د. بتول فاروق.. جريدة المدى
المدونة “الجعفرية” لم تكن مجرد تقنين فقهي لأحكام فقهية، وإنما أحدثت انتقالاً من الفقه بوصفه مجالاً مفتوحاً لتعدد الاجتهادات إلى الفقه بوصفه نظاماً قانونياً مغلقاً نسبياً، تتولى المحاكم تفسيره وإنتاج مبادئ قضائية حوله، حتى ولو رجعت المحاكم -في بعض الأحيان- إلى المجلس العلمي الذي لا يملك غير أن يراجع الفتاوى المشهورة.
الفقه قبل التقنين يسير وفق مسار اجتهاد الفقيه وإصداره للفتوى التي يطبقها المكلف بحسب اختياره، أما بعد التقنين -الذي صدر من مجلس النواب العراقي سنة ٢٠٢٥- فصار المسار: المشرع يصدر مدونة يقرأها القاضي ويفسرها بحسب القواعد القانونية التي لديه فيصدر حكمه القضائي، الذي يكون ملزماً لجميع المقلدين الذين يقلدون جميع المراجع الشيعة أينما كانوا.
فالفقه الجعفري تاريخياً لا يعمل بوصفه مدونة واحدة مغلقة وإنما يقوم على تعدد الفقهاء وتعدد الآراء والاجتهادات. فقد يختلف فقيهان في الحضانة أو الطلاق أو النفقة، ويختار مكلف تقليد أحدهما.
لكن عندما تُسنّ مدونة قانونية يحدث تحول جوهري، فالموضوع أمام القاضي ليس ما هو رأي الفقيه الذي يقلده هذا الشخص؟ بل ما هو الحكم الذي اعتمده المشرع داخل المدونة؟
وهنا ينتقل الحكم من مجال الاختيار الفقهي (المتعدد) إلى مجال الإلزام القانوني.
إن التحول الذي أصاب بنية الفقه عندما انتقل من فضاء الاجتهاد إلى فضاء القانون يمكن رسمه في نقاط أساسية:
حوّل الفقه من معرفة اجتهادية الى قاعدة ملزمة، الفقه قبل التقنين يحتمل تعدد الأقوال، لأن الحكم نتيجته اجتهادية فقهية.، أما حين يتم اختيار أحد الآراء ويدرج في القانون، فهو لايعود مجرد رأي فقهي بل يصبح حكما أحاديا ملزما.
فلا يتم الاهتمام بتعدد الآراء في المسألة.
قلص التعدد الفقهي في المجال القانوني.
المدونة لاتستطيع أن تلغي وجود الفقيه الآخر، أو رأيه في الحوزة أو الكتب الفقهية، لكنها تستطيع أن تلغي الأثر القانوني لهذه الآراء، فهي لم تلغ التعدد المعرفي، وانما جرى إلغاء تعدده القانوني. وهذا أمرمهم جدا.
نقل مركز السلطة من الفقيه الى النص القانوني، فالفقيه كان يستنبط ويفتي، والمكلف يعمل بفتواه، أما في التقنين فإن المشرع هو من يختار الرأي ويصوغه وينشره والقاضي يطبقه، وهنا يحدث تحول في سلطة انتاج الحكم، فلم يعد الفقيه وحده هو الحلقة الأخيرة في تحويل المعرفة الفقهية الى حكم عملي.
جعل القضاء شريكا في إنتاج الفقه القانوني:
عندما يكون النص قابلا لأكثر من تفسير فان المحكمة أحيانا هي من تفسره، حتى بعد الرجوع للمجلس العلمي في الوقف الشيعي، كما حصل مع المادة (٩٣) الهيئة الموسعة في تفسير بلوغ المحضون سن الرشد. وربما هذه أهم النتائج، فهنا يصبح التفسير القضائي هو المبدأ القضائي، وهنا ينتهي الفقه، فالفقه المقنن لاينتهي عند المدونة؛ بل يبدأ بعد المدونة. أي أنها تفتح مرحلة جديدة من إنتاج المعنى.
غيّر طبيعة الخطأ والصواب
ففي الفقه، قد يقول فقيه ما هذا الحكم هو الأصح دليلا، ويقول فقيه آخر بل ذاك الدليل هو الأصح والأقوى، أما في القانون فإن المسألة تصبح مختلفة، يتكون جازمة أن هذا النص هو النافذ، أي إن القوة القانونية للحكم لاتتطابق بالضرورة مع قوة الدليل الفقهي الذي يستند اليه. فالحجية الفقهية لاتساوي ولاتشبه الحجية القانونية. فقد يكون رأي فقهي قوي علميا، لكنه لايكون هو الحكم النافذ يستطيع القاضي تطبيقه إذا لم تتبنه المدونة.
