-
رانيا الحاج قاسم، رحاب منى شاكر، صَبا نجد، منار شعبوق، منى مهدية الفريج، هدى الجوادي، يارا نصيرالجمهورية .نت
-
-
-
في أحد اجتماعات «بيت النرجس للمعرفة النسوية» قدّمت الزميلة عفراء جلبي ندوة بعنوان «الكتابة للتشافي والإبداع». وقد نتجت عن هذه الندوة «مجموعة كتابة» مؤقتة. في تلك المجموعة تبادلت العضوات الأسئلة والتمارين والدعم، ومن بين الأسئلة التي طرحناها على أنفسنا: «كيف هي النسوية (السورية) اليوم؟ وما هو دروي فيها؟»، وقد أجابت كل عضوة من منظورها الخاص، وعقدنا ندوة أخرى لمناقشة النصوص التي كتبناها حول هذا الموضوع، وعن تلك الندوة نتجت فكرة أن نجمع بعض النصوص في مقالة ونحاول نشرها، كي نحفظ شغلنا، ونثير النقاش مجددًا حول هذين السؤالين. وكما سترون، فإن النصوص تطرح رؤى تنطلق من تجارب حياتية تتشابه بقدر ما تختلف، وتُبيّنُ كيف تَنتجُ النظرية عن الحياة، فتعكس تنوع النسوية نفسها، على أمل أن تدعو هذه المقالة الجماعية إلى مزيد من التفكير والعمل على الموضوع.
أسماء الكاتبات أعلاه بحسب الترتيب الأبجدي.
تكتب رحاب منى شاكر:
كيف هي النسوية (السورية) اليوم؟ وما هو دوري فيها؟ لكي أتمكن من الإجابة على هذين السؤالين، أحتاج بداية أن أعود بذاكرتي إلى المراحل التي مرّت بها تعريفاتي للنِسوية. من زمان كنتُ أقول «إن النِسوية ليست أن تمتلكي الحساسية العالية حيال الظلم الذي يطالكِ كامرأة فحسب، بل كذلك أن تمدّي يد العون لامرأة أخرى على الرغم من نجاحها وفشلها»، أي أني وضعتُ الأُختية في قلب النِسوية. لاحقًا ومع اكتشافي إشكاليات الأُختية، العملية والنظرية (في السياق السوري)، صرتُ أميل إلى أن الأُختية مرحلة متطورة من النسوية، أي أن النسوية سوف تفضي إلى الأُختية وليس العكس. فرُحتُ أربط النسوية بالعمل أكثر، وأقول إن النسوية تبدأ حين نريد أن نغيّر هذا العالم، أي أن المشاعر والمعرفة الفردية تحتاج أن تتحول إلى نشاطية جماعية تهدف إلى تغيير بنى المجتمع الذكورية العميقة. وقد فتحت هذه النشاطية آفاقًا لفهمي للواقع عبر التصادم ببناه الصلبة. فأدركتُ شيئًا فشيئًا أن التغيير لن يتحقق إلا عبر إطلاق الطاقات «الأنثوية» في جميع مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية والدينية وغيرها. أقول «الأنثوية»، وليس بالضرورة النسائية، لأن المكوّن الأنثوي مشوّه لدى معظم النساء ومقموع لدى معظم الرجال. المكوّن الأنثوي هو الذي يجعلنا أكثر ميلًا إلى التعاون من التنافس على سبيل المثال. إن ردَّ الاعتبار للأنثوي فينا جميعًا، وتحقيقَ التكامل بين القيم الذكرية والقيم الأنثوية، سوف يُعبّد الطريق للعمل والبناء والإبداع. هناك من يقول إن الترجمة العربية الصحيحة لكلمة (فيمينزم) هي «الأنثوية»، وليست «النسوية».
قد لا تجد هذه التعريفات (المؤقتة) الصدى ذاته لدى أشخاص بخلفيات وتجارب مختلفة، ولكن التعبير عن تجربتي بأفكار وصَبَّها في كلمات، يساعدني غالبًا في توجيه ممارستي ووعيي لدوري ضمن الصورة الأكبر. لذلك السؤال الذي يطرحُ نفسه عليّ اليوم: ولكن أين نحن اليوم من هذه الأُختية والنشاطية والأنثوية في سوريا؟ الحقُّ أني لا أُلاحظ شيئًا ملموسًا من كل هذا، لا قبل سقوط النظام الأسدي ولا بعده، بل ثمة ملامح انقسامات تحصل على كثير من الجبهات، حتى في صفوف النساء. وانطباعي أن هناك تَراجُعًا في النشاطية النسوية كذلك: كثيرات اللواتي انضممنَ في العقد الأخير إلى الحركة النسوية كنوع من التعويض لحالة الاستنقاع السياسي العام، فوجدنَ فيها مدخلًا لبناء مساحات عمل جديدة، وها هي أولوياتهنّ تتغير، فيوجّهنَ اهتمامهنَّ من جديد إلى خارج الحركة. هذا فضلًا عن الإقصاء الذي يطال معظمهنَّ ضمن ظروف السلطة الجديدة. يبدو أن النسوية تزدهر بخاصة حين تكون السلطة في أزمة كبيرة! أما بالنسبة للنسوية كأنثوية، فلا داعٍ للتأكيد على أن قليلين هم المنتبهون إلى أبعادها الإيجابية. العنف بجميع أشكاله ما زال منتشرًا، وحتى النخب الثقافية مخيبة للآمال جرّاء قلة اكتراثها بالسلم الأهلي، وبدلًا من أن نشارك كنسويات في تفعيل آليات الإصغاء والحوار والوساطة والحماية، نستسلم أحيانًا للاستقطابات، وقد تدفع بعضنا باتجاهها.
