يجمع بين “حماس” و”حزب الله” استخدام السلاح من أجل تحقيق أهداف داخلية لا علاقة لها بتحرير فلسطين. سقطت “حماس” بمجرد حصول اللقاء الذي عقده أخيرا خليل الحيّة رئيس المكتب السياسي للحركة في مصر مع المبعوث الأميركي جاريد كوشنر. بقدرة قادر، صار كوشنر يلعب، في أيّامنا هذه، دور المنقذ بالنسبة إلى “حماس”!
سقط “حزب الله” عندما رفض التخلي عن سلاحه ووضعه في خدمة الدولة اللبنانية التي تتفاوض مع إسرائيل من أجل إنهاء احتلالها لجنوب لبنان، وهو احتلال تسبب به “الحزب” ولا أحد غيره.
المفارقة أن المبعوث الأميركي الذي التقى الحيّة وآخرين من قيادة “حماس” متزوج من ابنة الرئيس دونالد ترامب. كوشنر نفسه طرح أصلا خطة تحويل غزّة، بعد خروج أهلها منها طبعا، إلى منتجع سياحي كبير وراق، على نسق الريفييرا الفرنسيّة. كان ذلك بعيد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وبعيد الردّ الإسرائيلي ذي الطابع الوحشي على هجوم “طوفان الأقصى الذي شنته “حماس” في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023 والذي استهدف مستوطنات غلاف غزّة وأدّى إلى ما أدى إليه…
سقط “حزب الله” عندما رفض التخلي عن سلاحه ووضعه في خدمة الدولة اللبنانية التي تتفاوض مع إسرائيل من أجل إنهاء احتلالها لجنوب لبنان
ليس ما يدعو إلى الشماتة بحركة كانت ترفع شعارات من نوع “تحرير فلسطين من البحر إلى النهر” و “فلسطين وقف إسلامي”، كما كانت تعتقد أنّ في استطاعتها وراثة السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة وما بقي من “فتح”. يتعلّق الأمر، في واقع الحال، بمشروع سياسي أدّى الغرض المطلوب منه إن في خدمة اليمين الإسرائيلي وإنّ في مجال تكريس الانقسام الفلسطيني. جاء الآن دور كوشنر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع “حماس” التي تبدو مستعدة لتسليم سلاحها في مقابل ضمانات تسمح لها بالبقاء حيّة سياسيا في مرحلة لاحقة.
توجد فوارق كثيرة بين غزّة وجنوب لبنان. لكنّ ذلك لا يمنع التوقف عند نقاط معيّنة تجمع بين الحالتين، خصوصا أن الراحل حسن نصرالله، ارتكب على الصعيد اللبناني الخطأ ذاته الذي ارتكبه الرحل الآخر يحيى السنوار، الذي كان زعيم “حماس”، في غزّة. فتح نصرالله جبهة جنوب لبنان في اليوم التالي لـ”طوفان الأقصى”، رافعا شعار “إسناد غزّة” من دون أي تقدير لردّ الفعل الدولة العبريّة ومعنى تهجير نحو سبعين ألف إسرائيلي من سكان الجليل من منازلهم!
من أجل تفادي وصول لبنان إلى مرحلة الاستعانة بشخص مثل كوشنر، من المفيد إدراك أن النقطة الأهمّ التي تجمع بين غزّة وجنوب لبنان هي نقطة الانسحاب الإسرائيلي والإصرار لدى “الحزب” و”حماس” على عودة الاحتلال. نفذت إسرائيل انسحابا كاملا من جنوب لبنان في أيار – مايو من العام 2000. رفض “الحزب”، ومن خلفه إيران، الاعتراف بالانسحاب الذي أكدت الأمم المتحدة حصوله استنادا إلى القرار الرقم 425 الصادر عن مجلس الأمن. اختلق “الحزب” وآخرون ذرائع عدة، من نوع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا من أجل احتفاظ “الحزب بسلاحه. كانت النتيجة بقاء الجنوب رهينة لدى “الحزب” أي لدى إيران وبقي أهل جنوب لبنان في وضع لا يحسدون عليه وصولا إلى حرب “إسناد غزّة” ثم حرب “إسناد إيران”.
