كانت لحظةً فارقة تلك التي وقفت فيها ميرغان حجي، المواطنة الكوردية السورية، ابنة كوباني، لتتقلّد الذّهب في بطولة العالم للقوة البدنية للناشئات والشابات في مدينة صن سيتي بجنوب أفريقيا. وضعت الشابة يدها على صدرها أثناء رفع العلم السوري بنجومه الثلاث، بينما يُعزف نشيد «في سبيل المجد والأوطان»، ولم تكن في النشيد أية كلمة قد تُشعر ميرغان بالإقصاء!
مشهدُ لحظةِ النصر السورية هذا لم يكن مشهداً عاديّاً. ربما كانت المرة الأولى التي يقف فيها كورديٌّ/ـة سوريّ/ـة في محفل عالمي، ويُعزف نشيدٍ وطني لا يبدو في كلماته تمجيدٌ لقوميةٍ على حساب قوميته. بعد نحو قرنٍ كان الكورد السوريون يستمعون فيه إلى نشيد «حماة الديار» ويرددون، أو لا يرددون: «عرين العروبة بيت حرام»!
إضاءة: «في سبيل المجد والأوطان»
الشاعر: عمر أبو ريشة (1910–1990)، ابن منبج في ريف حلب الشرقي، أحد أبرز أعمدة الشعر الكلاسيكي السوري والعربي.
التاريخ: كُتبت القصيدة العام 1938 في سياق انتفاضة السوريين ضد الانتداب الفرنسي واستلاب لواء إسكندرون، وصارت تُنشد في المظاهرات.
الموسيقا: لحنها الأخوان فليفل، ويُشار أيضاً إلى وجود لحن وضعه صالح المحبك. تناقلها الشارع بصيغة نشيدٍ شعبي مقاوم اعتمدته الحركات الوطنية عبر العقود دون أن يُقر نشيداً رسميّاً للدولة.
يحظى نشيد «في سبيل المجد» بمكانة رمزيّةٍ رفيعة، رغم عدم اعتماده رسميّاً نشيداً وطنياً. إنّه يبني صورة السوري من خلال صفات القوة والتمرّد، في انعكاسٍ لحقبةٍ سوريةٍ صُبغت بمقاومة المستعمر الفرنسي. فــ«كلّنا ذو همّة شمّاء» و«جبّار عنيد»، ولا يحتمل «أطواق الحديد»، ولا يرضى بحياة العبودية، و«كلّ» كما يؤكد النُحاة تفيد الاستغراق والشمول، أي أنها هنا تشمل كل سوري وسوريّة بلا أي استثناء. لا يطرح النشيد تعريفاً للجماعة السورية بوصفها عِرقاً أو ديناً، بل بوصفها جماعة تتسم بروح النضال وتتوق إلى الانعتاق، بينما يتحدّث نشيد «حماة الديار» عن الوليد والرشيد، و«عرين العروبة»، في إشارات عربية وإسلامية واضحة. ورغم وجود إشارة دينية في نشيد «في سبيل المجد»، في عبارة «سماها مهبط الإلهام والوحي الأمين»، فإنني أعتقد أنّها تتصل بالوحي بوصفه مفهوماً جامعاً في الأديان السماويّة.
تنسجم هذه الكلمات مع نضالات السوريين ضد الاستعمار والاستبداد على حد سواء. ويخص هذا النضال الكوردَ مرتين: الأولى في سعيهم نحو الديمقراطية والمواطنة المتساوية، حالهم في هذا حال سائر السوريين والسوريات، لكنها تخصّهم تحديداً في نضالهم الطويل نحو الاعتراف بهم، وبثقافتهم، وبلغتهم، وبحقوقهم بوصفهم جماعة أصيلة في سوريا. وربما آنَ لهم أن يحتفوا بما أنجزته نضالاتهم هذه، دون أن تقف نضالاتهم، ونضالات سائر السوريين، عند هذا الحد، بطبيعة الحال.
