الذكرى الثالثة والثلاثين لاغتيال الثائر الشيوعي الكوردي في كوردستان تركيا والمثقف الشهيد موسى عنتر، الذي قال يوماً للفاشية التركية:
إن كانت لغتي تهزُّ أركان دولتكم، فاعلموا إذن أنكم شيَّدتم دولتكم على أرضي.
اغتيال موسى عنتر: حكاية الرصاص والخيانة
“ذاب الثلج وبان المرج”.. جملة تختصر كيف تكشّفت خيوط اغتيال الكاتب والسياسي الكردي موسى عنتر في 20 أيلول 1992 بمدينة ديار بكر.
لوقت طويل، انحصر الحديث في شخصين متورطين، لكن ما ظهر لاحقًا بيّن أن العملية لم تكن سوى حلقة من شبكة أعقد، تديرها أجهزة ظلّ وجماعات مرتزقة صنعتها الاستخبارات التركية.
الرجل الأول: “يشيل”.. لغز تركيا الدامي
هو مرتزق يعمل مع الاستخبارات التركية (الميت) منذ عام 1977.
أحد أبرز وجوه المافيا والجرائم الغامضة.
منفذ تفجير السيارة المفخخة أمام معسكر حزب العمال الكردستاني في دمشق، في محاولة لاغتيال عبد الله أوجلان.
مسؤول عن تسليم شمدين ساكيك عام 1998.
أقنع هوكر (جميل إيشيك) بالانشقاق عام 1992.
شكّل مع العقيد جم إرسفر مجموعة خاصة من المنشقين عن الكريلا، مُنحت كامل الصلاحيات: اغتيال، خطف، ترهيب، قمع.
كانت سلطته تتجاوز الجنرالات أنفسهم. رفض أوامره يعني الموت أو النفي، حتى داخل أروقة الاستخبارات.
عُرف بأسماء مستعارة: يشيل، أبو لحية، متين.. لكن اسمه الحقيقي: محمود يلدريم، كردي من مدينة بينغول.
الرجل الثاني: من بطل إلى خائن
بعد استشهاد عكيد معصوم قورقماز، لمع نجم قائد كردي شاب. قاتل في ماردين ثم بوتان، حتى صار رمزًا، تمنح قصصه القوة للأطفال قبل النوم.
قاتل بشجاعة ثلاث سنوات.
حاز ثقة المؤتمرات الحزبية، وكُرّم بقلم ذهبي.
لكن هذا البطل هرب أثناء تحضيرات المؤتمر الرابع عام 1990. استقر في دهوك حتى 1992، قبل أن يقع في فخ الميت التركي. جرى استقطابه إلى شبكة المرتزقة، ليصبح جزءًا من آلة اغتيال تطارد المثقفين والسياسيين الكرد.
ليلة 20 أيلول 1992: كيف قُتل موسى عنتر؟
اجتمع هوكر، حميد شرناخي، يشيل (يلدريم) ورجل آخر، مع العقيد جم إرسفر وامرأة جاءت من أنقرة خصيصًا.
المقر: دائرة تابعة للاستخبارات التركية في ديار بكر.
الحضور: حتى عبد القادر أيكان أُمر بعدم العودة إلى منزله.
طلب هوكر من حميد شرناخي أن يستدرج موسى عنتر من الفندق. رفض عنتر المجيء في البداية، فأُعيد الطلب بحجة “حديث خاص مهم”.
لكن شرناخي قرر إنهاء الأمر بنفسه:
> “في منتصف الطريق بدأ يصرخ ويشتم، فأطلقت عليه الرصاص وتركته هناك.”
ألقى سلاحه في برميل قمامة، ليغلق صفحة كاتب كبير بدم بارد.
سقوط الخيوط بعد الجريمة
هوكر (جميل إيشيك): قُتل في ألمانيا عام 1993 على يد حزب العمال.
جم إرسفر: وُجد مقتولًا في تركيا، معصوب العينين، مكبّل اليدين، في ظروف غامضة.
يشيل (محمود يلدريم): مفقود منذ أكثر من عشرين عامًا، لا يُعرف إن كان حيًا أو ميتًا.
عبد القادر أيكان: خرج من الدائرة، ليعيش في السويد مع عائلته، بينما اسمه الحقيقي “ميت” رسميًا في تركيا.
من هو عبد القادر أيكان؟
كردي من قرى سروج.
قريب لعبد الله أوجلان.
أصيب في أضنة على يد فاشيين، وزاره أوجلان في المستشفى.
شارك في معسكرات سوريا ولولان، وكان حاضرًا في تحضيرات قفزة 15 آب 1984.
سلّم نفسه عام 1985، وأُقنع بالعمل مع الميت باسم مستعار، فيما أُعلن استشهاده بالاسم الحقيقي.
يبرر خيانته بالقول:
> “لم يكن لدي خيار آخر.. إما الاستسلام أو قبر مجهول.”
شبكة من الدم والخيانة
سبعة قادة سابقين، مع يشيل والعقيد إرسفر، شكّلوا شبكة أخطر من أي وحدة عسكرية نظامية. يقفون وراء:
مئات الجرائم تحت مسمّى “فاعل مجهول”.
اغتيالات كتّاب وسياسيين.
خطف واغتيال رجال أعمال.
جرائمهم لا تزال تحتاج إلى تحقيقات دقيقة، كي يُكشف مصير المفقودين وتُرفع الحقيقة من بين ركام الخوف.
خاتمة: حرب لم تكن عادية
الحقيقة المرة هي أننا لم نحارب الجيش التركي وحده، ولا مرتزقة “حماة القرى” فقط، بل كنا نحارب من شاركنا الخيمة، الصحن، البطانية، واللحظة.
كانت حربًا لا تُشبه الحروب: حرب حياة أو موت، كل ساعة، بل كل لحظة.
ويبقى السؤال معلقًا: كيف عشنا.. وكيف ما زلنا نعيش حتى الآن؟