تطرح كلمة Essay مشكلات كثيرة في اللغة العربية، أبسطها وأكثرها مباشرة تمييزها عن Article، إذ لا يصح ترجمة الكلمتين على أنهما «مقالة»، فهذا يضيّع فروقاً كبيرة بين المعنيين. وباعتبار أن «الإيسي» (وسنعمد إلى كتابتها بالعربية، من دون ترجمة في ما يلي) ليست مجرد قالب كتابي، بل صارت موضوعاً فلسفياً وتاريخياً وسوسيولوجياً، أثار اهتمام كثير من المفكرين، فإن عدم وجود كلمة عربية تعبّر عنها يشير بحد ذاته إلى مشكلة، ويُصعِّب التعامل مع المفهوم؛ كما يدفع لطرح أسئلة مهمة، قد تكون كاشفة لكثير من مناحي التفكير والثقافة المعاصرة، خاصة أننا لا نتعامل هنا مع كلمة غريبة، أو نادرة الاستعمال أو شديدة التخصصية، وإنما واحدة من الكلمات التي تكاد تكون من مفردات الحياة اليومية في أي مجتمع حديث.
توجد محاولات عديدة لترجمة الإيسي على أنها «الأطروحة»، «المقالة التأمليّة»، «الدراسة»، ولكن كل هذه الكلمات لا تنقل المعنى بالشكل السليم، كما أنها تختلط مع أشكال كتابية ومنهجية أخرى، مستقلة عن الإيسي. ربما يمكن اختيار كلمة ما، أقرب للمعنى قدر الإمكان، وتعميمها للتعبير عن المفهوم، ولكن عدم حدوث ذلك فعلياً في اللغة العربية المعاصرة، بعد مرور حوالي قرنين من الزمن على دخول الطباعة ونشأة الصحافة، واستسهال الخلط بـ»المقالة»، يجعل من أي محاولة متأخّرة لفعل ذلك غير ذات معنى. لا توجد ترجمة لـ»إيسي» لأن مفهومها الدقيق غير موجود في الثقافة العربية المعاصرة، أو لأنه لا يثير كثيراً من الاهتمام.
المختبر الكتابي
صارت الإيسي شكلاً كتابياً مستقلاً وواضح المفهوم في عصر النهضة المتأخّر، وبالتحديد مع ميشيل دو مونتين في فرنسا عام 1580، تاريخ نشر كتابه Essais، وتعني تقريباً «المحاولات» أو «التجارب»، فمونتين لم يكتب أطروحات فلسفية مدرسية، أو أنساقاً منهجية كليّة، أو رسائل فكرية بلاغية على الطريقة الرومانية، بل كان «يحاول»، انطلاقاً من مواضيع جزئية ومحددة، مثل الصداقة أو التعليم أو الموت أو الحيوانات، أن يفتح المجال لأسئلة أكبر عن الشرط الإنساني كله؛ ويتحرّك من موضوع إلى موضوع، ومن مجال حسّي ومادي بسيط إلى مجالات تاريخية وفكرية شديدة التعقيد، من دون نظام جاهز وواضح المعالم، وإنما ينبع «النظام» من علاقات الموضوعات نفسها، وتراصفها بشكل غير مألوف في نصوصه، إذ يمكن لمونتين أن يتحدث عن التعليم في عصره، ثم عن تجارب طفولته، ثم عن فلسفة سقراط، ثم عن طبيعة التفكير والحكم الإنساني. وقد كان كل هذا جديداً، وريادياً جداً في عصره.
