د.فالح الحمــــراني…. جريدة المدى
لا يزال مضيق هرمز، الذي يتدفق عبره نحو 20% إلى 30% من إمدادات النفط العالمية والغاز الطبيعي المسال المنقولة بحراً، يمثل بؤرة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وفي أعقاب موجة العمليات العسكرية النشطة التي شهدتها المنطقة بين تيسان وآب 2026، تتجه أنظار المجتمع الدولي صوب المفاوضات الجارية بين إيران وسلطنة عمان الرامية إلى استئناف حركة الملاحة البحرية، وهي المحادثات التي شهدت تطورات متسارعة طوال شهر آب، مرت خلالها بعدة محطات رئيسية. واتفقت إيران وعُمان على إنشاء ممر بحري مؤقت بإدارة مشتركة لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز الذي ينقل نحو ثلث إمدادات الغاز المسال وخمس النفط العالمي. وتتضمن المبادرة فصل مسارات السفن الداخلة والخارجية وتطهير خط الفصل من الألغام وتطبيق نظام عبور مؤقت مجاني لمدة ستين يوماً.
ففي نهاية حزيران 2026، طرحت سلطنة عمان نموذجاً للإدارة المشتركة أو الجماعية للمضيق، محاولةً لتطبيق منظومة مشابهة لتلك المعمول بها في مضيق ملقا، وقضت تلك الخطة بفرض رقابة متكافئة، وفرض رسوم طوعية على ملاك السفن لتمويل برامج الأمن والسلامة البيئية؛ غير أن إيران رفضت هذه المبادرة رفضاً قاطعاً، إذ صرح نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، بأن هذه الخطة «لا تملك أي فرص للنجاح» نظراً لتعارضها مع مصالح الجمهورية الإسلامية، ولأنها تقصي مبدأ السيطرة الأحادية على هذه المنطقة الاستراتيجية الحيوية، متمسكةً بطهران بموقفها القائل بأن فرض الرقابة يجب أن يقتصر حصرياً على الدولتين الشاطئيتين، أي إيران وسلطنة عمان دون غيرهما.
وعقب التخلي عن المقترح الأولي، اتخذت المفاوضات مساراً براغماتياً ركز بشكل أساسي على التوصل إلى اتفاق بشأن تحديد مسار ملاحة مؤقت؛ حيث أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، رسمياً في 16 آب، توافق طهران ومسقط على خارطة ممر ملاحة جديد. ووفقاً لبيانات وكالة رويترز. وتقضي هذه الآلية بفصل تدفقات السفن؛ بحيث تسلك السفن الداخلة إلى الخليج المجرى الملاحي الشمالي بمحاذاة السواحل الإيرانية، في حين تسلك السفن الخارجة المجرى الجنوبي قبالة السواحل العمانية، وهو ما يمنح طهران سيطرة فعلية على تدفقات الشحن الواردة. وتشير تفاصيل الاتفاق إلى أن نظام عبور السفن المؤقت (الذي يمتد لـ 60 يوماً) سيكون مجانياً من دون رسوم، كما أفادت مصادر مطلعة بوجود التزام ببدء عمليات إزالة الألغام البحرية في الخط الفاصل للمضيق خلال الثلاثين يوماً الأولى، وهو ما تقاطع مع تقارير شبكة «سي بي إس» التي أكدت غياب أي خطط لفرض رسوم على حركة الترانزيت.
وقد تصطدم خطط إنشاء ممر مؤقت وإدارة مضيق هرمز بشكل مشترك مع المطالب الأمريكية الرامية إلى ضمان حرية الملاحة المطلقة وغير المشروطة. وعلى الرغم من أن التقدم المحرز في المفاوضات الإيرانية العمانية بشأن إدارة المضيق يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي في المنطقة، إلا أنه لا يبعث سوى على قليل من الأمل في عودة سريعة وكاملة للسفن التجارية إلى هذا الممر المائي. وفي هذا السياق، أعلنت إيران وسلطنة عمان في بيان مشترك صدر في 25 آب، عن مناقشة إطار عمل مرحلي من شأنه دفع الأمور قدماً في المضيق، مشيرتين إلى أن الإطار المقترح يتضمن إنشاء ممر ملاحي مؤقت ومشترك عبر مضيق هرمز، إلى جانب الاتفاق على تنفيذ مشروع مشترك لتطهير المضيق من الألغام.
