السبت. أكتوبر 16th, 2021

مرّت، قبل أيام، الذكرى الأربعون لاغتيال الرئيس السادات، دون أن تنال اهتماما إعلاميا يتناسب مع حجم هذه الجريمة ومع الشخصية الاستثنائية لهذا الرجل، الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للدولة المصرية الحالية، ففترة رئاسته التي استمرت 11 عاما، ورغم أنها كانت فترة قصيرة مقارنة مع من سبقه ومن لحقه، لكنها كانت غنية بالأحداث المفصلية الكبيرة وبالقرارات المصيرية المفاجئة التي اتخذها السادات شخصيا، والتي رسمت السياسات والتوجهات الإستراتيجية الرئيسية للدولة المصرية التي مازالت تسير عليها حتى اليوم.

وعند الحديث عن تلك الفترة، لابد من التذكير بالمفاجأة الأولى التي أدّت إلى وصول السادات إلى قيادة مصر عندما وضعه الرئيس جمال عبد الناصر في نهاية عام 1969 في منصب نائب رئيس الجمهورية، رغم أنه كان غير منسجم فكريا وسياسيا مع المفاهيم السائدة عند عبد الناصر والحلقة المحيطة به، ورغم أنه لم يتول أي منصب في السلطة التنفيذية من قبل.

ولذلك عندما توفي عبد الناصر، بعد عشرة أشهر عن عمر 52 عاما فقط، أصبح السادات رئيسا لمصر، لكنه كان شخصا وحيدا مختلفا ومحاطا بطبقة سياسية تحرّكها الأيديولوجيا القومية أو اليسارية، وتتحكم بكافة المناصب السيادية من نائب رئيس الجمهورية ووزراء الدفاع والداخلية والإعلام، إلى رئاسة المخابرات والبرلمان وقيادة الإتحاد الاشتراكي، حتى مدير مكتب رئيس الجمهورية.

فكانت خطوة السادات الكبيرة الأولى بعد بضعة أشهر من استلامه السلطة، التخلص من جميع هؤلاء دفعة واحدة بطريقة استعراضية طبعت أسلوبه طوال فترة حكمه، حيث توجّه مباشرة إلى الشعب المصري، وارتجل خطابا لمدة تسعين دقيقة باللهجة العاميّة أوضح فيه وجهة نظره في قضية الخلاف مع من سماهم “مراكز القوى”، وأقالهم جميعا من مناصبهم ثم أحالهم للقضاء وحمّلهم مسؤولية الدولة البوليسية التي كانت تتجسس على شعبها وتسجّل عليه ما يقوله، ثم أشرف شخصيا على إحراق أشرطة التسجيل التي تحتوي على مكالمات آلاف المواطنين وأطلق سراح الكثير من السجناء السياسيين، وبعد نجاح انقلابه الأبيض تخلّى عن السياسات الاشتراكية وتوجّه نحو الانفتاح الاقتصادي، كما أقلع عن فكرة “مصر الثورة” زعيمة القومية العربية، وما ترتب على ذلك من مغامرات غير محسوبة لم تجلب على مصر سوى الكوارث.

فمصر الثورة هي التي أرسلت جيشها إلى اليمن في حرب لا تعود على الشعب المصري بأي فائدة، بل ألحقت بالجيش والاقتصاد خسائر لا يستهان بها، ومصر الثورة نفسها هي التي أغلقت مضائق تيران وطردت قوات حفظ السلام الدولية من سيناء قبيل حرب حزيران 1967، وبالتالي جعلت من مصر كبش فداء وهدفا رئيسيا للضربة الإسرائيلية ودون أن تتمكن من إنقاذ سوريا، بينما كان بإمكان مصر إظهار تضامنها مع سوريا بإرسال طائرات أو قوات للجبهة السورية والتعامل من هناك مع التهديدات الإسرائيلية.

ورغم أن الإعلام المصري يكرر دوما أن السادات هو من اتخذ قرار حرب أكتوبر، لكن الحقيقة أن هذا القرار قد أتّخذ منذ أيام عبد الناصر وكانت هذه الحرب ستحدث مع عبد الناصر أو أي رئيس سيخلفه، أمّا من ناحية استثمار هذه الحرب سياسيا فقد كان السادات، دون شك، الأقدر على القيام بهذه المهمة، وكانت خطوته الأولى لتحقيق ذلك هي إخراج الخبراء السوفييت من مصر عام 1972 قبل أكثر من سنة على الحرب، وبقراره المفاجئ هذا جعل السادات من حرب أكتوبر حربا وطنية هدفها استعادة الأراضي المصرية المحتلة.

بينما لو لم يفعل ذلك لكانت تلك الحرب مع وجود 20 ألف خبير عسكري روسي في مصر واحدة من جبهات الصراع بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الاشتراكي بقيادة الإتحاد السوفييتي، ولتحوّلت قضية الأراضي المصرية إلى تفصيل ثانوي في الصراع الدولي، وأعقب قراره هذا بالتودد إلى الولايات المتحدة التي “تملك أوراق الحل” كما صرّح مرارا، بل وضع أميركا في موقع الحكم بين مصر وإسرائيل، وأثبتت الأيام فيما بعد أن قراره هذا كان أيضا صائبا.