هل هناك نسوية ما قبل أختية، وما قبل نشاطية، وما قبل أنثوية إذن؟ هل هناك طبقة أعمق وأكثر جذرية يمكننا البناء عليها؟ ربما يساعد في نبشها اليوم أننا بتنا نعمل ونتواصل ضمن شبكات هشّة غير قادرة على تمويه الحقيقة. رويدًا رويدًا، وتحت تأثير القراءات والتجربة والخيبات الشخصية والعامة، بدأتُ أستوعب بأن النسوية ينبغي أن تشمل كل ضروب العناية بالحياة، وكل ما يجعل العيش الطيب مع الذات والآخر والطبيعة ممكنًا. الممارسات الصغيرة والقريبة والتحتية هي نقطة الانطلاق لمن تعتني/ يعتني بالحياة، فنبدأ حرفيًا من الأرض التي نقف عليها، على أمل أن يمهّد الشغل على الصغير والقريب والتحتي للتضامن النسوي اللازم للّقاء على مستويات أعلى تطمح إلى تغيير وجه العالم.
ومن هنا تأتي أهمية أن تشرع النسويات السياسيات بالتفكير بتأسيس حزب نسوي-بيئي سوري على المدى المتوسط، حزب يتكون في المراحل الأولى من سبعين بالمئة من النساء النسويات، وثلاثين بالمئة من الرجال الداعمين لقضايا النساء والبيئة، ويشتغل على مستوى القرى والمدن الصغيرة والكبيرة والمحافظات والدولة. حزب يخطط أن يدخل الانتخابات يومًا وينجح فيها، ويكون من أهم أهدافه تعزيز مشاركة النساء في السياسة على شتى المستويات، والتي ينبغي أن تؤدي إلى إدخال مفهوم العناية بالحياة في التعليم والسياسة والمجتمع. قد يبدو الأمر خيالًا علميًا، ولكن كل واقع بدأ أولًا في الخيال.
ومن جهة أخرى قد يَطرحُ السؤال التالي نفسه: لماذا أربطُ العناية بالحياة بالنسوية، وليس بالإنسانية مثلًا؟ أسمحُ لنفسي بذلك مؤقتًا، لأن الخطوة الأولى نحو العالمِ الحلم ما زالت تكمن في تفعيل دور النساء والأنوثة، ولا ضير من إظهار ما طال غيابه وتغييبه عمليًا ورمزيًا ولغويًا، وحالما تُحقق النِسوية أهدافها، سوف تلغي نفسها بنفسها.
أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال «ما هو دوري؟»، فانطلاقًا من رؤيتي الحالية وظروفي الشخصية، أتصور أن يكون تطبيقي الأساسي ضمن الدائرة المقربة مني، عالمي المباشر. حسابات طفيفة تخبرني بأن الأثر الأكبر لأي سلوك من قِبَلي سوف يظهر أول ما يظهر في محيطي، وفي الناس الذين أحتاجهم ويحتاجونني، هنا قلب الحياة، وينبغي ألا أستهينَ بتأثيري فيه، فأواصلَ زرع الكلمات والأفعال والأماني قدر الإمكان. وانطلاقًا من هذه الدائرة الصغيرة سوف أنظر إلى الدائرة الأوسع، واعية لموقعيتي المتنامية ببطء. ولا أدري لحسن الحظ أم لسوئه، فإن أمورًا كثيرة جدًا يمكن فعلها، وربما لذلك ينبغي التركيز على أدواتي (الترجمة وبعض الكتابة، والنشاطية المعرفية النسوية) بالدرجة الأولى.
مرّت نسويتي، نظريًا وعمليًا، بعدة مراحل إذن. واليوم لا أجد أنها أُختية أو نشاطية سياسية ومعرفية أو إحياءٌ للأنثوية فقط، هي كل هذا، ولكنها قبل كل شيء سلوك يعتني بالحياة عن قرب.
تكتب منى مهدية الفريج:
كثيرًا ما أتساءل وأنا أراقب المشهد السياسي والتحولات التي تحصل في سوريا: هل لدينا حركة نسوية وأين تقف النسوية السورية اليوم؟ وهل استطاعت أن تصبح قوة قادرة على الدفاع عن النساء في مواجهة المجتمع والسلطة معًا؟
من وجهة نظري، لا أعتقدُ أن لدينا اليوم حركة نسوية سورية قوية بالمعنى الذي نحتاجه مع التحوُّل السياسي الجذري الذي حصل مع سقوط نظام الأسد. لدينا طبعًا نسويات شجاعات يكتبنَ ويتحدثنَ ويدافعنَ عن حقوق النساء، وبعضهنّ يدفعن ثمن مواقفهنّ من سمعتهنّ وحياتهنّ وعلاقتهنّ بمجتمعاتهنّ. غير أن الشجاعة الفردية لا تكفي، مهما كانت كبيرة، وهذا ما قرأناه عن الحركات النسوية في العالم الغربي والعربي.
جلّ ما نفتقده اليوم في سوريا هو وجود إطار نسوي حقيقي في مواجهة السلطة التي ترى في المرأة عورة وتعمى عن نضالها أو نجاحها. نحتاج إلى إطار نسوي قوي يحمي هؤلاء النساء اللواتي يرفعنَ أصواتهنّ، ويمنحهنّ سندًا حين يتعرضنَ للهجوم أو التشهير أو التحريض عليهنّ. لا ينبغي أن تكون النِسوية مجموعة من الأصوات المتفرقة، بل مساحة تضامن، وموقفًا جماعيًا، وقدرة على الدفاع عن كل امرأة تتعرض للاستهداف بسبب رأيها أو نضالها.
النسوية السورية بحاجة إلى مراجعة نفسها، لا لأن مبادئها خاطئة، بل لأن واقعنا قد تغيّر، والتحديات التي تواجه النساء تغيرت أيضًا مع تغير طبيعة الاستبداد، من نظام يدّعي العلمانية من دون أن يطبقها، إلى سلطة جديدة ذات طابع إسلامي متشدد. نحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات إذن، وإلى خطاب أقرب إلى الناس، خطاب يستطيع أن يشرح لماذا ترتبط قضايا النساء بحياة المجتمع بأسره، لا بحياة النساء فقط.
