
مخطوط ليفي الذي كان يحمل في الأصل عنوان “الرجل العجوز”، كان سيظل حبيس أحد الأدراج لولا تشجيع أصدقائه (آلن ليفي/دار سايمون آند شوستر)
ملخص
على مشارف الـ70، حوّل آلن ليفي مخطوطاً كاد يُنسى في درج إلى ظاهرة نشر عالمية. فروايته الأولى “ثيو من غولدن” حققت ملايين المبيعات بفضل التوصيات الشفهية، لتصبح واحدة من أبرز مفاجآت عالم الكتاب في السنوات الأخيرة.
تزخر الساحة الأدبية هذا الصيف بالكتب التي تحظى برواج واسع وتثير الكثير من الضجة. فما زالت الأيادي تتخاطف رواية كاروه كلير بيرك “العام الماضي” Yesteryear، التي تقدم حكاية ملتوية عن نمط حياة الزوجة التقليدية، وكذلك مذكرات بيل بيردن المثيرة للجدل عن الزواج “غرباء” Strangers، وكتاب باتريك رادن كيف غير الخيالي المشوق “سقوط لندن” London Falling. ناهيك عن تلك القصيدة “المغمورة” اليونانية “الأوديسة” The Odyssey، التي استعادت بعضاً من بريقها بعد مرور نحو 2700 عام على قيام هوميروس بكتابتها.
لكن هناك كتاباً واحداً ينافس هذه العناوين جميعاً، ويلاحقها عن كثب على قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، بل تجاوز بعضها بالفعل. واليوم، يتربع هذا العنوان على قمة قائمة “نيويورك تايمز”، فيما اعتلى منذ وقت طويل صدارة قائمة الروايات الأكثر مبيعاً على “أمازون” في الولايات المتحدة، تاركاً هوميروس العجوز خلفه في غبار صفحات روايته. أما إذا كنت في المملكة المتحدة، فربما لم تسمع بهذا الكتاب من قبل.
“ثيو من بلدة غولدن” Theo of Golden هي الرواية الأولى لآلن ليفي، المحامي والموسيقي السابق من ألاباما، الذي قرر، قبل أن يتم عامه الـ70 بقليل، خوض تجربة الكتابة للمرة الأولى. وقال لصحيفة “واشنطن بوست” في ديسمبر (كانون الأول) 2025: “كنت أريد فقط أن أعرف ما إذا كنت أمتلك القدرة على كتابة عمل روائي طويل”.
كانت نتيجة هذه المحاولة رواية من 400 صفحة، تحولت من دون أي حملة تسويقية، ومن دون أن تحظى طوال عامين باهتمام أي دار نشر كبرى، إلى واحدة من الكتب الأكثر مبيعاً، وذلك بعد ثلاث سنوات كاملة من قيام ليفي بنشرها ذاتياً، وهي خطوة لم يقدم عليها إلا استجابة لإلحاح أصدقائه. ففي الأصل، كان يعتزم أن يدس المخطوط في أحد الأدراج وينساه.
وتحكي الرواية قصة رجل مسن يدعى ثيو، ينتقل للعيش في بلدة جنوبية خيالية اسمها غولدن. وفي أحد الصباحات، وبينما كان يقف في طابور داخل مقهى محلي، لفتت انتباهه 92 لوحة لوجوه مرسومة بقلم رصاص، كانت معروضة للبيع على الجدار. يشتري ثيو جميع اللوحات، وينطلق في مهمة لإعادتها إلى الأشخاص الذين تجسدهم، وإلى “مالكيها الشرعيين”. إنها قراءة هادئة ومفعمة بالحياة، تستحضر إلى الأذهان رواية فريدريك باكمان “رجل يدعى أوڤ” A Man Called Ove، ورواية ميتش ألبوم “أيام الثلاثاء مع موري” Tuesdays with Morrie، إلى جانب النزعة التفاؤلية ذات الطابع الفلسفي الشعبي لدى مات هيغ. ومع أن السرد المتأثر بالكتاب المقدس يتخذ منحى دينياً واضحاً في نهايته، فإن ليفي قال إنه لم يكن يعتزم كتابة رواية مسيحية، بل ذهب إلى حد رفض عرض من دار نشر مسيحية.
لكن الطريقة التي خرجت بها الرواية إلى العالم أكثر إثارة للدفء من الرواية نفسها. وُلد ليفي في باي مينيت بولاية ألاباما، ولم تكن لديه طموحات لأن يصبح كاتباً، على رغم اهتمامه بالأدب. وبعد 13 عاماً من ممارسة المحاماة في كولومبوس بولاية جورجيا، انتقل إلى المملكة المتحدة لدراسة الأدب الاسكتلندي في جامعة إدنبرة. غير أن حبه للغة وجد طريقه إلى كلمات الأغاني، فتحول ليفي إلى مغنٍ وشاعر غنائي متفرغ، وأمضى العقدين التاليين يؤدي في مناسبات مختلفة ولحساب منظمات مسيحية في أنحاء الولايات المتحدة.
عاد ليفي إلى مسقط رأسه نحو عام 2010 ليكون إلى جانب شقيقه غاري الذي توفي بعد تشخيصه بسرطان دماغ غير قابل للجراحة، وإلى جانب والدهما المتقدم في السن. وبعد تمضية فترة في العمل قاضياً في محكمة الوصايا، لم يكن ليفي يعرف ما الذي سيفعله بعد ذلك في حياته. عندها صادف 92 لوحة لوجوه مرسومة بقلم رصاص معروضة للبيع في المقهى المحلي الذي يرتاده. وكما فعل بطله في الرواية، اشترى ليفي هذه اللوحات. ليس كلها، بل بعضها فقط، وخلال الأسابيع التالية، أصبحت وجوه أولئك الغرباء نواة فكرة لكتاب.
