علي حسين.. جريدة المدى
على مدى أشهر كنت أتابع ما يُنشر حول الطفل العراقي عبد الرحمن المصاب بمرض نادر كلفة علاجه تبلغ ملايين مكلفة بالنسبة لعائلته، وكنت مثل جميع العراقيين أتوقع أن يبادر أحد أثرياء العهد الديمقراطي الجديد، وقلت لأحد الزملاء إن مسؤولينا الذين لفلفوا موازنات العراق على مدى العشرين عاماً الماضية سيخصصون جزءاً منها لدعم مشاريع خيرية، وسيكونون أول المتبرعين لإنقاذ حياة الطفل عبد الرحمن، غير أن الزميل العزيز سخر من جهلي بأحوال ساسة البلاد وقال معاتباً: لا أتصور أن عاقلاً واحداً يمكن أن يطلب من فلاح السوداني وأيهم السامرائي أو مشعان أو حنان الفتلاوي أو نوري المالكي أو إبراهيم الجعفري أو مثنى السامرائي وقبلهم المئات أن يتبرعوا بجزء من غنائمهم للمرضى والمعوزين، أو أن يقرروا إنشاء صندوق لدعم مرضى السرطان.. فكيف تطلب من صاحب الثروة الحرام أن يفعل خيراً.. وكيف تطلب من مسؤول استغل وظيفته لمنفعته الشخصية أن يوقف مالاً من أجل أبناء جلدته؟! وأضاف الزميل أن الذين تبرعوا بجزء من المبلغ الكبير كانوا مواطنين عراقيين بسطاء جمعهم حب الخير والإنسانية والمواطنة.
طبعاً، هناك فرق بين الثروة التي يهبها الأغنياء في دول العالم وبين ثروات أغنيائنا الجدد الذين ينمون بها اقتصاد الدول التي يحملون جنسياتها، فالمليارات التي يتبرع بها أثرياء العالم جاءتهم من استثمارات ومشاريع أقاموها في بلدانهم درت عليهم الثروة، أما ثروات ساستنا فقد جاءت من خطب رنانة ومناورة وانتهازية وفساد مالي، وشعارات طائفية.. ولهذا نحن نظلم أنفسنا إذا حاولنا أن نلبس ثوباً ليس ثوبنا، فمسؤولينا بارعون في كيف يُنتهب مال المدارس والكهرباء والصحة والحصة التموينية في وضح النهار.
لقد تعوّدنا في هذه البلاد أن المسؤول يعاني دائماً من تلبّد في المشاعر الإنسانية، لا تهمه أرقام الفقر وحجم الخراب، المهم حجم الأرصدة التي حصل عليها من خلال عملية نهب منظّم، وتعوّدنا في هذه البلاد أن الحيتان لا يهمهم إذا ما مات الآلاف من العراقيين.
في مقابل صمت أثريائنا ومسؤولينا، كان هناك خبر ينتصر للحياة وللطفولة، حين قرأنا أن الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات، تكفّل بعلاج الطفل عبد الرحمن.. هكذا هو المسؤول الذي يعرف قيمة الحياة، ويدرك أن مهمة المسؤول هي رعاية الناس حتى وإن لم يكونوا من مواطنيه.
كان حاكم دبي قبل سنوات قد منح جائزة صنّاع الأمل للعراقي المثابر هشام الذهبي، وبعدها تبرع للطفلة العراقية “لافين إبراهيم جبار” بدواء تجاوزت كلفته المليوني دولار، وبمحبته الغامرة للعراق كتب بعد فوز العراق ببطولة الخليج هذه الكلمات المؤثرة: “فرح العراق اليوم بعد طول صبر وانتظار وفرحت معه الشعوب والقلوب، كلنا اليوم عراقيون في الفرحة، كلنا اليوم عراقيون في الانتصار”.
في كل هذه اللفتات الإنسانية نجد أن هناك دوماً الحجم المعنوي الذي تتخذه ا دولة الإمارات بكل جدارة واستحقاق، لكي تلعب دور البلاد المحبّة للجميع، تشارك الآخرين أفراحهم وأحزانهم.