
مشهد من الجزء الثاني من مسلسل “مئة عام من العزلة” (نتفليكس)
ملخص
في زمن استدعاء السينما الخوارقَ الكبرى في التاريخ، واستعادة تراجيدياته الملحمية، تولد حكاية عن قرية صغيرة متخيلة، فتحولها الدراما التلفزيونية إلى أسطورة إنسانية تتصل بنشوء الكون، وتكاثر الخليقة، وتفجر النزاعات، وتهديم الفطرة، وغلبة قوى الشر والتدمير… ولكن في المقابل، وأثناء هذا كله تنهض تفاصيل تحفز الإنسان على عدم الامتثال، والتمرد، والحرية، والإصغاء إلى نداءات الجسد، مهما بدت جامحة ومتوحشة.
في ضوء هذه الكثافات الخارجة عن منطق الإحاطة والتصنيف، قامت رائعة الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1927- 2014) “مئة عام من العزلة” التي تحولت إلى دراما تلفزيونية قد تكون الأبرع من نوعها في نتاجات “نتفليكس” التي عرضت المسلسل، لكنه لم ينل حقه حتى الآن من التداول النقدي الذي ربما انتظر حتى نهاية الحكاية.
3 أجزاء
عرض المسلسل في 16 حلقة طويلة، بحيث انطلق الجزء الأول في 8 حلقات في الـ11 من ديسمبر (كانون الأول) 2024. أما الجزء الثاني فبدأ في الخامس من أغسطس (آب) 2026. وعُرضت الخاتمة الموسعة، التي جاءت بمثابة جزء ثالث مستقل، في الـ26 من أغسطس 2026.
حمل المسلسل، الذي جرى تصويره في كولومبيا، بصمة مخرجين مبدعين هما أليكس غارسيا لوبيز (الأرجنتيني الأصل) ولورا مورا أورتيغا، من سيناريو الأمريكي البورتوريكي جوسي ريفيرا. وجرى إدارة ممثلين كولومبيين من مختلف الأعمار بطريقة احترافية بدت تلقائية، لأنهم جسدوا نبض الحياة في بريقها اللامع وانطفائها الخاطف، ومن بين هؤلاء: كلاوديو كاتانيو، وماركو أنطونيو غونزاليس، وسوزانا موراليس، دييغو فاسكيز، مارليدا سوتو، إدغار فيتورينو، وسواهم.
المسلسل ظل وفياً لروح الرواية التي أنجزت عام 1967، ولميراث حائز نوبل 1982 الذي لم يكن خلال حياته متحمساً لتحويل الرواية إلى السينما لقناعته بأنّ خيال السرد أوسع من خيال الصورة، فالأول يوسع المدى، والثاني يشق مساراً محدداً، ويقود المشاهد إلى رؤية صممها المخرج. ولا يعني ذلك أنّ المسلسل أخل بـ”الوصية”، بل قدمها كتحفة بصرية نادرة.
الوفاء لحزن ماركيز
بدأ المسلسل، في موسمه الأول، كجزء من الوفاء للنص وحزنه، بعبارة وردت في الرواية، على نحو متماثل. ففي النص العربي الذي اعتمدنا عليه، وترجمه صالح علماني (دار المدى)، يقول ماركيز في مفتتح روايته: “بعد سنوات طويلة، وأمام فصيلة الإعدام، سيتذكر الكولونيل أوريليانو بوينديا ذلك المساء البعيد الذي أخذه فيه أبوه للتعرف على الجليد. كانت ماكوندو آنذاك قرية من 20 بيتاً من الطين والقصب، مشيدة على ضفة نهر ذي مياه صافية، تنساب فوق فرشة من حجارة مصقولة، بيضاء وكبيرة، مثل بيوض خرافية. كان العالم حديث النشوء، حتى إن أشياء كثيرة كانت لا تزال بلا أسماء، ومن أجل ذكرها، لا بد من الإشارة إليها بالإصبع”.
على هذا النحو أنشأت الرواية والمسلسل قرية متخيلة “ماكوندو” يهاجر إليها مؤسسا الذرية التي تستمر بالتوالد والإنجاب، منذ منتصف القرن الـ19 حتى منتصف القرن الـ20. وعلى مدى 100 عام و7 أجيال، نرى ولادة الأسطورة، واتساع العالم الصغير، وذيوع السحر والدهشة والحب، لكن الحرب والضغائن والغيرة والتباينات العميقة التي عصفت بالعائلة تمهد لانهيار الأسطورة في الجزء الثاني من المسلسل، الذي بدا أكثر قتامة وبؤساً ومتدفقاً بالعواطف، ومتأملاً في الوقت نفسه في المآلات والمصير والذاكرة والنسيان.
