة في البلاد مقابل وفرة العملة المحلية، وبالتالي احتمال أن تشهد الليرة قفزات دراماتيكية نزولاً غير محسوبة وفي زمن قريب جداً.