ولكن تبقى الخطوة الكبيرة التي يصعب وجود من يتجرّأ على القيام بها سوى شخص استثنائي بمواصفات أنور السادات، وهي ذهابه شخصيا إلى إسرائيل ومصافحته الحارّة لقادة إسرائيل على أرض المطار وتبادل أحاديث ودية معهم، ثم إلقاء خطابه في الكنيست الإسرائيلي وسط ذهول العالم لأن خطوته تلك كانت سابقة لعصرها وبعيدة تماما عن المسلّمات التي كانت سائدة في تلك الأيام، حتى أن الكثير من المسؤولين المصريين في حكومة السادات نفسها كانوا يحاولون التنصل منها.

ولكن اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية مازالت سارية حتى يومنا هذا كبصمة ساداتية أخرى أكّدت على أن المشكلة مع إسرائيل هي صراع حدود وليس صراع وجود، كما كان يتردد في إعلام ستينيات القرن الماضي، ولزم العرب سنوات غير قليلة للتسليم بوجود إسرائيل وطرح مبادرة السلام العربية.

أي أن السادات تمكّن، خلال سنوات قليلة، من طي صفحة الناصرية بدولتها البوليسية واشتراكيتها وتحالفاتها الدولية وشعاراتها القومية الطنانة التي لا يوجد طريقة واقعية لتحقيقها، وتمكن من استرجاع الأراضي المصرية المحتلة وأقام سلاما مع إسرائيل، بينما لم يبق من الناصرية سوى ذكرى لفترة مرّت بما لها وما عليها، دون أن تترك أثرا يذكر في السياسة المصرية.

لكن ذلك لا يروق للكثير من المثقفين والإعلاميين المصريين الذين يصرّون على أن مصر الحالية هي جمهورية يوليو 1952، ويحاولون على قدر استطاعتهم تجاهل السادات وفترة حكمه وخاصة ما يتعلق باتفاقية السلام مع إسرائيل، بل إنهم حاربوا كل من أيد هذه الاتفاقية.

كما عارضوا فيما بعد اتفاقيات السلام الإبراهيمي الأخيرة بين إسرائيل وبعض الدول العربية بالقول إن مصر كانت مضطرة لعقد اتفاق السلام لاستعادة أراضيها بينما تلك الدول ليس لها حروب أو حدود مع إسرائيل فما الذي يدفعها للتطبيع معها، متجاهلين أهمية المنافع الاقتصادية والسياسية المتبادلة بين الشعوب والدول، التي من المفروض أن تكون العامل الرئيسي في رسم السياسات، أي أنهم مازالوا يعيشون في عالم الصراع الوجودي الأبدي مع إسرائيل، بل إن بعضهم يشعر بالذنب لأن بلده وقّع اتفاق سلام مع إسرائيل، فتراه دائما يندفع بالمزايدة الخطابية لإظهار شكل قديم من الوطنية، يقوم على التضحية بحياة أجيال من الرجال والنساء والأطفال، لتبقى الشعارات والرموز عالية خفّاقة..!

وكان من الممكن مشاهدة ذلك قبل أيام في الإعلام المصري خلال احتفالات مصر بذكرى أكتوبر، التي عرضت جميعها مشاهد من تلك الحرب مع “العدو” وكأنه صراع أزلي سيستمر إلى أبد الآبدين، ولكن في نفس اليوم ومن زاوية مختلفة تماما وتحت شعار العبور إلى المستقبل تحدث الرئيس السيسي عن هذه الحرب باعتبارها لم تكن سوى الطريق لتحقيق السلام وحيا الرئيس السادات بطل الحرب والسلام، وتحدث عن بعد نظره الاستثنائي عندما رأى منذ تلك الأيام أن السلام مطلب وحق للشعوب.

وارتجل بعد خطابه كلمات وضّحت رؤيته تلك: “هناك جدار لم يتكلم عنه أحد وهو أدبيات وثقافة العصر المستقرّة التي تمنع اتخاذ قرارات صائبة في عصرها، والذي يستطيع أن يرى هذا الجدار ويكون مستعدا لتجاوزه ويتحدّى عدم قدرة الكثيرين على الرؤية، مثل الرئيس السادات الذي مكنه الله من أن يرى أن هذه الأدبيات، وهذه الثقافة والمفاهيم لن تستمر بعد حرب أكتوبر ولابد من تجاوزها بمفاهيم جديدة ولذلك أطلق مبادرة السلام التي أثبتت بعد أكثر من أربعين سنة أن اقتحام هذا الحاجز كان قراءة سابقة لعصرها، وأنا أتمنى أنه كما رأى الرئيس السادات ذلك وتجاوزه أن يستطيع القادة أن يتجاوزوا الأدبيات المستقرة وأن ينطلقوا إلى أعماق أفضل”، غامزا من قناة القادة الفلسطينيين والمثقفين المصريين.

واختتم بالقول لا أعرف إذا كان ما أقوله قد وصل لأنه على ما يبدو يعرف أن القيادات الفلسطينية والوسط الثقافي والإعلامي المصري الحالي مازال يعيش في عالم شعارات الستينيات، وليس من السهل على هؤلاء تجاوز “مفاهيم وثقافة العصر المستقرّة”.