تعمّق مفهوم الإيسي بقوة مع فرانسيس بيكون في إنكلترا، خاصة مع كتابه «الإيسيات. تأملات دينية. مباحث في الإقناع والإثناء» 1597، والذي طورّه عدة مرات في ما بعد، ليصبح عنوان نسخته المتأخّرة «الإيسيات أو المشورات المدنيّة والأخلاقية»، وبذلك صارت الإيسي تدخلاً عقلانياً متماسكاً في الشأن العام، وليس تأملات و»محاولات» ذات طابع فكري شخصي، على طريقة مونتين، إلا أنها حافظت على المفهوم غير النسقي، إذ لم تنطلق «مشورات» بيكون من مبادئ كلية، لتطبيقها على الشؤون الجزئية في المدينة، على طريقة فلاسفة الإغريق، بل كان يناقش التفاصيل، والمستجدات، والقضايا الإشكالية التي يدور حولها الجدل، ويربطها بالشؤون الفلسفية والدينية والعلمية، بشكل غير مألوف، ليصل إلى خلاصة معيّنة، قد تأخذ شكل نصيحة، أو قاعدة قابلة للتطبيق، من دون أن يبني منهجاً صلباً ليوضّح أسلوبه في ربط الوقائع، وكأن الموضوعات المدنيّة تفرض نفسها عليه، وتدفعه إلى التفكير بروابط جديدة بينها، وهذا مهم جداً إذا تذكرنا دور بيكون في تأسيس المنهج العلمي التجريبي الحديث، فهو كان تجريبياً أيضاً في حديثه عن الشؤون السياسية للمدينة، ولكنه فضّل أن يعالجها عبر شكل الإيسي، وليس عبر الأطروحات المنهجية الكليّة المنظّمة، أو ما يسمى «الأورغانون» Organon، التي كان أفضل من يكتبها في عصره في مجال العلوم.
لكن التطوّر الأهم في تاريخ الإيسي لم يكن «تجريب» عدد من المفكرين الكبار في شؤون عصرهم، وإنما بروز ما يميل المؤرخون الأوروبيون إلى تسميته «الحيّز العام البورجوازي» منذ القرن الثامن عشر، فمع صعود الصحافة والمقاهي والتجمعات السياسية والصالونات الفكرية والأدبية، ودخول طبقة العامة، أو «الطبقة الثالثة» (من ليسوا أشرافاً أو رجال دين) بقوة إلى السياسة، ازدهرت الإيسي بشدة، بوصفها شكل الكتابة الذي يناسب جدالات الحيز العام الناشئ، وبات الإقبال عليها كبيراً. لم ينتظر المجتمع الجديد الفلاسفة واللاهوتيين الكبار، ليقدّموا له طروحات كبرى، تنقل عصارة العقل والحكمة، بل كان بحاجة لفهم ذاته، وخوض نزاعاته، والمحاججة حولها، وإنتاج المعايير في عالم متسارع بشكل غير مألوف، والانتقال من التفاصيل المتضاربة إلى معنى اجتماعي أو فكري ما، وممارسة النقد الاجتماعي والثقافي بشكل كتابي مُحكم. المقالة Article، أي المادة الصحافية التي تنقل الخبر والتحليل والتعليق، تطوّرت أيضاً في ذلك العصر، ولكنها لم تكن مداخلة متماسكة في الجدالات، بل لها وظائفها الإعلامية المباشرة، أما الإيسي فقد كانت «العملة» الفكرية والكتابية الأبرز في ذلك المجال، واشتُهر عدد من الكتّاب، بوصفهم كتّاب إيسي محترفين Essayist، مثل تشارلز لام (1775-1834)، وتوماس دي كوينسي (1785-1859)، وويليام هازليت (1778-1830)، بل حتى المفكر الأمريكي الشهير هنري ثورو (1817-1862)، الذي عرف بوصفه من أهم كتّاب الإيسي في عصره. كانت النصوص التي يكتبونها، والتي تُجمّع في ما بعد في كتب، أو التي تطبع أصلاً في كتب مُصاغة على قالب الإيسي، تمثّل روح ذلك العصر، إن صح التعبير، وأول ممارسة منظّمة للنقد الثقافي والاجتماعي، بوصفه شأناً حاسماً في المجتمع المدني.