لعنة القطار
الملمح الأكثر بروزاً في الجزء الثاني، هو سؤال الحداثة الذي يهيمن على ذهن أحد أفراد السلالة الذي يمضي وقته في التخيل، فيقرر إنشاء سكة حديد تحمل البهجة الأولى المؤقتة لسكان القرية، لكنها في الوقت ذاته تسلخهم عن هويتهم، وتبذر في نفوسهم نيران القلق. فمع الحداثة تنشأ مأساة التحول الذي جلب المستثمرين الأجانب، وحول زراعة الموز من هواية وتراث محلي إلى سلعة معولمة. وكانت تلك اللحظة أكثر الانحناءات القاسية التي قادت إلى الاستعمار بمعناه الكولونيالي الذي ظهّره ماركيز مسدداً سهام سخطه على الهيمنة الأمريكية المحمولة على غطرسة وتعالٍ وكراهية عرقية وعنصرية لأهل القرية الذين كانوا أسياد الأرض فصاراً عبيداً لشركات الاستثمار الكبرى.
وأمام هذا المنعطف المصيري، يتباطأ أهل القرية في تشكيل موقف موحد إلا بعد أن تصل السكين إلى العنق وتجزه، فتثور ثائرة الأهالي الذين يتجمعون بعد مخاض طويل في حراك شعبي لتحدي إرادة الغطرسة التي أنشأت مع الوقت قوات كولومبية لخدمة مشاريع الهيمنة الأمريكية والغربية على البلدة، فلا يتورع هؤلاء الجنود، أمام عناد الناس ومقاومتهم واصرارهم على مطالبهم الإنسانية العادلة، عن إطلاق الرصاص بهمجية ضد المحتجين لتقتل زهاء 3000 شخص، وتنقلهم في ليل بهيم مطبق بالصمت إلى البحر لرمي جثثهم هناك، ومحو آثار المجزرة.
ذاكرة النسيان
كان هذا المشهد، على بشاعته، من أكثر المشاهد عنفاً في المسلسل، لكنه قُدم بروح سينمائية مترفة ستستعيدها ذاكرة الصورة، وستغدو مرجعاً، بيد أن الذي كان يشغل العمل ليس الجريمة على فداحتها، وإنما السؤال الذي يعد من أصعب أسئلة الرواية والمسلسل: هل سيذكر التاريخ أعداد الضحايا، هل سيذكر المجزرة أصلاً، هل سيأتي المؤرخون على وصف تفاصيل القتل الذي كانت تتهاوى فيه الأجساد وهي تحدق في الرصاص المصبوب عليها مثل زخات المطر.
في مقابل هذا المشهد الذي يهجس به الناجون من المذبحة وآخر شهود العيان، تنبثق صورة مرئية ناطقة للطبيعة: بدت الأرض مخضبة بالدماء، لكن المطر هطل رويداً رويداً ثم ازدادت شدته، ومع كل زخة كان يمحى أثر لدم، حتى بدت الأرض صافية. كأن المخرج، في هذا المشهد التراجيدي، المحمول على أوبرالية مزعجة، يرسم كيف تمحو غطرسة الطبيعة آثار الألم الإنساني، وتبيض صفحة القتلة.
على مدار الجزء الثاني تشتد وتتصاعد حدة النزاعات داخل سلالة بوينديا، فيما تتأكد هزيمة العقيد أوريليانو بوينديا الذي ينخرط في الصراع السياسي والحروب بين الليبراليين والمحافظين. وتتحول الحرب تدريجياً من قضية سياسية إلى تجربة وجودية تستنزفه وتدفعه نحو العزلة والانكسار وخيبة الأمل من الناس والطبيعة والتاريخ والدين، فتبدأ عملية التهديم الداخلي، لأن الأخطاء تتكرر، ولأن رفض مواجهة الماضي يتضخم، ما يعني من زاوية أخرى أن المسلسل لا يتحدث وحسب عن عائلة تعيش مئة عام، وإنما عن عائلة تعيش الزمن نفسه مراراً، لأنها لا تستطيع أن تتصالح مع ذاكرتها.