نرى اليوم توجهات متعددة داخل النسوية السورية، هناك نسويات راديكاليات، ونسويات تقاطعيات، ولدينا كذلك من تتحدث باسم النسوية دون أن تتبنى جوهرها الحقيقي. بالنسبة لي، ليست النسوية أن نؤيد كل ما يقال باسم النساء، وهي ليست هوية أو وصفًا نطلقه على أنفسنا، بل موقفًا واضحًا في الدفاع عن حقوق النساء في اختيار أين يتواجدنَ وكيف يظهرنَ وماذا يلبسنَ وهل يجلسنَ في الصفوف الأمامية أم الخلفية في الأماكن العامة، وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بحرية حركتهنّ، وفي الدفاع عن مساواتهنّ مع الرجال في الحقوق والواجبات وفرص الحياة الكريمة.
كابنة لمدينة الرقة، أشعر بأن مسؤوليتي مضاعفة، لأنني عرفتُ واختبرتُ المجتمع في كيفية ملاحقته للنساء. لذلك سأبقى أدافع عن حقوق النساء، رغم إدراكي للكلام والأذى الذي سيلاحقني وربما سيلاحق أسرتي جرّاء ذلك. وسأظل أرفض أي محاولة للانتقاص من مكانة النساء أو إقصائهنّ عن الحياة العامة. وطبعًا لا يقتصر دوري على التعبير عن رأيي، بل يمتد إلى تشجيع الأخريات على ألا يخشينَ أصواتهنّ. لأن الخوف والعزلة هما أكثر ما تحتاجه السلطات والمجتمعات المحافظة ذات الطابع العشائري والقَبَلي كي تستمر في فرض الوصاية علينا.
من وجهة نظري، يبدأ الاستبداد دائمًا من السيطرة على النساء، لأن المجتمع يتسامح مع تقييد حقوقنا أكثر من التسامح مع تقييد حقوق الرجال. يبدأ الاستبداد عندما تُقنعنا السلطة أو المجتمع بأن قضايا النساء ليست أولوية، وأن المطالبة بحقوقنا أمر يمكن تأجيله أو التغاضي عنه الآن. يبدأ الاستبداد عندما يصبح جسد المرأة ولباسها وصوتها أول ما يخضع للرقابة، بينما يطلب من الجميع الصمت بحجة أن هناك قضايا أكبر.
لهذا، فإن الدفاع عن النساء ليست قضية هامشية، بل هو دفاع عن الحرية نفسها. المجتمع الذي يقبل بإقصاء النساء أو تقييدهنّ، سوف يتقبل لاحقًا تقييد الجميع وهذا ما يسعى إليه المستبد. أما المجتمع الذي يدافع عن النساء، فهو في حقيقة الأمر يدافع عن حق كل إنسان في أن يعيش حرًا، دون وصاية أو خوف.
تكتب صَبا نجد:
النسوية اليوم!
كنتُ ذات مرة في جلسة حوارية حول العنف القائم على النوع الاجتماعي، وقد كان مِن الحضور مَن يُعرّفون أنفسهم بكونهم من روّاد النسوية. طرحتُ وقتها فكرة حول نزع العنف المعنوي والرمزي من التربية والمجتمع، وبخاصة ذلك الذي يقع على عاتق الذكور قبل أن يصبحوا رجالًا وفق المفهوم المجتمعي، فالمجتمع السوري بصفته جزءًا من المجتمع العربي والعالمي يُرَقّي ذكورَهُ إلى رجال عندما تتبلور في أذهانهم وأجسادهم فكرة ضرورة الهيمنة والتحكم بكافة الوسائل وخاصة العنف. الأكثر رجولة وفق ميثاقهم الضمني هو الأكثر قدرة على حماية أسرته. ومفهوم الحماية مرتبط غالبًا بالعنف واحتكار القرار، إذ تكاد لا تخلو عائلة أو قبيلة أو منطقة من وجود رجل يسعى للهيمنة عليها واحتكار القرار عن الجميع لنفسه وفق ما يرى أنه صالحهم أو صالحه وحده، وذلك كلٌ بحسب سياقه.
استهلكت الجلسة ثلاث ساعات، ولم يكن غريبًا أن بعض الرجال، الذين عَرّفوا أنفسهم كداعمين لقضايا النساء أو نسويين، قد طرحوا أفكارًا مثل : ضرورة تعلم النساء الفنون القتالية وضرورة تسليح النساء وألا يبقى حكرًا على المستخدمين من الرجال، وأن السلطة عبارة عن شهوة إنسانية يصاب بها الرجال والنساء مقدمين أمثلة عن غولدا مائير وزنوبيا وكليوبترا، وأغلبهم كان ينهي الحديث بنكات مثل «أضحى من اللازم أن يطالب الرجال بحقوقهم من النساء»، «وعلى الرجل اليوم أن يتحجب جراء كثرة النساء وهجرة الرجال»، «اعتلوا قناني الغاز وكياس الطين إذن، مو بدكن مساواة!».
كلها تعطي انطباعًا حول جدية الرجال السوريين في التعامل مع القضية النسوية السورية، وفق ما رأيت: هناك رجال يؤيدون النسوية كجزء من نظرتهم العرفية تجاه النساء، بحيث أن كل تَجمُّع نسائي هو جيد ونحن معه بغض النظر عن الأفكار المطروحة، يكفي أنه للنساء، وهناك آخرون يرفضونها، لأنهم يرون أن المساحات النسوية هي مساحات انحلال الأعراف والقيود الجنسية المجتمعية الخاصة بالنساء، دون أدنى توقع عن وجود حتمي لبدائل نوعية فردية خاصة بكل منهنّ.
وثمة أيضًا فئة ثالثة قد تجد العمل السياسي مع البنى النسوية أقل خطرًا، مع خلفية اعتبارية حول سهولة التأثير على النساء والتحكُّم بقرارهنّ كجماعة واستخدامهنَّ لمشروع سياسي لم يقنع هياكل سياسية أخرى أغلبها من الرجال، وبالطبع هناك بعض المجموعات من الرجال التي ترى ضرورة وصول النساء إلى مواقع صنع القرار ومشاركتهن في الشأن العام، غير أن الإجابة على سؤال «كيف يصلن؟» غالبًا ما تكون من خلال بنى غُيِّبَت عنها النساء أثناء تشكيلها.