عمليّاً، ومنذ سقوط نظام الأسد، يشهد الاعتراف بالحقوق الكوردية في البلاد تطوراً كبيراً. إذ كفلت المادة السابعة في الإعلان الدستوري الحقوق الثقافية واللغوية للمكونات السورية، ولم يَرِدْ نص التأكيد الدائم على أنّ «سوريا جزءٌ من الوطن العربي، والشعب السوري جزء من الأمة العربية»، الّذي هيمن على النصوص الدستورية السورية منذ العام 1950. بعد ذلك، جاء المرسوم 13 ليكون أول نص قانوني يعترف بالتراث الكوردي السوري، واللغة الكوردية لغة وطنية، والنوروز عيداً رسمياً.
غير أن هذه الخطوات تشكل بدايةً لا نهاية. فالإعلان الدستوري يبقى نصاً مؤقتاً وليس دستوراً دائماً، والمرسوم الرئاسي قابل للتعديل أو الإلغاء بتشريع لاحق. ومن هنا، يظل تكريس هذه الحقوق في الدستور الدائم مسألة حاسمة لا تحتمل التنازل.
لا أدري لماذا لم يحظَ إنجاز ميرغان حجي بالاحتفاء اللازم. ربما لأنه جاء وسط ازدحامين: الجدل الحقوقي والسياسي المرافق لقضية محمد غميرة الّذي قضى بعد توقيفه في أحد أقسام الشرطة، واندماج قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية. غير أن وقوف ميرغان، ابنة كوباني، تحت العلم السوري وهو يرتفع في جنوب أفريقيا، تصغي إلى النشيد مبتسمةً، فخورةً بإنجاز غير مسبوق لها، ولسوريا، ولأبناء منطقتها، ولأبناء قوميتها، يدفع إلى الواجهة أسئلة الاندماج الحقيقي: هل ولّى زمن تهميش الكورد؟ هل بات الاعتراف بالثقافة الكوردية، واللغة الكوردية، مكوّناً أصيلاً من مكونات الهوية السورية أمراً واقعاً؟ هل يعني اندماج «قسد» في الجيش، والإدارة الذاتية في سائر مؤسسات الدولة، نهاية النضال نحو الحقوق الكوردية؟ الإجابة برأيي وباختصار شديد: كل هذا مهم للغاية، لكن لا مناص من دسترة الحقوق الكوردية وحقوق الجماعات الأخرى في الدستور الدائم.
اللافت أن نقاشات الاندماج، أقلّه على المستوى الشعبي، تبدو وقد غفلت، حقيقةً، عن الحقوق التي تمكن الكورد من الحصول عليها بعد عقود طويلة من النضال، لصالح مشروع عسكري تتزايد المؤشرات على أنه لم يعد ممكناً، ولا منسجماً مع فكرة الدولة المتصالحة مع حقوق الكورد. يبدو البعض منشغلاً بالنموذج الإداري، بدلاً من الاحتفاء بما تحقق حتى الآن، وما يجب تحقيقه مستقبلاً عبر دسترة الحقوق بالوسائل السلمية وعبر الحوار.
فالأهم من النموذج الإداري السابق هو شكل حكم البلاد مستقبلاً، والنموذج الإداري الذي ستكون عليه سوريا برمتها، والضمانات الدستورية للحقوق اللغوية والثقافية والتعليمية والتربوية لجميع المكونات. ولا بد من انطلاق الحوارات بين السوريين والسوريات جميعاً، حول ضمانات التوزيع العادل للثروات بين المناطق، وخاصة تلك التي عانت الإقصاء والتهميش، وأيضاً، وبشكل خاص حول شكل الدستور المقبل.
لا أعلم إن كانت ميرغان تركز في كلمات النشيد، لكنني آمل أن تقف يوماً وتقول: نعم، كنت أول كوردية سورية تستمع إلى نشيد وطني لا يُقصيها وقوميتها وثقافتها، وهي تتقلّد الذهب وتحتمي بنجوم العلم الثلاث، بما ترمز إليه من تنوّع.
إضاءة: ميرغان حجي
الهوية: مواطنة كوردية سورية من مدينة كوباني/عين العرب (16 عاماً).
الرياضة: القوة البدنية (Powerlifting) — فئة وزن 57 كغ (ناشئات).
الإنجاز العالمي: توجت بـ 3 ميداليات ذهبية (الترتيب العام، السكوات، الديدليفت) وميدالية فضية في بطولة العالم للقوة البدنية بجنوب أفريقيا (أغسطس 2026)، بمجموع كلي بلغ 392.5 كغ.