قلما يحصل أن يقع وفاق بين الفلاسفة وبين بادئ الرأي فيما يخص مسألة القيم. الوفاق يقع هذه المرة حول تراتب الحواس. فالفلاسفة، مثلهم مثل ما هو متداول عند بادئ الرأي، يرتبون الحواس وفق وظيفتها المعرفية قبل أن يهتموا بوظائفها الأخرى، وهكذا فهم يضعون الرؤية في أول القائمة ليعقبوها بحاسة السمع. هاتان هما الحاستان اللتان ظلتا تشكلان نافذتي المعرفة الأساسيتين لمدة غير قصيرة.
تسمي الفلسفات التقليدية العقل “النور الطبيعي”، في مقابل “النور الخارق للطبيعة”. وحتى النظرية (theoria) نفسها هي عندها مشتقة من فعل النظر. ووفق ما تراه يمكن لـ”البصيرة” أن تكون مصدرا للمعرفة الحقيقية التي ينبغي لها أن تعتمد على “رؤية” عقلية موجهة نحو التأمل في الأفكار. مقابلها يقوم الجهل، مملكة الظلام والعمى. ومن أبرز الشواهد على ذلك مثال الكهف الشهير الذي يستحضره أفلاطون في الكتاب السابع من “الجمهورية”، إذ يصور الانتقال من عالم الآراء والمعرفة “الظنية” وتناقضاتها إلى المعرفة الحقيقية تصويرا بصريا خالصا. فهو يبدو كتحول نظرة مرغمة على الانفصال عن مشاهدة الظلال كي تتجه نحو النور الباهر، وتتعلم شيئا فشيئا تأمل الحقيقة.
ولدت الميتافيزيقا الغربية بصرية، فقد بنت مفاهيمها على رؤية الصورة. فالـ”eidos” والـ”idea” والـ”theoria” كلها مشتقة من النظر، حتى صار المفهوم شيئا يرى ويمسك به، لا شيئا يسمع. وفي مقابل هذا الانحياز للعين، يقوم تيار مضاد من هرقليطس إلى هايدغر يرد الاعتبار للأذن. فاللوغوس عند هرقليطس ليس عقلا صامتا بل قول ينصت إليه: “لا تنصتوا إلي بل إلى اللوغوس”، والحقيقة عنده موافقة في القول “homologein” وليست رؤية مجردة. وقد جعل هايدغر من هذا الإنصات أصل الفهم حين ربط السمع بالانتماء: نحن نسمع لأننا ننتمي إلى ما يقال، لا لأن لنا آذانا فحسب.
ثم إن السمع قد حظي بمكانة متميزة لأسباب أخرى. فمع التقاليد الدينية، أصبح السمع حاسة الوحي والكلمة والخطاب. الله لا يرى بل يسمع من طريق رسله. ولذلك نجد عند أوغسطينوس ثم عند مارتن هايدغر نوعا من إعادة الاعتبار للسمع بوصفه إصغاء للنداء أو “للكلمة”.
كثيرا ما عبر العصر الكلاسيكي، عن ملكة المعرفة بمصطلح “Entendement” الذي يقربنا من الفعل “Entendre” الذي يعني السمع. فلكي يفهم المرء، ينبغي له عند الفيلسوف مالبرانش “الإصغاء” إلى المعلم الداخلي في صمت الأهواء، وعند سبينوزا ينبغي تجاوز المعرفة بالسماع، أما لايبنتز فيتصور وجود إدراكات دقيقة على غرار هدير البحر المؤلف من صوت كل موجة في حد ذاتها، غير المحسوس منفردا والمحسوس ضمن الكل.
هاتان هما الحاستان اللتان هيمنتا على الفكر الفلسفي. في مستوى أدنى وأقل أهمية، تأتي باقي الحواس. أعلاها مرتبة حاسة اللمس، وقد وظف الأبيقوريون “النموذج اللمسي” لتفسير الإحساس باعتباره تماسا بين أعضاء الحواس والصور المنبثقة من الأشياء. كما وظفه ديكارت لتفسير طبيعة الضوء، إذ يشبه صاحب “البصريات” الظاهرة الضوئية بـ”حركة تنتقل إلى أعيننا عبر الهواء وسائر الأجسام الشفافة، على النحو الذي تنتقل به الحركة أو المقاومة التي يلقاها الأعمى إلى يده عبر عصاه”.
أما حاسة الذوق فنادرا ما تستحضر عند أغلب الفلاسفة، وهي لا تظهر إلا في مجال الجماليات حيث تتخذ مقياسا للحكم على جمال العمل الفني.
يحلم البشر أحيانا بحاسة سادسة، غير أنهم في الواقع يبدون كأنهم يكتفون بأربع حواس. لأن حاسة الشم ظلت لوقت غير قصير تعتبر غير ذات أهمية كبرى عندهم. فإذا كان الصمم والعمى يعدان عموما من قبيل العاهات، فإن فقدان حاسة الشم لا يندرج حقا في هذه الخانة، لدرجة أن كثيرين لا يعرفون حتى الاسم الطبي “l’anosmie” لهذا الاضطراب الذي يصيب القدرة على شم الروائح. فعلى الرغم من أن الذوق واللمس يحتلان مكانة أدنى من البصر والسمع، فإنهما لا ينازعان الشم مرتبته الأخيرة في سلم الحواس، فقد ظل الشم في نظر كثير من الفلاسفة، كما عند بادئ الرأي، الحاسة الخامسة بامتياز.