في ذلك الزمن أيضاً ظهرت «الفويّتون» Feuilleton، وهي كلمة فرنسية تشير إلى قسم، أو مساحة في أسفل صفحات الجرائد، منفصلة عن الأخبار والمقالات الاعتيادية، تنشر مواد تتعلق بالنقد الفكري والاجتماعي والأدبي، إضافة لبعض الروايات والقصص. وتطور هذا تدريجياً لينتج «أدب الفويّتون»، أي الأعمال الأدبية التي كانت تنشر على هيئة حلقات متسلسلة في الجرائد، والتي اتسمت بطابع أسلوبي وتصويري يختلف عن الآداب الكلاسيكية، وأكثر قرباً لحركية المجتمع الناشئ؛ وأيضاً «صحافة الفويّتون»، أي الملاحق الثقافية والفكرية، المخصصة للإيسي النقدي، وقد ازدهرت تلك الملاحق بشدة مع مطلع القرن العشرين، وجذبت إليها عدداً من أهم المفكرين، ولعل الألماني فالتر بنيامين هو من أشهر «كُتّاب الفويّتون»، وربما من الأكثر تأثيراً حتى عصرنا. لقد كانت الفويّتون شكلاً طباعياً وكتابياً مناسباً لأوضاع المدن العالمية النامية، مثل باريس وبرلين وفيينا ولندن، ويمكن اعتبارها «مختبر الأفكار الحداثية»، والتجارب الثقافية غير المألوفة، وكثير من «الأفكار الكبرى» في عصرنا، بدأت بوصفها إيسي طليعي التوجّه، في فويّتون ملحق بجريدة.
إلا أن هذا الازدهار الكبير للإيسي لم يمر من دون أن يثير مشاكل فكرية كبيرة، خاصة في ألمانيا، بلد الأنساق الفلسفية الشاملة والصارمة، إذ نظر إليه المفكرون والفلاسفة والأدباء بدرجة كبيرة من التشكك، واعتبروه «نوعاً هجيناً» بين العلم والفن، فلا هو طرح منهجي منظّم، يتسم بالكليّة القادرة على الإحاطة بقضايا العقل والتاريخ والعالم؛ ولا هو فن كتابي حر، يعالج التجربة والمشاعر والرؤى، وبالطبع لم يقبلوا إدخال كُتّاب الإيسي، مهما بلغت أهميتهم وعمقهم، إلى مملكة الفلاسفة والأدباء العظام، التي كانت تزدهر أيضاً على «أرض الشعراء والمفكرين» (ألمانيا).
فلاسفة الإيسي
الدفاع الفلسفي الأول، والأكثر تأثيراً عن الإيسي، يمكن استخلاصه من كتابات فالتر بنيامين، الذي بدأ «أسلوباً كوكبياً» في معالجة الوقائع المعاصرة، فمن تفصيل صغير، أو إعلان، أو لعبة، أو عمل فني، أو ممر تجاري، كان يبني تجمعاً غير مألوف من العلاقات، وكأن كل واقعة مفردة تكثّف في ذاتها علاقات تاريخية واجتماعية كبرى، وقابلة للانفتاح على كل الوقائع الأخرى، فتجعلنا نفهم شيئاً جديداً عن عالمنا. ولذلك ابتكر مفهوماً زمنياً جديدا، وهو «الزمن الآني» Jetztzeit، المختلف عن الحاضر Gegenwart، فالأخير يشير إلى التعاقب الزمني المتسلسل، حيث يأتي الحاضر بعد الماضي بشكل خطي، بوصفه نقطة على الخط الزمني، ويمكن عيشه وسط إيقاعه الراهن، أي بنوع من التسليم بما يبديه من مظاهر، أما «الزمن الآني» فهو اللحظة التي يتكثّف فيها الزمن، وتتراصف مستوياته بشكل خاص، يشمل الحاضر والماضي والآفاق المستقبلية. فعندما نرى شمعة، على سبيل المثال، من منظور الحاضر، فلن نعقل إلا جسماً نستعمله للإضاءة وإضفاء بعض الأجواء الخاصة، ولكن في «الزمن الآني» سنرى تاريخاً من الاستخدامات، والمفاهيم الثقافية والجمالية، والأوضاع والصراعات الاجتماعية، والمخاوف والرغبات النفسية، والآليات الإنتاجية، التي تكثّفت ضمن علاقة مركبة: الشمعة نفسها، وتحديقنا فيها، والانطباعات والمعاني المتولدة من ذلك. في «الزمن الآني» ينقطع التسلسل الرتيب والخطي للزمن، ما يمكننا من رسم كوكبة من العلاقات من أبسط الأغراض، تكشف معانٍ تاريخية واجتماعية، وقد يكون ذلك الزمن بالتحديد هو الذي تُكتب فيه الإيسي.
