فرض النظام الإيراني في عهد المرشد الراحل علي خامنئي حصاراً يضبط حراك الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي. لم تكن لغة الرجل تناسب توجهات النظام، لا سيما منذ “الحركة الخضراء” التي اندلعت إثر الانتخابات الرئاسية عام 2009، ويُفترض أن لغته لا تناسب الحاكمين الجدد المتحلقين حول الحرس الثوري. ومع ذلك، فإن شيئاً حرجاً ضاغطاً أعاد إخراج خاتمي من الظل ليقول كلاماً يريد النظام الحالي سماعه وإسماعه.
خرج خاتمي فجأة إلى الواجهة ليدلي بدلوٍ وجد من يروّج له في إيران والعالم. تحدث إلى صحافيين في جلسة يفترض أنها “خاصة”، حذّر فيها من إهدار “فرصة استثنائية”. دعا إلى عدم التصعيد والذهاب إلى الدبلوماسية. يفهم من ذلك أن الأمر ليس صدفة، وأن الرجل ينطق بإيحاءات لا يُستبعد أنها موحى بها أو حانت مواسمها هذه الأيام، وفي توقيت يتزامن مع توعّد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضغوط اقتصادية غير مسبوقة في تاريخ عقوبات واشنطن على طهران منذ عقود.
خاتمي وبزشكيان: دعوة إلى إنهاء الحرب
يعزف خاتمي على أوتار غير بعيدة عن أنغام “الحرس”. يقول إن إيران فرضت بقاءها ووجودها على العدو بعد الحرب، وإن عليها الآن أن تستفيد من موقع “العزة” لتجنّب التوتر وتحسين ظروف المواطنين. يتبنى في الشكل “شعبوية المنتصرين”، ليعيد اكتشاف مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن. يعتبرها “فرصة عظيمة” لا نظير لها منذ الحرب العالمية الثانية. ويحذّر من أن إهدارها سيقود إلى مزيد من “المعضلات العجيبة”.
يتحدث خاتمي عن منطق أنه “لا يمكننا العيش في ظل الحرب”، ويدعو إلى إنهاء حالة اللا حرب واللا سلام، ويشدّد على أن السلام المشرّف يعني فتح طريق حياة أفضل للشعب من دون التنازل عن العزة والاستقلال. حتى إنه يحذّر من اتساع الفجوة بين الشعب والحكم بسبب الدعاية والشعارات الخاطئة، ويطالب بحماية “مذكرة التفاهم” من الانهيار.
لا يقول خاتمي إن ما تسمعونه من شعارات هو زيف كاذب. هو يعتبرها خاطئة فقط، بما يفضح السخرية من “خطاب ثوري” خشبي يصمّ الآذان. وتكمن أهمية “الفتاوى السياسية” للرئيس الأسبق في أنها تتقدم لتلاقي “فتاوى” الرئيس الحالي مسعود بزشكيان . يدعو الأخير صراحة إلى “الخروج من الحرب الآن وإيران منتصرة”. يقول إنه “من الأفضل إنهاء الحرب اليوم، بينما نحن في موقع قوة وكرامة، وفي وقت يقرّ فيه العالم بأسره بانتصارنا”. ويرى أن الوقت الراهن هو الأنسب لأن البلاد متماسكة وقوية، وأن القضايا لا تُحل بالحرب وحدها. وعلى منوال خاتمي، يدافع بزشكيان عن مذكرة التفاهم ويؤكد أنها لا تتضمن أي بند يشير إلى استسلام، ويرى فيها أن كل الالتزامات هي على الطرف الآخر.