وهناك فئة أخيرة وهي الأوسع مع الأسف حتى اليوم، والتي ترى أن النساء والنسويات وكل ما له علاقة بالمرأة مُستنكَرًا ومرفوضًا، وتسعى لتحويلها من حالة إنسانية حيوية إلى حالة مادية جامدة يسهل نقلها والتحكم بها وإزالتها بشكل شبه تام من الشأن العام وحصرها في الخدمات المنزلية.
إن التوصيف السابق يُقدِّمُ تحليلًا لمعظم فئات الرجال في المجتمع الذين نسجوا تشكيلاته وبناه وأعرافه وتموضعَ النساء فيه، وبناء على هذه الخلفية تظهر أغلب المشاكل والقضايا التي تعاني منها النساء اليوم في المجتمع، ويأتي دور النسوية السياسية السورية في تفكيك هذه البنى العرفية وإعادة تشكيل «وعي المساواة الإنسانية»، والتي لا تساوي الرجال بالنساء فقط، بل تساوي الرجال بين بعضهم وبين العُصَب الدموية التي شكلوا معظمها، والتي غالبًا ما تتناحر اليوم على هيئة طوائف وقبائل وعائلات نتيجة تَطرُّفها في نظرتها للحياة الاجتماعية من منظور جنسي.
الذكوريات والمهاجرات جندريًا في المجتمع السوري
من الأهمية بمكان أيضًا أن نُعيد تعريف النساء اللواتي يُطبِّعَن مع فكرة تفوق معظم الرجال على النساء، وأحقيتهم في صناعة القرار والمشاركة في الشأن العام، ويؤكدنَ على حصرية دورهنّ كنساء في الخدمات المنزلية فقط، وقبول كل ظروف الاضطهاد أو الرفاه الناتجة عن ذلك بصفتها حتمية و«قَدَرْ ونصيب»، والمساهمة في صناعتها. إن هؤلاء النسوة يتصرّفنَ مثل الرجال التقليديين في المواقف التي تتطلب انحيازًا عادلًا وحقوقيًا وأخلاقيًا لجنسهنّ وما يقع عليه من اضطهاد. وفي هذه الحال يُهاجرنَ من دورهنّ الجندري مؤقتًا، بالإضافة على عدم حيازتهنّ مكتسبات دَور الرجال الذي يَلعبنه مؤقتًا. وتجدرُ الإشارة إلى أن هذه الشريحة لا بدَّ أن تكون لها أولوية لدى النسويات لتوضيح موقع المهاجرات جندريًا داخل البنى العرفية الإقصائية، وكيف يُساهمنَ في ترسيخ البنى العرفية الذكورية والانحياز لها والتي لا تزيد إلا من اضطهادهنّ.
بالنسبة لي، أجد أن دور كل نسوية يتمركز حول مواجهة التحديات الذاتية كمَسيرة قد تكون ملهمة لغيرها من النسويات السوريات، والانحياز العادل لقضايا النساء، وترسيخ صورة المرأة القيادية المؤثرة وصانعة القرار سواء على الصعيد الفردي أو العائلي أو المجتمعي والوطني، وتوضيح خطورة احتكار القرار من قبل معظم الرجال في سوريا وخطورة الانزلاق المستمر في الحروب العصبوية بين بعضهم واستمرارهم على نهجِ أغلبهم التاريخي حتى اليوم والذي غلبت عليه الإدارة الدموية للبلاد، بحيث وصل المجتمع إلى الفشل الذريع في طرد العنف خارج البنى والمؤسسات اللازمة لتأسيس الوحدة القانونية السورية «الدولة»، وترسيخ مُشترَكات الأمان وضمان استمرارها واستقرارها. لا خلاص قريباً للبلاد من المستنقعات العصبوية والدموية إلا بوصول معظم النسويات إلى أغلب مواقع صناعة القرار، وقيادتهنّ لمرحلة انتقالية رعائية أصيلة.
تكتب رانيا الحاج قاسم:
يشهد الواقع النسوي السوري تعقيدًا خاصًا فرضته سنوات الحرب التي مرت بها البلاد، والتي كان لها الأثر الأكبر على النساء بخاصة. خلال هذه الحرب تطورت الحركة النسوية بأشكال متعددة داخل البلاد وخارجها حسب اختلاف السياق الذي يعشنَ فيه والحرية الممنوحة لهنّ والمصادر المَعرفية المتاحة. ففي الداخل تطورت النسوية كمُبادَرات محلية حقوقية وخدمية تعمل ضمن قيود أمنية واجتماعية واقتصادية كبيرة، مما أثّرَ على شكل خطابهنّ وأدوات العمل وسقف مطالبهنّ. أما في الخارج، فقد نشأت شبكة واسعة من الناشطات في تركيا ودول أوروبا وغيرها، حيث أسَّسنَ منظمات وشبكات نسوية حقوقية كان لها دور كبير في المناصرة الدولية وتوثيق الانتهاكات والمشاركة في العملية السياسية. هذا الاختلاف في السياق والتوجُّه أحدثَ بعض التبايُن في الرؤى والأولويات، كما أن غياب التواصل المباشر أضعف التنسيق، وجعل القرارات والمشاريع (الممولة في غالبيتها) تُؤخَذ من دون مشاركة فاعلة للداخل، مما جعل نسويات الداخل يشعرنَ بقلة الحيلة إزاء الواقع المتردي. ولكن من ناحية أخرى يمكننا فهم هذا التباين بين نسويات الداخل والخارج كفرق في الخبرات والتجارب أكثر منه خلافًا حول الجوهر، ذلك أنه ثمة العديد من نقاط التلاقي، كاتفاقهنَّ حول وجوب الحدِّ من العنف ضد النساء.
ولكي نتجاوز هذا المطب يجب العمل على توحيد الجهود ودعم النسويات السوريات في الداخل قدر الإمكان، كيلا تتحول الحركة النسوية إلى حركة شتات في الخارج قائمة على النظرية بشكل أساسي، مع جهود متفرقة فردية في الداخل، بل حركة شعبية في الداخل لها مُناصِراتها والمنتميات إليها في كل مكان، وليس المُتخوِّفات منها والمُرتابات من أفكارها والمُشكِّكات بنواياها.