وعقب ذلك، يعتزم البلدان استئناف المحادثات الفنية للتوافق على ممر ملاحي دائم وآلية الإدارة المستقبلية للمضيق، إلى جانب صياغة آلية لتبادل المعلومات، وإدارة حركة المرور البحرية، وتقديم الخدمات الملاحية والأمنية ذات الصلة. ولم يتطرق البيان إلى ذكر أي رسوم أو مدفوعات لقاء الخدمات المقدمة؛ وهو ما يمثل نقطة الخلاف الجوهرية مع الولايات المتحدة ومساعيها الرامية إلى ضمان حرية الملاحة في هذه المنطقة. وفي هذا الصدد، أعرب وزير الخارجية العماني، السيد بدر بن حمد البوسعيدي، في تدوينة له على منصة «إكس» (X)، عن تطلعه لتنفيذ هذا المقترح، قائلاً: «يحدوني الأمل في أن نعلن قريباً عن ممر مؤقت في مضيق هرمز وتدابير عملية لاستعادة الملاحة الآمنة، على أن نتوصل في الوقت المناسب إلى حل دائم بشأن إدارة المضيق».
وتُمثل الخطة الإيرانية/ العمانية أداة تكتيكية براغماتية تهدف إلى الحد من الأضرار الاقتصادية الآنية الناجمة عن إغلاق المضيق؛ وتكمن قيمتها الجوهرية في صياغة بروتوكول فني تشغيلي لإدارة حركة المرور البحرية، لا في تسوية الصراع العالمي المحتدم. ومع ذلك، تظل آمال التنفيذ الكامل في حدها الأدنى؛ إذ يصطدم ضعف الخطة — المتمثل في تجاهل الجذور العميقة للنزاع — بتهديدات خارجية قوية، أبرزها الرفض الإسرائيلي الشديد وحالة التوجس التي تبديها دول الخليج الأخرى. والراجح أن هذه المبادرة ستواجه خلافات مستعصية على الحل خلال مرحلة الاعتماد من قِبل دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، أو أنها ستنهار إثر أول حادثة بحرية ميدانية. وبناءً على ذلك، فإن فرص تشغيل هذا الممر لا تزال مرهونة بنطاق محدود وتحت مراقبة دولية صارمة، ومن المستبعد أن يصمد لفترة تتجاوز مدة الستين يوماً المقترحة.
وعلى الجانب الآخر، يُعد المقترح الإيراني/ العماني لإنشاء ممر ملاحة مؤقت في مضيق هرمز إنجازاً دبلوماسياً لافتاً نزع فتيل التصعيد العسكري الفوري؛ حيث برهن الطرفان على قدرتهما على التوصل إلى قواسم مشتركة في المسائل الفنية، متخليين عن الفكرة غير الواقعية للإدارة الجماعية لصالح تقسيم براغماتي لمناطق السيطرة. كما يحمل الاتفاق إشارات إيجابية من خلال النَّص على مجانية الترانزيت وبدء العمل على تطهير المضيق من الألغام البحرية.
بيد أن هذه الخطة تلتف على الأسباب الجذرية للأزمة ولا تعالجها؛ بل إنها تزيد المشهد تعقيداً بجعل إعادة فتح المضيق رهناً بمدى نجاح المفاوضات الأمريكية الإيرانية الأشمل. وفي ظل الشكوك المحيطة بفرص تنفيذ واشنطن لبنود «مذكرة إسلام آباد» على المدى المنظور، فإن احتمالات الاستعادة الكاملة لحركة الملاحة البحرية تظل ضئيلة للغاية. ومن المرجح أن يتجه الوضع نحو حالة من الاستنزاف طويل الأمد، بحيث يظل الممر المتفق عليه مغلقاً، ليتحول إلى ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران. وتأسيساً على ذلك، فإن التقدم المحرز في محادثات مسقط يظل شرطاً أساسياً، لكنه غير كافٍ على الإطلاق لاستقرار الأوضاع في أحد أهم الشرايين التجارية للعالم.