وعلى مدى السنوات الثلاث والنصف التالية، انكب ليفي على الكتابة في كوخ قرب منزل عائلته، ولم يكن يؤنسه هناك سوى أشجار الصنوبر. كتب المسودة الأولى كاملة بخط اليد، من دون مواعيد نهائية تلاحقه أو ناشرين يلحّون عليه. كان يكتب للمتعة الخالصة. ومع ذلك، وكحال أي كاتب، محترفاً كان أم هاوياً، واجه بعض الصعوبات. وفي مقطع فيديو طريف نشره على “فيسبوك” في ذلك الوقت، غنّى قائلاً: “أكتب كتاباً، وهذا يفقدني عقلي / أكتب كتاباً، وأفقد صوابي”.
وفي نهاية المطاف، أكمل ليفي المخطوط. وكان فخوراً بما أنجزه إلى حد أنه كان ينوي الاكتفاء بذلك. ولم يقدم على خطوة أبعد إلا بعدما شجعه أصدقاؤه من أيام الجامعة، فطلب من ابنة شقيقته آرون ريتشي، وهي مديرة مشاريع، مساعدته في نشر الكتاب ذاتياً. وفي مقابلات لاحقة، تحدث كل من ريتشي وليفي عن الدور المحوري الذي أدّته الخطوة التالية في نجاح الكتاب. فبدلاً من التواصل مع وسائل الإعلام الكبرى أو دور النشر، بحثت ريتشي عن الدعم في محيطهما الأقرب. وأعدّت قائمة بأشخاص التقى بهم ليفي خلال مسيرته المهنية المتنوعة، وطلبت منهم المساعدة في نشر خبر طباعة الكتاب بين مجموعات الكنائس المحلية والمكتبات ومتاجر الكتب ونوادي القراءة.
ومع ازدياد عدد قراء ليفي، كان يحرص، كلما سنحت له الفرصة، على لقاء أعضاء نوادي القراءة هذه شخصياً. وقالت ريتشي لصحيفة “واشنطن بوست” إنها كانت تجهز له كل بضعة أسابيع قائمة بأسماء القراء الذين تواصلوا معه شخصياً، وتعنونها “أرواح طيبة للتواصل معها”، حتى يتمكن ليفي من رد الجميل لهم.
لقد كان تسويقاً على النمط القديم، قائماً على الجهود المحلية ومن شخص إلى آخر، وقد نجح بالفعل. بحلول نهاية عام 2023، باعت “ثيو من بلدة غولدن” نحو 3000 نسخة. وبحلول نهاية 2024، ارتفع العدد إلى 25 ألف نسخة، قبل أن تشهد المبيعات قفزة كبيرة في العام التالي. وخلال النصف الأول من عام 2025، باعت “ثيو من بلدة غولدن” نحو 125 ألف نسخة، واحتلت المرتبة 38 في قائمة أفضل 100 كتاب مبيعاً على “أمازون” في الولايات المتحدة. وسرعان ما ذاع صيت هذا الكاتب المجهول الذي حقق نجاحاً لافتاً، وبدأ الناشرون يولونه اهتمامهم. وفي حديث إلى صحيفة “وول ستريت جورنال”، وصفت سوزان غلوك، الوكيلة الأدبية في مؤسسة ويليام موريس إنديفور WME، التي تمثل مؤلفين من بينهم برينيه براون وسيرينا ويليامز، ما حدث بأنه “يشبه دخول الغابة واكتشاف وجود كائن أسطوري”.
شهد شهر سبتمبر (أيلول) من ذلك العام مزاداً محتدماً على حقوق الرواية، خرجت منه دار أتريا، إحدى العلامات التابعة لدار “سايمون آند شوستر”، فائزة بحقوق النشر في الولايات المتحدة. وسارعت الدار إلى إصدار نسختها خلال الشهر نفسه، وأطلقت قبيل عيد الميلاد نسخة صوتية من الرواية بصوت الممثل ديفيد مورس، نجم فيلم “الميل الأخضر” The Green Mile. ولاحقاً في المملكة المتحدة، حصلت دار “فونتانا بوكس”، إحدى العلامات التابعة لدار “هاربر كولينز”، على حقوق النشر في بريطانيا.
ومنذ ذلك الحين، قفزت المبيعات بصورة هائلة، إذ تجاوز عدد النسخ المباعة 2.5 مليون نسخة. واختارت الإعلامية الأميركية البارزة كيتي كوريك الرواية لنادي القراءة الخاص بها، مشيدة بالرسالة التي تتمحور حولها. وقالت كوريك عن ليفي لصحيفة “وول ستريت جورنال”: “وجود هذا الرجل الذي يشعّ لطفاً وتعاطفاً بهذه الصورة، كان أشبه بترياق في وجه كل هذا الاضطراب والمرارة في العالم”. وبعد أشهر، أجرت أوبرا وينفري مقابلة مع ليفي في برنامجها على “يوتيوب”. أما في المملكة المتحدة، فقد حقق الكتاب نجاحاً أكثر تواضعاً، لكنه لا يزال يحتل المرتبة 17 في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً على “أمازون”.
وقد بيعت حقوق نشر “ثيو من بلدة غولدن” في 42 دولة، فيما يجري الإعداد لعمل تالٍ. لقد كانت رحلة ليفي حلماً لأي كاتب، وظاهرة حقيقية انتشرت من خلال التوصيات الشفهية، مدفوعة بالكرم الإنساني وروح التواصل نفسها التي تحتفي بها روايته. ولا شك أنها قصة نجاح تستحق أن تُروى.