من هذا المنطلق تقع المسؤولية علينا كنسويات الداخل بأن نبني شبكات محلية قوية، بحيث يصبح للحراك النسوي وجود وتأثير داخل المجتمع المحلي بدلًا من الاعتماد الكلي على الدعم أو التخطيط أو التوجيه القادم من الخارج. كما ينبغي تصحيح هذه العلاقة والانتقال إلى الشراكة الحقيقية بدلًا من أن تُمثِّلَ نسويات الخارج نسويات الداخل. ويحصل هذا من خلال بناء قنوات تواصل مباشرة على شكل مجموعات عمل مشتركة وورش واجتماعات تضم نسويات من الداخل والخارج على حد سواء، بهدف الوصول إلى إنتاج معرفي يستخدم لغة مشتركة في الخطاب العام. وفي كثير من الأحيان يكون نجاح الحوار مرتبطًا بوجود علاقات طويلة الأمد مبنية على الثقة، وليس فقط التواصل من أجل التنسيق للحملات أو أحداث معينة. كما أن الاعتراف بتفاوت الموارد وحرية الحركة بين الداخل والخارج والسعي لتقليل أثر هذا التفاوت من خلال شراكة متكافئة تسهم في بناء تعاون أكثر استدامة وإيجاد خطاب أكثر شمولًا وتمثيلًا لكل النسويات.
تكتب يارا نصير
النسوية السورية اليوم، محاولة تفكيك وإعادة بناء
لو طُرِحَ عليّ هذا السؤال منذ سنوات، لأجبتُ، في غالب الظن، إجابة مختلفة تمامًا. كنتُ، والله أعلم، سأتحدث بحماس عن النضال النسوي وعن سعيي الشخصي فيه. لكنني اليوم أجدني ميالة للتحدث من زاوية مختلفة، إذ أنني بت أرى خطابًا يسود منذ بعض الوقت لم يَعُد يناسب المرأة التي أصبحتُها اليوم.
أرى اليوم، حول العالم، تيارًا نسويًا مهيمنًا قائمًا على «نسوية الضحية»، وهو تعبير منحوتٌ من كامي باليا Camille Paglia، الأكاديمية والنسوية غير التقليدية، وأشعر أن بعض أشكال الممارسات والخطاب النسوي حولي يُجرِّدني من قدرتي واستقلاليتي وأحقيتي، ومن مسؤولياتي الذاتية، ومن تحمُّلي لتبعات أفعالي حتى عندما أخطئ. حينما أخطئ فهذا يعني أنني كنت حرة وأنه كان لدي خيار، ولا أرغب أن يُنتزَعَ هذا مني باسم ظلمٍ ما تعرضت له. أنا أيضًا قادرة على الظلم، ولا بد أنني ظلمتُ آخرين في حياتي. لست أفضل من أي أحد.
نعيش اليوم في عالم يميل أكثر فأكثر إلى ما يطلق عليه بالـ infantilazation أو طفولة المجتمع، أو تراجُع النضج النفسي. يكاد هذا يكون اليوم مرضَ العصر، كما يقول مختصون في علم النفس، وتبدو أهم مظاهره في رفض تحمُّل مسؤولية القرارات الذاتية، والميل نحو لوم شخص أو منظومة أو قانون ما. لا أعتقد أن النسوية بحد ذاتها، خاصة في موجتها الأخيرة بعد حملة «أنا أيضًا Me too» كانت في منأىً عن هذا، ليس فقط في السياق السوري ولكن أيضًا على مستوى العالم. كرّسَ هذا النظرَ للنساء على أنهنَّ ضحايا مُفرِطات الهشاشة، واتّسمت بسببه العديد من السرديات بالشكوى المستمرة ولوم المجتمع واستعداء الرجال، الذين أصبحوا مُطالَبين بتقديم شهادة حسن سيرة وسلوك، لكي يقال إنهم عصريون، أو نسويون، أو مقبولون في معايير المجتمعات المتقدمة الجديدة. سقطت بعض التيارات النسوية في فخ ما كانت تحارب ضده، وأصبحت أي محاولة لتحميل النساء نتائجَ أفعالهنّ وقراراتهنّ تُوصَم بوصفها «لومًا للضحية»، مُعيقة بالتالي مراجعاتهنّ وقدرتهنّ على فهم أنفسهنّ وخياراتهنّ وأخطائهنّ ودفع فواتيرهنّ المترتبة عليها، هذه المسيرة الضرورية للتعلم والنمو الذاتي.
تقدم كلٌّ من الكاتبتين والأكاديميتين كاميل باليا وكاتي رويف Katie Roiphe، اللتين تنتميان لما يعرف اصطلاحًا بمرحلة «ما بعد النسوية»، رؤية نقدية للتيارات النسوية المعاصرة، وتُصنَّفُ فلسفتهما غالبًا تحت ما يُعرَف بالنسوية المنشقة أو نسوية الاعتماد على الذات. قد لا أتفق مع كلِّ ما تقولانه، إذا أجد لديهنّ بعض الطروحات المتطرفة على الجانب الآخر، وإنكارًا أو تجاهلًا لاستمرار غياب العدالة بحق النساء، وبحق شرائح اجتماعية مهمشة، على مستويات عدة، إلا أنني بالتأكيد معجبة بشجاعتهنّ في رؤية الأمور من زاوية معاكسة. تعجبني فلسفة باليا حول ضرورة أن تتحمل النساء مسؤولية أفعالهنّ، إذ ترفض عقلية الضحية التي ترى أن بعض الحركات النسوية حبست النساء فيها، وتنتقد التيارات التي بنت هوية المرأة حول ظلم المجتمع الأبوي لها. رويف من جهتها تركز على رفض ثنائية الظالم والمظلوم، التي أَضرّت في رأيي بالرجال والنساء على السواء، وسَمَّمت العلاقات في المجتمع، في مقابل قبول العلاقات البشرية بكل تعقيداتها وبما فيها من حسنات وعيوب. تلخص هاتان السيدتان في هذه الأفكار، التي تصرفتُ قليلاً في صياغتها، نظرتي إلى طَيفٍ نَشِطٍ ضمن الحراك النسوي السوري، بما فيه تجربتي الشخصية في وقت ما.