من جهته كتب الفيلسوف المجري جورج لوكاش نصاً صريحاً عن الإيسي بعنوان «عن جوهر وشكل الإيسي» 1910، يؤكد فيها أنها ليست مجرد قالب كتابي، بل شكل من أشكال التفكير، فهي تتعلّق أساساً بـ»موضوع مُنجز»، أي واقعة أو عمل فني أو فكري موجود سلفاً، ولا تبتكر موضوعها عبر مفاهيم منهجية، أو «مادة خام» فكرية، إلا أنها لا تكتفي بوصف موضوعها أو التعليق عليه، بل تتخذه منطلقاً للتأمل في معنى يتجاوزه. وبالتالي تستطيع الإيسي إنتاج معانٍ جديدة انطلاقاً من موضوع موجود سلفاً، وتكتسب بذلك بعداً معرفياً خاصاً. وتتمثّل خصوصيتها في قدرتها على إضفاء «الشكل» على التجربة الإنسانية، فالحياة الحديثة تبدو على هيئة تدفقات من التجارب والأحداث والتفاصيل المتغيّرة بسرعة، وهنا ينشأ توتر بين تدفق الحياة والحاجة إلى شكل متعيّن المعنى، فتأتي الإيسي، وسط هذا الظرف، لتمنح شكلاً لما يجري في الحياة، لم يكن واضحاً فيها من قبل، وذلك ليس على هيئة قوانين عامة، أو إعطاء صفة الكليّة للوقائع المفردة، وإنما عبر إنتاج معنى يتجاوز الجزئي، من دون أن تدّعي أنها تمسك تماماً بالكلي. الإيسي ليست علماً ولا فناً، وهذا ليس نقصاً فيها، بل ما يمنحها شكلها الجديد المستقل.
إلا أن الصياغة الفلسفية الأكمل جاءت مع تيودور أدورنو، الذي جعل الإيسي في قلب مفهومه عن «الجدل السالب»، ففي الإيسي الذي كتبه بعنوان: «الإيسي بوصفها شكلاً» 1958، ينطلق أدورنو من أفكار لوكاش وبنيامين، وأيضاً عالم الاجتماع الألماني جورج زيميل، ليؤكد من جديد أن الإيسي تقع في منطقة وسيطة بين الفلسفة والأدب والعلم، وإذا كان هذا يثير حفيظة الفلاسفة الألمان فهو المطلوب تماماً، فالأنساق المفاهيمية، مهما كانت متقنة ومتسقة، لن تستطيع أن تمسك بتعقيد الأشياء والموجودات في العالم، ويجب عليها أن لا تفعل ذلك، لكي لا نقع في وهم المطابقة والهوية الكاملة، فنظن أن النظرية تستنفد الوجود، وأننا وصلنا إلى العقلانية الكلية. بالنسبة لأدورنو عموماً فإن الاعتقاد بأن المفاهيم تطابق الموجودات الواقعية تماماً، يمنح شعوراً بالسيطرة والتحكّم، ويدفع للتعامل مع العالم والآخرين على أنهم موضوعات قابلة للتطويع والحساب والتنظيم الشمولي، وتلك هي «العقلانية الأداتية» التي أدّت إلى مآسٍ كبرى، رافقت مسيرة التنوير والحداثة منذ بدايتهما.
إلا أن ذلك الوهم الأيديولوجي بالتطابق التام، تفلت منه دائماً أشياء وتفاصيل كثيرة، تخلخل استقرار المفهوم، وهويته، وتلك «البقية» هي أساس «الجدل السالب»، أي التي تسمح بالنقد والتجاوز، وإظهار تعددية المعاني الممكنة، وتعقيد الروابط وتناقضها. لا يرفض أدورنو المفاهيم المتقنة، أو الأنساق المنهجية المتينة، كما قد يُفهم من قراءة متسرعة له، ولكنه يرفض أن تكون المعرفة محصورة بما يمكن صياغته بشكل نسقي منظّم؛ كما أنه لا ينكر التصورات الكليّة بشكل مطلق، ولكن ماذا إذا كانت الكليّة قائمة على تناقضات لا يمكن حلّها، أو إخفاؤها، أو محاولة تسويتها؟ يدفعه هذا للعودة إلى مفهوم «الكوكبة»، إذ ينطلق كاتب الإيسي من واقعة مفردة، ويرسم مجموعة من الروابط حولها، فيصبح المفهوم غير مطابق لهوية واحدة، بل كوكبة من التفاصيل المتجاذبة والمتحرّكة والمتعددة، وبهذا يصبح شكل الإيسي أكثر من مجرد غلاف خارجي للفكرة، بل الطريقة التي يمكن للفكر فيها أن يعبّر عن الروابط المتعددة، التي تتكشّف له.