تحطيم المقدس
في الأنفاس الأخيرة من الجزء الثاني، تبدو الأحداث في تعقيدها وتشابكها كأنها تنعى زمناً إنسانياً سكنته الأرواح الشريرة، فتحول إلى المجون والفوضى والعبث الوجودي في أقصى ذراه تطرفاً وجموحاً وتحطيماً للأوثان، من أفكار ومعتقدات وتشنج فكري، فضلاً عن هجاء لا ضفاف له ينعكس في تفتيت كل ما يُعتقد بأنه مقدس بدءاً من حرق التعاويذ والترانيم، وانتهاء بتحطيم التماثيل بشكل مباشر، وبلا ندم، في دعوة عدمية إلى الانتقام من كل شيء، والانقضاض على كل ما يُظن أنه ثابت وراسخ وأبدي.
هذه الوقائع تفرض تحديات جمة أمام المشاهدة، إذ يلزم المتابعين أن يبقوا على تركيز، لأن شجرة العائلة وتشابه الأسماء يجعلان التلقي في المسلسل أصعب منه في الرواية، لكنّ التعليقات التي يتدخل بسردها الراوي، بصوت خيسوس رييس، من اقتباسات مباشرة لرواية ماركيز تخفف من شدة التعقيد، وتيسر ربط الأجزاء ببعضها الآخر ولظمها درامياً.
في الجزء الثالث والأخير المكون من حلقة سينمائية واحدة، تتضح ملامح كثير من مغاليق السردية، فمع اقتراب ماكوندو من أيامها الأخيرة، يقوم أوريليانو بابيلونيا الشخص الأخير من السلالة بفك شيفرات مخطوطات ميلكيادس، وهو الشخصية المرتبطة بالمعرفة والغموض والذاكرة، وتظل كتاباته وأسراره حاضرة في الخلفية بوصفها مفتاحاً لفهم ما يحدث للعائلة التي كُتب تاريخها من بدايته إلى نهايته قبل مئة عام من حدوثه.
آخر السلالة يأكله النمل
وفيما كانت الرياح تعصف بالبلدة وتقتلع بـ”قوتها الإعصارية الأبواب والنوافذ من مفاصلها، وتنزع سقف الرواق الشرقي، وتقتلع الأساسات من جذورها”، كانت عاصفة الزمن، في المقابل، تجتثّ آخر جذور السلالة، حيث “إنّ أول السلالة مربوط إلى شجرة، والأخير تأكله النملات”، في إشارة إلى الطفل المشوه الذي ولد بذيل خنزير، تصديقاً لنبوءة الجدة أورسولا التي حذرت من الزواج من أبناء العمومة في العائلة. وبمثل ما بدأت الرواية بنص من ماركيز يصف فيه الكولونيل أوريليانو بوينديا أمام منصة الإعدام، ينتهي بأوريليانو الأخير الذي فك شيفرات المخطوط، وأدرك أنه “مقدّر لمدينة المرايا (أو السراب) أن تذروها الرياح، وتُنفى من ذاكرة البشر في اللحظة التي ينتهي فيها أوريليانو من حل رموز الرقاق، وأن كل ما هو مكتوب فيها لا يمكن أن يتكرر، منذ الأزل إلى الأبد، لأنّ السلالات المحكومة بمئة عام من العزلة، ليست لها فرصة أخرى على الأرض”.
المسلسل بأجزائه الثلاثة يفيض بمناخات “الواقعية السحرية” أو “الواقعية العجائبية”، وهي تقنية بدأت ألمانية لمعاينة الفن التجسيدي، ثم انتقلت إلى الأدب، وبخاصة في أمريكا اللاتينية، على يدي عدد من الكتاب، أبرزهم ماركيز وبورخيس وإيزابيل الليندي.
ومن أكثر لحظات المسلسل سحرية صعود ريميديوس/ كريستال أباريسي (التي كانت تتجول عارية في المنزل) إلى السماء، برشاقة الملائكة، وسط دهشة غامرة وآسرة، لكنها بدت مسوغة في بلدة ترن في أروقتها أجراس الأسطورة والتعاويذ والميتافيزيقيا، والإصرار “الجيني” على معاندة الواقع والقدر: “اختفت إلى الأبد في الجو، حيث لم تستطع حتى أعلى طيور الذاكرة أن تبلغها”.