قضيتُ وقتًا طويلًا من حياتي أشكو وأتهمُ الآخرين، وأتهمُ «المجتمع الذكوري المتسلط»، الذي أصبحت أُدرِك كم ساهمنا بدورنا كنساء في صنعه وتغذيته. لا زلت أرى الحاجة للكفاح المستمر في سبيل تحقيق العدالة، ولحماية النساء من العنف الذي لا زلنَ يتعرضنَ له على مستويات مختلفة، إلا أن العدالة اكتسبت منظورًا مختلفًا بالنسبة لي الآن؛ تبدأ الخطوة الأولى عندما ننظر إلى ذواتنا أولًا، بكل الخير والشر الذي فعلناه، ونفهم دوافعنا لذلك ونتحمل نتائجه، ونفهم علاقاتنا مع الآخرين أيضًا من هذا المنظور.
هذا ما أشعر برغبة في فعله اليوم أكثر من أي شيء آخر؛ إعادة النظر إلى العالم بعين جديدة أرى فيها نفسي على قدم المساواة مع بقية الناس، لا أَفضلَ ولا أَسوأ. تبَّنّي منظور المساواة هذا يجعلني أنظر أيضًا للرجال بعين مختلفة، لأفهمهم هم أيضًا بمعاناتهم وتحدياتهم وأخطائهم ومسؤولياتهم عن أفعالهم وأقبلهم كما هم، كما طالبت العالم مرة أن يقبلني كما أنا. فإذا كنا نرغب حقًا بالمساواة، ألا تعني المساواة في جوهرها ذلك؟
تكتب هدى الجوادي:
أذكر أني منذ صغري كنتُ أمقتُ حقيقة أني فتاة، لا أدري لماذا. ربما لإدراكي أن كلَّ من في عائلتي كانوا ينتظرون أن تكون البنت الرابعة صبيًا يسعد قلب والديه، أو أني سمعتُ منذ صغري ألقابًا كثيرة مثل حسن صبي، لأني لم أشبه الفتيات بنعومتهنّ وانخفاض أصواتهنّ أو حتى اهتماماتهنّ، أو لأن من حولي ظلوا يقارنونني بغيري أو بأخواتي؛ الفتيات الجميلات وأنا كنت أَسمرَهنّ.
ذاكرتي مُشوَّشة للعديد من الأسباب، لكن في أحد زواياها أذكر أنني أقسمت على نفسي أن أخالف ما حولي، أن أتمرد قليلًا وأعيش بحرية الصِبية. أحببتُ ألعابًا مختلفة وكرهت الباربي أو الدميات، أحببتُ ألعاب المعرفة وحل الألغاز، لا بل أحببتُ قراءتها، كنتُ أعتبر نفسي مثل لوزة، صغيرةُ وذكيةُ المغامرين الخمسة، لكني كنتُ أحسد تختخ سرًا، لأنه كان صبيًا ذكيًا يستطيع الخروج بسهولة في الليل والتنكر وخوض المغامرات الصعبة. كنت أقود دراجتي مثله وأعيش في بيت من طابقين، له حديقتان صغيرتان خلفية وأمامية مشابه لبيته، لكني بنت، فلم أخرج إلا لقيادة الدراجة على الرصيف، مع أن بعض النساء وَصفنني بأنني أَظلُّ في الشارع!
لا يقوم البلوغ بتحسين أي أمر، لأننا سنضطر إلى مراعاة ماذا نلبس وماذا نركب وفَهْمِ لماذا ينظر أحدهم إلى صدر النساء أو قوامهنّ المُنثني. توقفتُ عن قيادة الدراجة، وصرت أكثر مزاجية وعصبية، أغضب بسرعة، لأني أسمع كلمة «لا» كثيرًا. ازداد كرهي لكوني فتاة كثيرًا، لا أختلف شكلًا عن غيري، ولكني أختلف من الداخل باهتماماتي وأفكاري ورؤيتي لله والناس والعالم.
خلال حياتي الدراسية، سواء في المدرسة أم في الجامعة، لم أَكُن فتاة تهتم بشكلها كثيرًا كبقية الفتيات، ولم أعرف كيف أَنسجمُ مع غيري من الفتيات وخاصة الجميلات، فهنَّ يعرفَن ويبتكرنَ طرقًا للعناية بالبشرة والشعر والأظافر، الأمر الذي لم أُتقنه. كما كنتُ أنظر إلى الشباب الذين يستطيعون التعبير عن أنفسهم بسهولة وليسوا بين كماشتي التقاليد والدين، والتي تضغط علينا نحن النساء، أو ربما هم يعانون ولكن بطريقة مختلفة لم أتمكن من فهمها ذاك الوقت.
لطالما أحسستُ بالقيد إلى أن غادرتُ سوريا لدراسة الماجستير، لا أدري تمامًا ما حدث، لكني استطعت أن أكون راضية عن كوني امرأة، كان لي نصيب من فراغ واكتئاب وغضب وتقبُّل لما أنا عليه ومن بعدها أصبحت أرحّب وأفضّل الفضاءات النسائية، بإحساسي بالراحة لكوني بين نظيرات لا متنافسين؟ أو هكذا أردتها أن أتكون، ربما متنافسون ليست التعبير المناسب، بل أناس أُحسُّ بأفضليتهم وامتيازاتهم في الحياة. أظن أني شعرت بمساواة واقعية بيني وبين الرجال خارج سوريا أكثر من داخلها، ربما أحسست أنه لا قيود تكبلني فأنا حرة، أستطيع فعل ما أريده، ولبس ما أريده، وتجربة ما أريده، وإرادة ما أريده. على الأرجح بأن القوانين هي التي حفرت ذلك نوعًا ما في المجتمع.