لا يعني هذا أن أدورنو اعتبر الإيسي شكلاً مفتوحاً وفوضوياً من الكتابة، لا قواعد أو منهج له، بل على العكس تماماً، كان يرى أنها شكل شديد الانضباط، ويجب أن يكون قادراً على الإقناع والمحاججة وصياغة البراهين بكل متانة، ولكن ليس على منهج البرهان التقليدي. الإيسي ليست مجرد رأي وانطباع شخصي (أو مقالة رأي)، ولا تطبيقاً لنظرية شاملة، وإنما تنطلق من الجزئيات، والتجارب، والتفاصيل، لتعبر بها نحو أشكال متعددة من التأويل والترتيب والنقد وكشف التناقض، وتجعلها تقول شيئاً جديداً عن نفسها، وصولاً إلى معنى عمومي أكبر، ولكنه غير مكتمل بدوره، ويمكن إعادة ربطه بمعانٍ أخرى، في جدلية لا تنتهي. ولعل شكل كتابات كارل ماركس، الذي انطلق من السلعة، وما تتضمنه من أيديولوجيا، وعلاقات إنتاج، وعمل اجتماعي، ليكشف من خلالها علاقات النظام الرأسمالي بأكمله، وينتقد مقولات حقل بحثي متكامل، هو الاقتصاد السياسي، كان نموذجاً أساسياً لروحية الإيسي، التي تحدث عنها أدورنو.
إذا أردنا أن نتابع «النظرية النقدية» بعد أدورنو، فسنجد في جيلها الثاني، خاصة لدى يورغان هابرماس، احتفاءً خاصاً بالإيسي، التي أظهرت تعددية المشروع التاريخي للحداثة والتنوير، فمن الصحيح أنهما أنتجا «العقلانية الأداتية» المأساوية، القائمة على أنساق فكرية شمولية، ولكنهما أيضاً أنتجا الإيسي النقدي، الذي جعل المعنى والمعيار مفتوحاً، وقابلاً دائماً للتداول والتفاوض وإعادة التفكير. وعموماً لم يعد أحد يجادل اليوم في أهمية الإيسي الفكرية والتاريخية، إذ باتت كثير من الكتب، بل حتى الأوراق الأكاديمية، تُكتب بروحية الإيسي، وصار كثير من الفلاسفة المعاصرين يصيغون طروحاتهم بأسلوب نقدي، ينطلق من الجزئي و»المواضيع المنجزة»، وصولاً إلى المعاني المتعددة الممكنة، ويتجنبون صياغة طروحات نسقية متكاملة وشاملة، فهذه صارت مهمة المفسرين والشارحين اللاحقين، أو يقوم بها اولئك الفلاسفة أنفسهم في نهاية مشوارهم الفكري، عندما يشعرون بأنهم يجب أن ينظموا ما قالوه خلال سنوات نشاطهم الفكري الطويلة. أيضاً تطورت «صحافة الفويّتون» كثيراً في القرن العشرين، لتتحول إلى مجلات فكرية موجّهة للجمهور العمومي، يكتب بها كبار المفكرين والأكاديميين، تقود وتحدد معظم السجالات الفكرية الكبرى في الحيز العام، وهو تقليد ما يزال حاضراً بقوة في كل الدول الغربية، وخاصة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. في العالم العربي وجدت دائماً ملاحق ثقافية، ومجلات فكرية وأدبية، إلا أنها تنشر «مقالات» و»دراسات» فقط، وهذا قد لا يكون مجرد اختلاف في المصطلح، أو مشكلة في الترجمة، بل ربما يكون تعبيراً عن اختلاف فكري وثقافي أعمق.