حوّل الاختيار الفقهي الى هوية قانونية
وهنا تظهر مشكلة في المدونة الجعفرية فعندما يختار المواطن تطبيق المذهب الجعفري، فإن الاختيار لايبقى مجرد اختيار مرجع أو رأي فقهي بل قد يترتب عليه نظام قانوني مختلف.
أي أن الانتماء المذهبي يتحول من مساحة عبادية/ معرفية الى مدخل لتحديد النظام القانوني الذي يحكم العلاقات الأسرية، وهذا يجعل المذهب جزءا من بنية القانون، لامجرد مصدر ديني.
أخرج الفقه من حلبة الآراء الى حلبة السلطة،
ففي الفقه المفتوح توجد منافسة بين الآراء، البحث في الدليل والمناقشة والنقد والترجيح ومن ثم الخروج برأي فقهي معتبر، أما في القانون أختيار نص وتشريعه وإلزامه ليكون حكما قضائيا متكاملا ملزما للجميع بحكم السلطة. وهذا لايعني ان الاختيار التشريعي علر القانون بلا أساس فقهي، بل يعني أن المعيار الذي يمنح الحكم قوته قد تغير. من قوة الدليل في الفقه الى قوة السلطة والإلزام. هذا التقنين الفقهي ينقل الحجية من الحجية الفقهية الى الحجية القانونية. فهل الفقه المقنن مازال هو الفقه بالمعنى الذي كان عليه قبل التقنين، أم أننا أمام بنية معرفية جديدة يمكن تسميتها ب ” الفقه القانوني»؟
ويمكن شرح ذلك بشكل أكبر:
التمييز بين المصدر الديني والحجية الدينية والإلزام القانوني:
أولا: الفقه القانوني هو الفقه الذي تحول الى قانون ملزم بتشريعه من قبل الدولة، قديكون دينيا في المصدر وليس دينيا في الحجية.
إذا أخذ المشرع العراقي حكما من الفقه الجعفري ووضعه في المدونة، فإن مصدر الحكم قد يكون فقهيا دينيا لكن بمجرد تقنينه يصبح ملزما من جهة أخرى، يلزم المكلف قانونا لأن الدولة شرعته، لا أنك وصلت إليه بوصفه حكما شرعيا عبر اجتهاد معتبر.
وهنا يقع التحول؛ أن الحكم الديني هو الذي مصدر الحكم فيه الحجية الشرعية، أما الحكم القانوني فإن مصدر الإلزام حجيته القانونية وهما ليسا الشيء نفسه.
ثانيا: نحتاج الى الحكم الديني لإبراء الذمة. في الفقه الإمامي، إبراء الذمة الدينية ليس معناه ببساطة أن الشخص طبق قانون الدولة. بل يرتبط بما إذا قام المكلف بما قامت عليه الحجة الشرعية في حقه؟
وهذه الحجة قد تكون، بحسب المبنى الأصولي والفقهي من خلال: الاجتهاد، أو التقليد أو الاحتياط، أو الطرق الشرعية المعتبرة. لذا لايمكن القول: كل حكم في المدونة يبريء شرعا لمجرد أنه أصبح قانونا.
وهذه قفزة في الحجية القانونية الى الحجية الدينية، وهي تحتاج الى إثبات مستقل.
فاذا كان احد الفقهاء لديه رأي في مسألة، وفقيه آخر له رأي آخر معتبر أيضا، واختار المشرع رأي أحدهما وأدخله في المدونة، هنا المواطن- المكلف الذي يقلد الفقيه الآخر، سيكون في وضع معقد، فقانونا هو ملزم بتطبيق ماتقوله المدونة، لكن دينيا أصبح رأي الفقيه الذي لايقلده حجة عليه لمجرد أن الدولة اختارته، لكن التشريع القانوني ليس بالضرورة يساوي التقليد، والدولة عندما تختار رأيا فقهيا لاتتحول تلقائيا الى ” مرجع تقليد ” للمواطن.
فالمواطن بريء الذمة قانونا، لكنه لايعلم هل هو بريء الذمة دينيا؟ وهنا تحدث المفارقة، سيكون لدى الشخص ذمتين يجب الالتفات اليهما.
إن تقنين الفقه يفصل المصدر الديني للحكم وبين أساس إلزامه، بحيث قد يبقى الحكم دينيا من حيث منشئه الفقهي، لكنه يصبح قانونيا من حيث قوته الإلزامية؛ ومن ثم لاتكفي مطابقته للنص القانوني لإبراء الذمة الشرعية للمكلف.
إن المشكلة لا تكمن فيما حوته المدونة وماقالته، بل كيف تغيرت طبيعة المعرفة الفقهية عندما أصبحت الدولة هي التي تختار رأيا من الفقه، وتضعه في نص ثم تمنحه قوة الإلزام.
فمن الذي قرر الأخذ بالرأي المشهور ولايجب عودة المكلف لمرجعه الذي يقلده، ومن الذي قرر الأثر الرجعي للمدونة، أنها السلطة وليس الفقه الجعفري قبل تقنينه.