عندما أفكر بعمق في السبب الذي جعلني أتقبّل كوني امرأة وأسعدُ بأني إياها، أظن أن ذلك حدث حتى قبل تركي سوريا. حين قطعت الثلاثين من العمر، حدثت قفزة في حياتي وتفكيري ووعيي وإدراكي، اكتسبتُ حكمة لم أستطع تحديد مصدرها تمامًا، لكن العمر يلعب دورًا كبيرًا فيها، واكتسبتُ رضًا وقناعة، بأن هذه هي حياتي، ولا جدوى من تضييعها على ما كان وما كان يجب أن يكون، عدت خطوة إلى الوراء وانصبَّ تركيزي على محاولة فهم أسباب ما أنا وعائلتي عليه، والرضا بالقسمة، وهذا منحني راحة كبيرة، فلقد تملّكتُ ما يميزني، وصرتُ أفخر به عوضًا عن الخجل والتراجع إلى وراء ما وُصِمنا به. ما أحسستُ به لم يجد قوة ومكانًا ليتجسد حتى خرجت من سوريا في الثانية والثلاثين من عمري، لأعيش للمرة الأولى وحيدة، أفهم ماذا تعني كلمة حياة مستقلة، مسؤولة، واجبات فردية، كيف أرى نفسي والأخريات؟ وما هي القيم التي أؤمن بها؟
خلال دراستي الماجستير، تعرّفتُ لأول مرة علي كلمة فيمنيزم أو نسوية، لم أستطع فعليًا تمييزها عن كلمة نسائية، لكن شيئًا فشيئًا سمعتُ وقرأتُ عن موجاتها، بالإضافة إلى ظهور هذا المصطلح بكثرة في الأوساط السورية وخاصة المنظماتية والتي تعتمد في سياساتها على أهداف يعتبرها معظم الناس حديثة ومستوردة من الخارج.
أوساطي في الخارج متحررة جدًا، نساؤها تتبنى النسوية بالغالبية ويُعرِّفنَ عن أنفسهن بذلك، أو أنهنّ متحررات ويعارضنَ التدين بشدة، لكنهنّ ما زلنَ تحت قيد المجتمع الشرقي، ورجالها متحررون جدًا أيضًا، لكنهم يجفلون من نون النسوية، وعند تعريف امرأة ما عن نفسها بكونها نسوية، يكون هذا سبباً للابتعاد عنها حتى آخر الكون، لا أعرف أي رجل يُعرِّف عن نفسه بأنه نسوي. بل معظم الرجال ينظرون إلى النسويات بأنهن مُتشدِّدات ومُتعصِّبات غاضبات وغير عقلانيات ومتشبثات بآرائهن ومُسترجِلات، ربما لهذا لم أجرؤ يومًا على تعريف نفسي بذلك، أنا التي كنتُ أُوصَمُ بأني صبي البيت، وأحاول تقبُّلَ تبعات كوني امرأة صحيًا ونفسيًا وجسديًا واجتماعيًا. أفكر أحيانًا أنني لم أقرأ عن النسوية بعمق إلى درجة تعريف نفسي بها. كل ما أعرفه بعد تجاوزي الأربعين من العمر أنني أكثر استرخاء ورضا وطولة بال مما كنتُ عليه، وهذا نتيجة عدة أمور أهمها التأمُّل الذاتي، القراءة، خوض التجارب وسماع تجارب الأخريات والآخرين بعقل منفتح.
تكتب منار شعبوق:
النسوية السورية اليوم، من الخبرة إلى المعرفة
تعيش النسوية السورية اليوم لحظة تستدعي إعادة التفكير في موقع النساء داخل الدولة والمجتمع، وفي المعرفة التي راكمنَها عبر أجيال طويلة، ثم خلال سنوات الثورة والحرب والمنفى. فالنساء السوريات لم يبدأنَ العمل العام مع الثورة، ولم تبدأ أسئلتهنَّ مع المنظمات النسوية الحديثة. ففي عام 1933، اجتمعت ثلاث جمعيات نسائية في دمشق لتشكيل نواة الاتحاد النسائي العربي السوري برئاسة عادلة بيهم الجزائري، واشتغلت نساء ذلك الجيل على التعليم والحقوق السياسية والعمل العام. ثم واصلت نساء سوريات أخريات هذا الحضور؛ فكتبنَ، ونظمنَ أنفسهنّ، وأسَّسنَ مُؤسَّسات ومُبادَرات، وشاركنَ في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. وخلال سنوات الثورة والحرب، وثّقنَ الانتهاكات، وقدمنَ الرعاية والمساعدة، وواصلت كثيرات منهن هذه الأدوار في بلدان اللجوء. هذه الخبرة جزء من التاريخ السوري نفسه، فالنساء لم يعشنَ هذا التاريخ من هامشه؛ كُنَّ جزءًا من صُنعه.
لكن جزءًا من هذه الخبرة لم يجد دائمًا طريقه إلى الكتابة النظرية، أو إلى مفاهيم تنطلق من التجربة السورية نفسها. المسألة لا تتعلق بنقص في المعرفة أو الكفاءة. سنوات الحرب فرضت أولويات عاجلة: حماية الناس، تأمين الاحتياجات، توثيق الانتهاكات، ومساندة النساء في مواجهة العنف والفقد والنزوح. كما فرض منطقُ المشاريع والتمويل أحيانًا نتائجَ سريعة قابلة للقياس، بينما تحتاج الكتابة وإنتاج المعرفة إلى وقت ومساحة للتأمُّل والاختلاف. ثم توزعت السوريات بين بلدان ولغات وسياقات مختلفة. لذلك أرى المعرفة النسوية السورية غنية ومتعددة، لكنها تحتاج إلى أن تُقرَأ وتُكتَب وتُحفَظ، وأن تدخل في حوار نقدي يُراكِمها ويمنحها مكانها في إنتاج المعرفة.