المعلوم بالضرورة
قد تكون الإجابة التقليدية عن سؤال الإيسي في السياق العربي هو عدم اكتمال الشروط الاجتماعية والتاريخية لتطور واستقلال هذا النوع الكتابي، فهو يتطلب حيزاً عاماً، ومجتمعاً مدنياً، يتوسّط بين الأسرة والدولة، ومدناً صناعية أو بعد صناعية، ومؤسسات متينة، وطبقات اجتماعية لها ذواتها السياسية المستقلة. إلا أن هذا وحده لا يفسّر ضعف الإيسي، من ناحية المصطلح والممارسة، فكثير من الدول، التي عانى سكانها من الفقر، والاضطراب السياسي، والعنف الاجتماعي المنفلت، عرفت هذا الشكل الفكري/الكتابي، بل كان أساساً في صراعاتها الثقافية والاجتماعية، وساهم ببروز تيارات فكرية كانت لها أصداء عالمية، وذلك واضح في عدد من الدول الآسيوية واللاتينية، بل حتى الافريقية.
تتطلب الإيسي إعادة رسم العلاقات، وتكثيف اللحظات الزمنية، لكشف أمر جديد عن الشرط الاجتماعي، وإعادة بناء الممكنات، والعوامل المتفلّتة من التصنيف الهوياتي، وكل هذا يشترط جرأة في نقض الإجماع، والمقولات المستقرة، في ما يبدو أن جانباً كبيراً من ثقافتنا المكتوبة ينطلق من «المعلوم بالضرورة»، وذلك «المعلوم» ليس دائماً وحياً أو ديناً، بل قد يكون «ثوابت»، أو «قضايا عادلة»، أو «معارك تاريخية»، أو «رفضاً للترفّع عن ثقافة الناس». ثم يتم تطبيق «المعلوم بالضرورة» على الوقائع والتفاصيل الجزئية، لإعادة إدراجها تحته، أي يصبح كل شيء مجرد «مثال» عن المقولة المعلومة قبل البدء بالتفكير والكتابة.
يظهر هذا، بشكل أقرب للمحاكاة الساخرة، في بعض المقالات التي يُفترض أنها تستنسخ مناهج نقدية غربية، فنحن نعلم بالضرورة أن هنالك ظالماً هو الغرب، أو الإمبريالية، أو التحديث الاستعماري، أو حتى «الاستبداد»؛ ومظلوماً هو «نحن»، وما علينا إلا أن نطبّق هذا على أي شيء وأي واقعة، معاصرة أو تاريخية، لنكشف «علاقات القوة والهيمنة»، وهي ليست إلا أنه تم ظلمـ»نا»، واستلابـ»نا»، بالطبع هذه الـ»نحن» غير مُناقشة أصلاً، لأنها معلومة بالضرورة منذ البداية: نحن من وقع علينا الفعل، ونعيش «رد الفعل».
لهذا النمط من التفكير جذور طويلة، تتعلق بنمط التحديث العربي نفسه، وطبيعة دول ما بعد الاستقلال، ومشاريع التحرر الوطني، إلا أنه يستمر بإلحاح مريب، وكأنه لا يوجد شيء آخر لقوله، وبات «مؤسسة»، مدعومة بتقليد خطابي واسع ومترسخ، تنتج تكراراً نمطياً لتلك المقولات.
لا تبدو المشكلة بعدم وجود حيز عام، فذلك الحيز ليس مساحة فارغة، توجد ثم نعبئها بمساهماتنا، بل هو مُتَضمَّن في لغتنا نفسها، التي نوصّف بها الواقع، ونتبادل الأفكار، وننتج المعايير، ونمارس النقد. ربما المشكلة أن هنالك إصراراً من «فاعلين» متعددين، على أن لا يقولوا شيئاً فعلاً، وهذا متوقع ما دمنا مضطرين لوضع كلمة «فاعلين» بين قوسين، ألا تصر الإنشائيات العربية أن ما نقوم به هو «ردة فعل» على حتميات ومظالم ما، معلومة بالضرورة؟
لا توجد ترجمة لـ»إيسي» لأننا لا نحتاج تلك المفردة، وهذا قد يكون منطلقاً لكتابة كثير وكثير من «الإيسي» عن أسباب انعدام الحاجة هذا، ورسم روابطه وعلاقاته مع كثير من بنانا الاجتماعية والثقافة الراهنة، ما قد يوصلنا إلى رؤى واكتشافات مهمة، ولذلك فربما يكون هذا التوتر وعدم قابلية الترجمة أمراً مثمراً، ومنطلقاً لكثير من التفكير النقدي. نعم، لسنا بحاجة للمطالبة بترجمة معتمدة لكلمة Essay.