الأمن وحده لا يكفي: الاقتصاد شرط لبقاء النظام
المفاجأة تأتي من رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف وهو أحد أبرز وجوه النظام الصلبة، ليضيف بعداً اقتصادياً حاسماً. أدلى بدلوه في بغداد أمام رجال أعمال إيرانيين وعراقيين، حيث تأخذ حكومة علي الزيدي مسافة من طهران وأذرعها المحليين. وقال قاليباف في صيغة لا تشبه لغته عادة: “مهما بلغت قوتنا العسكرية، إذا كان الشعب جائعاً ولم يكن لدينا تداول مالي ونمو اقتصادي وإنتاج داخلي، فلن نصمد”.
هكذا يكتشف رئيس البرلمان الإيراني أن الأمن والاقتصاد متلازمان، وأن “الأمن الذي لا يُدعم بالاقتصاد لن يدوم”. يكمل خطابه، بشعبوية تحتاجها المناسبة، بالدعوة إلى التخطيط للتغلب على “العقوبات الجائرة التي لجأت إليها واشنطن بعد فشلها في انتصار عسكري مباشر”، ويطالب بالانتقال من التعبئة الحربية إلى التنمية الاقتصادية.
تبعث طهران من خلال هذه الأصوات الثلاثة، خاتمي الإصلاحي المُعاد تأهيله، وبزشكيان المنتخب على وعود التغيير، وقاليباف المحافظ البراغماتي، رسائل ترسم مقاربة واحدة مفادها أن النظام يبحث عن مخرج من الصراع. وإذ ترفض أصوات صحيفة “كيهان” المحافظة دعوات خاتمي وتعتبرها دعوة إلى الاستسلام وإضعاف خيار المقاومة، فإن ما يطالب به بزشكيان وما يقترحه قاليباف ليس بعيداً عن هذا “الاستسلام”.
طهران تراهن على الاقتصاد وواشنطن على الحسم
يبدو التشدد من عدّة الشغل. استبق خاتمي خروج المتشددين ضده بالتحذير ممن “يسيرون عملياً في الطريق الذي تريده إسرائيل، حتى لو كانت نواياهم حسنة”. غير أن ذلك التباين في المقاربات في طهران يتزامن، للمفارقة، مع تقارير عن تباين في المواقف داخل الإدارة في واشنطن بشأن كيفية مقاربة الصراع وتخيّل مسارات الخروج منه.
فيما تفعّل واشنطن “إنزالاً اقتصادياً” موجعاً وغير مسبوق ضد إيران، يكشف تقرير لوكالة “رويترز” عن عدم إجماع داخل الإدارة الأميركية، لأن هناك منابر ترى الحكمة في إعلان النصر ومغادرة الحرب، بينما ترى منابر أخرى في الحزم العسكري مآلاً وجيهاً لتحقيق كافة الأهداف.
في واشنطن من يرى في إعادة تأهيل خاتمي رسالة إيرانية إلى الولايات المتحدة وإلى الداخل الإيراني على السواء. تدور الرسالة حول معادلة تراها طهران “نصراً” يتيح خروجاً مشرفاً من الحرب، وتستدرج واشنطن إلى إعلان “نصرها” بالمقابل، ليجيز لترامب توقيع “اتفاق لا مثيل له في التاريخ”.
في بال طهران أن ورقة “الإنزال الاقتصادي” هي آخر الأوراق. وفي بال المراقب في بيروت أن الانفتاح الهابط على “الحزب” المتساهل مع التفاوض والُمستدرج لتواصل مع واشنطن هو أمر عمليات صادر عن تلك المرونة المتسرّبة من طهران.
لكن في واشنطن من يرى أن الحرب لم تعد بشأن إيران وامتداداتها، بل بشأن هيبة ومكانة الولايات المتحدة ومستقبل صراعها مع الصين، وأن أمر الخروج منها لن يكون بتوقيت خاتمي وبزشكيان وقاليباف والمرشد مجتبى خامنئي من ورائهم، وأنه إذا كانت طهران تعتبر “الانزال الاقتصادي” ورقة واشنطن الأخيرة، فإن على إيران أن تتوجس من “آخر الأوراق”.