ومن هنا أجد مسألة أساسية: كيف ننتقل من الاعتراف بخبرة النساء إلى الاعتراف بِهنَّ كصاحبات معرفة وسلطة؟ نرى ذلك في القانون: تحدثت الدساتير السورية عن المساواة، بينما أبقت قوانين الأحوال الشخصية تمييزات تمسّ الزواج والطلاق والحضانة والإرث. وما تزال قدرة الأم على نقل جنسيتها لأطفالها مقيدة مقارنة بالأب. القانون هنا ليس نصًا على الورق فقط؛ هو جزء من الحياة اليومية التي تحدد مكانة المرأة كمواطنة.
لا يمكن فهم ذلك بعيدًا عن تاريخ السلطة في سوريا. خلال حكم نظام الأسد، تعرضت النساء للاعتقال والتعذيب والاختفاء، ووثقت جهات دولية وحقوقية العنف الجنسي ضد نساء وفتيات في سياق الاحتجاز. وكانت النساء في قلب الثورة السورية؛ قُدنَ الاحتجاجات والمبادرات، ووثّقنَ الانتهاكات، ودفعنَ ثمن ذلك اعتقالًا واختفاءً وقتلًا. ومع سقوط النظام، لم تنتهِ الحاجة إلى مساءلة السلطة، بل دخلت البلاد مرحلة يصبح فيها شكل الدولة نفسه موضع سؤال. فسقوط النظام لا يعني أن الاستبداد سقط بكل ما تركه في المؤسسات والقوانين والوعي؛ وما تحتاجه سوريا اليوم هو ثورات فكرية وتعليمية وقانونية تعيد بناء معنى الحرية والمواطنة وعلاقة الإنسان بالسلطة. وما شهدته سوريا مؤخرًا من جرائم وانتهاكات في الساحل، ومجازر في السويداء، واختطاف نساء وفتيات، يذكّرنا بأن حماية النساء جزءٌ من سؤال أي دولة نريد أن نبنيها، ومن يملك فيها القوة والقرار.
السؤال الأكثر إلحاحًا الآن: أين المرأة السورية من القرار؟ لا يكفي أن نرى النساء داخل السلطة بوصف ذلك تمثيلًا لقضاياهنّ. ما يهم هو قدرتهنّ على التأثير في الخطاب والسياسات وتحويل وجودهن إلى سلطة فعلية؛ فالحضور في مواقع القرار وحده لا يكفي. هل تصل قضايا النساء فعلًا إلى القرار لمجرد وجود امرأة فيه؟ وقد شهدت سوريا تجارب حاولت تحويل حضور النساء إلى مشاركة فعلية في مواقع صنع القرار، عبر آليات مؤسسية أتاحت لهنّ المشاركة في القيادة وصياغة السياسات. لا تقدم هذه التجارب نموذجًا جاهزًا لسوريا كلها، لكنها تفتح بابًا مهمًا للتفكير في الفرق بين وجود النساء في السلطة وامتلاكهنّ سلطة فعلية.
النسوية السورية أوسع من دوائر الناشطات والمنظمات. المرأة التي تواجه العنف، أو قيود العمل، أو الخوف على أطفالها، لا تحتاج أن تستخدم كلمة «جندر» حتى تكون أسئلتها نسوية. هناك نساء عشنَ هذه الأسئلة في البيت والشارع والعمل، وأخريات حوّلنها إلى توثيق ومؤسسات وشبكات تضامن؛ وكل هذه الخبرات مادة أساسية للفكر النسوي. التجربة السورية نفسها متعددة، وكذلك الأصوات النسوية التي خرجت منها. والانفتاح على العالم لا يعني استيراد تعريف جاهز للنسوية، كما أن الخصوصية لا تعني رفض كل ما يأتي من الخارج. المهم أن نملك القدرة على تسمية تجربتنا بلغتنا، من داخل تاريخنا، ثم الدخول بها في حوار أوسع.
أما علاقتي بهذه الأسئلة، فبدأت قبل أن أعرف كلمة «نسوية». كنت في السادسة من عمري حين قيل لي إن الموسيقى والرقص والفنون ليست أشياء تليق بفتاة. كنت أحبها، ولم أفهم لماذا يمكن أن يكون ما أحبّه ممنوعًا عليّ لأنني بنت. كبرت هذه الأسئلة معي، حتى جاء وقت قيل لي فيه إن التمثيل لا يليق بفتاة أيضًا. جاءت لاحقًا دراسة الأدب المقارن ودراسات المرأة والجندر، فمنحتني لغة أدق لأسئلة كانت موجودة في حياتي قبل أن أعرف أسماءها. لا أتحدث باسم كل النساء السوريات؛ أساهم من موقعي في معرفة تنطلق من تجربتي وتبقى مفتوحة على تجارب لا تشبهها.
وفي الشتات، أرى سوريا من مسافة لم أَخترها. نكتب عن بلد ما تزال فيه آثار الاستعمار والتقسيم والتدخلات الخارجية حاضرة في الطريقة التي نُرَى ونُعرَّف بها، فتصبح الكتابة عن أنفسنا فعل استعادة لحق التسمية. وهذا يتطلب أن نحافظ على أرشيف النساء وشهاداتهنّ وكتاباتهنّ وأعمالهنّ، حتى لا تُروى قصتنا يومًا من دون أصواتنا.
المرحلة المقبلة تحتاج أكثر من التمثيل الرمزي: قوانين تحمي النساء والأطفال، ومراكز بحث تُعنى بقضايا المرأة والجندر، وأرشيفات تحفظ الذاكرة، وحضورًا حقيقيًا للنساء في المؤسسات التي تكتب القوانين وتصنع السياسات. المطلوب أن تتحول خبرة النساء إلى معرفة تُكتَب وتُناقَش وتُؤثِّر في القرار: ماذا تعلمنا، وماذا يمكن أن تضيف تجربتنا إلى الفكر النسوي نفسه؟ فالنسوية ليست أن نجد للنساء مكانًا داخل عالم صيغ من دونهنّ؛ إنها أن نشارك في تحديد شكل هذا العالم. نريد أن نأخذ مكاننا في كتابة القانون وبناء المؤسسات وصياغة تاريخ سوريا القادمة.
-