الشم حاسة لا تقوم على المسافة بل على القرب. لا نستطيع أن نشم شيئا دون أن “يدخل فينا” ويغمرنا بطريقة ما. الرؤية تسمح بالحياد والتجرد، أما الرائحة فتورطنا في العالم. إنها لا تضع الشيء أمامنا بل “تخترقنا”. لذا، يمكننا أن نتساءل: أليس تهميش الشم جزءا من تاريخ أوسع هو تاريخ ابتعاد الفلسفة عن الجسد؟ فالحواس التي نالت السبق هي تلك التي تسمح بمسافة بين الذات والعالم، بينما الحواس التي همشت هي الحواس التي تذكرنا بأننا كائنات متجسدة، منغمسة في المادة، وقابلة للتأثر.
فليس الشم آخر الحواس لأن قيمته المعرفية أضعف بالضرورة، بل لأنه الحاسة التي تقاوم أكثر من غيرها نموذج المعرفة القائم على التمثل والموضوعية و”أخذ المسافات”. إنه حاسة القرب، والاختلاط، والأثر، والذاكرة أيضا؛ ولذلك ظل على هامش فلسفات أرادت طويلا أن ترى العالم من الخارج.
بناء على ذلك، فربما بإمكاننا أن نضع خطاطة عامة لتاريخ الفلسفة توازي هذا التراتب للحواس. فكأن الفلسفة انتقلت من عهد النظر والنظرية، إلى عهد الإصغاء إلى ما “ينقل”، كي تعمل الحداثة الفلسفية في النهاية على استرجاع الجسد بمختلف حواسه.
بدأت الفلسفة، إلى حد بعيد، تحت سيادة العين. يمكن أن نسمي هذه المرحلة: “عصر البصر والبصيرة”، حيث تفهم الحقيقة بوصفها شيئا يرى. ثم حدث تحول عميق مع التقليد الديني الذي يمتد إلى بعض الفلسفات الحديثة والمعاصرة. هنا لا تعود الحقيقة موضوع رؤية بقدر ما تصبح موضوع سماع. فالإيمان “يأتي من السماع”، والوحي خطاب قبل أن يكون مشهدا. لذلك يكتسب “النقل” والإصغاء مكانة مركزية. وعندما يصل الأمر إلى مارتن هايدغر، يصبح التفكير نفسه نوعا من “الإصغاء إلى نداء الوجود”. فلم يعد المطلوب أن “ننظر” إلى الحقيقة، بل أن نتركها تتكلم.
لكن الحداثة المتأخرة، خصوصا منذ نيتشه، ثم الفينومينولوجيا، والتحليل النفسي، وبعض تيارات ما بعد البنيوية، تبدو وكأنها بدأت تزعزع هذا التراتب كله. فالجسد لم يعد مجرد وعاء للعقل، بل أصبح موقعا لإنتاج المعنى. هنا يستعيد اللمس، والذوق والشم المكانة التي تليق بها كحواس. الحداثة لم تعط الجسد اعتبارا فحسب، بل كشفت أن الفكر نفسه متجسد، فلم يعد الجسد موضوعا للتفكير، بل شرط له.
بل إننا يمكن أن نذهب أبعد من ذلك. فلو صح هذا التصور، فإن تاريخ الفلسفة لا يكون انتقالا من حاسة إلى أخرى، بل انتقال من تراتبية للحواس إلى تعددية حسية. فالفلسفة الكلاسيكية كانت تبحث عن الحاسة النبيلة التي تستحق قيادة المعرفة، أما الفلسفة المعاصرة فتكتشف أن لكل حاسة نمطا خاصا في الانفتاح على العالم: الرؤية تكشف الحضور والمسافة، والسمع يكشف النداء والزمن، واللمس يكشف القرب والمقاومة، والشم يكشف الأثر والذاكرة، والذوق يكشف الامتزاج والتحول.
الظاهر إذن أن الفلاسفة لا يختلفون فقط في الكيفية التي يرتبون بها الحواس، ولا في ما يتصورونه عن الحقيقة، بل يختلفون أيضا حول الحاسة التي يفكرون من خلالها. أفلاطون يفكر بعين، وهايدغر بأذن، ونيتشه بأنف، وربما يفكر دريدا بما يمكن تسميته “حاسة تعقب الآثار” التي لا تنتمي إلى عضو بعينه، والتي تعتمد تعددية حسية. هذه بالطبع استعارة، لكنها استعارة قد تتيح إعادة قراءة تاريخ الفلسفة، لا بعدّه تاريخ مفهومات فحسب، بل بعدّه أيضا تاريخا للحواس، وأنماطا لانفتاح الجسد على العالم.