في غزّة انسحب الإسرائيلي في مثل هذه الأيّام من العام 2005. أصرّت “حماس” على الاحتفاظ بسلاحها. حوّلت القطاع إلى قاعدة تطلق منها الصواريخ بدل العمل من أجل أن يكون نواة لدولة فلسطينية مستقلة مسالمة. أكثر من ذلك، استخدمت “حماس” السلاح لتنفيذ انقلاب منتصف العام 2007. مهّد الانقلاب الحمساوي لإقامة “إمارة إسلاميّة” على الطريقة الطالبانية، نسبة إلى طالبان، في غزّة المحاصرة.
سيظل لبنان في مواجهة مع سلاح “الحزب” فيما لا تجد “حماس” غير جاريد كوشنر يضمن بقاء الحركة حيّة سياسيا في ضوء قبول التنازل عن سلاحها
في الحالين اللبنانية والغزاويّة، لعب السلاح المنفلت الذي في حوزة “الحزب” و”حماس” دوره في عودة الاحتلال. لم تجد “حماس”، في ضوء فشل مشروعها، غير الإرتماء في حضن جاريد كوشنر الذي يدعو إسرائيل، ممثلة ببنيامين نتانياهو، إلى قبول النقاط الـ15. هذه النقاط طرحها “مجلس السلام” الذي شكله دونالد ترامب ووضع على رأسه نيكولاي ملادينوف وزير الخارجية البلغاري السابق المعروف بقربه من الإدارة الترامبية وعلاقته الجيدة بإسرائيل. تظلّ تلك النقاط، التي رفضتها الدولة العبريّة، خريطة الطريق الوحيدة التي يمكن أن تؤدي إلى انسحاب من غزّة شرط تخلي “حماس” عن سلاحها. إتفق كوشنر ونتانياهو في شأن هذه النقطة المتعلّقة بالسلاح في لقائهما الأخير الذي تلا مباشرة لقاء المبعوث الأميركي مع وفد “حماس”.
لم يصل لبنان بعد إلى حال الإرتماء في حضن كوشنر التي بلغتها “حماس”. يعود ذلك إلى وجود سلطة لبنانيّة ممثلة برئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام تقف في وجه سلاح “حزب الله” الذي تسبب بعودة الاحتلال. استطاع لبنان بفضل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكفاءة الوفد المفاوض (سيمون كرم والسفيرة ندى حمادة معوّض) فصل مساره مع إسرائيل عن المسار الإيراني وكارثة مذكرة التفاهم الأميركيّة – الإيرانيّة التي هي نتاج مسار إسلام أباد واللقاء الذي انعقد في سويسرا.
يبقى عامل الوقت مهمّا في مرحلة يدعم جناح في الإدارة الأميركيّة، على رأسه وزير الخارجية ماركو روبيو، تكريس فصل المسار اللبناني عن إيران. لكنّ ما لا بدّ من التنبه إلى حال من الضياع في واشنطن مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني – نوفمبر المقبل. ليس مستبعدا خسارة الجمهوريين الأكثريّة في مجلس النواب نتيجة الانتخابات مع ما يعنيه ذلك من إرباك للإدارة الترامبية.
في المقابل، ليس ما يشير إلى تغيير كبير محتمل في السياسة الإسرائيليّة، بقي نتانياهو على رأس الحكومة أم لم يبق. سيظل لبنان في مواجهة مع سلاح “الحزب”، فيما لا تجد “حماس” غير جاريد كوشنر يضمن بقاء الحركة حيّة سياسيا في ضوء قبول التنازل عن سلاحها