ملخص
تكشف زيارة مدير “سي آي إيه” جون راتكليف السرية إلى موسكو عن قلق أميركي متزايد من مأزق روسيا، لا عن الخوف من بوتين. وحملت الزيارة رسالة مفادها أن استمرار الحرب يفاقم الأضرار الاقتصادية، وقد يقود إلى أزمة تهدد استقرار روسيا وترسانتها النووية.
في وقت سابق من الأسبوع الماضي، حطت طائرة من طراز “سي-17 إيه غلوب ماستر 3” في مطار فنوكوفو الواقع في موسكو. ومع أنها وصلت من ريغا في لاتفيا، فقد بدأت رحلتها من قاعدة أندروز الجوية القريبة من واشنطن العاصمة. وحملت على متنها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) جون راتكليف الذي، بعد رحلة سريعة ومقتضبة لموكبه في قلب العاصمة الروسية استمرت ساعات قليلة، عاد محملاً في الأجواء مجدداً في طريق العودة إلى بلاده.
لم يُعرف بمن التقى راتكليف. لم يُعلن عن الزيارة مسبقاً في الولايات المتحدة، فيما نفى الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف معرفته أو علمه بوصول طائرة تابعة لسلاح الجو الأميركي.
ليس مستغرباً إذن أن تكثر التكهنات حول سبب توجه أرفع مسؤول في الاستخبارات الأميركية شخصياً إلى موسكو. في نهاية المطاف، لو كان لدى راتكليف رسالة مهمة يريد إيصالها، لتوافرت لديه وسائل أخرى أسهل وأكثر أماناً من قضاء ساعات في طائرة متجهة إلى روسيا.
تكهن البعض بأن مهمة راتكليف تتعلق بإيران، ربما لطلب مساعدة موسكو في دفع طهران إلى التعامل بجدية مع تسوية قابلة للتنفيذ قد تفضي إلى إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، أو ربما لتحذير حكومة بوتين من مغبة عدم توخي الحذر في تعاملها مع بلد يتعرض إلى ضغوط أميركية عسكرية واقتصادية على السواء. ذلك أن العلاقات بين روسيا وإيران وثيقة منذ سنوات، وقد زودت الأخيرة موسكو بأعداد هائلة من مسيرات “شاهد” التي استُخدمت في الحرب على أوكرانيا.
وتردد أيضاً أن بعض الأوساط في إدارة ترمب ترى في روسيا عنصراً أساسياً في لعبة شطرنج جيوسياسية أوسع نطاقاً، ومتعددة الأبعاد، تتمحور حول الصين، وأن المساعي لفك ارتباط موسكو ببكين، أو إغرائها أو استمالتها للخروج من فلكها والاقتراب من فلك واشنطن، إن لم يكن الدخول فيه، تحتل موقعاً محورياً في السياسات المرسومة على أعلى المستويات. وفق هذا التصور، ربما كانت الزيارة تهدف إلى رسم مسار يبطئ تشكل “نظام عالمي جديد” أو يوقفه.
أما الأكثر إثارة للقلق فكان الحديث عن أن مهمة راتكليف تهدف إلى توجيه تحذير. تلجأ روسيا منذ زمن إلى لغة التهديد في شأن تبعات الدعم الأوروبي لكييف في دفاعها عن نفسها في مواجهة الغزو الروسي الشامل الذي بدأ قبل أكثر من أربع سنوات. لكن هذه التحذيرات اشتدت حدة وتزايدت وتيرتها في صورة لافتة خلال الأشهر الأخيرة، ويلاحظ معظم المحللين ارتباط ذلك الوثيق بمسار حرب تجاوزت الخسائر الروسية فيها بكثير المليون قتيل وجريح. أثار نبأ موافقة المملكة المتحدة على خطط لمشاركة مخططات سرية لمكونات بريطانية ضرورية لإنتاج صواريخ “سكالب” الجوالة غضباً عارماً في روسيا.
ربما تكون الولايات المتحدة، التي لا تزال تملك قدرات استخباراتية هائلة رغم التخفيضات الواسعة التي أقدم عليها إيلون ماسك العام الماضي في مختلف الأجهزة الحكومية، قد رصدت أدلة على تحرك وشيك ضد بلد ثالث، يُحتمل جداً أن يكون أحد بلدان البلطيق، وذلك في مسعى لإثارة الاضطرابات في أوروبا، واختبار تماسك حلف الناتو، والضغط على الاقتصادات الغربية المنهكة، وصرف الأنظار عن أوكرانيا.
بحسب هذا المنطق، توجه راتكليف إلى موسكو لتحذيرها من أن الولايات المتحدة لديها علم مسبق بخطط روسية تستهدف زعزعة الاستقرار، وللتأكيد أنها ستقف بحزم في وجه أي عدوان روسي إضافي، مهما كانت تصريحات الرئيس ترمب العلنية حول نقص تمويل حلف شمال الأطلسي، وحول أن الأوروبيين لا يتحملون نصيبهم من الأعباء، وأن عليهم تولي مسؤولية الدفاع عن أنفسهم.
من الممكن أن تكون بعض هذه الاعتبارات، أو حتى كلها، حاضرة في ذهن راتكليف. لكن بعد عودته، بدأت تتسرب أحاديث عن الهدف الأساسي لرحلته. التقى نظيره ألكسندر بورتنيكوف، رئيس جهاز الأمن الفيدرالي الروسي. لم يأتِ راتكليف لتوجيه تحذيرات أو للحديث عن تبعات أي تصعيد روسي مقبل، بل سافر شخصياً إلى موسكو ليضع على الطاولة بعض الحقائق القاسية.
منذ مدة، تخشى الولايات المتحدة أن تكون الدائرة المحيطة بفلاديمير بوتين تفعل ما تفعله معظم الدوائر المغلقة المحيطة بحكام مستبدين أقوياء: تنقل إلى الحاكم الأخبار التي يريد سماعها. وحضّ راتكليف بورتنيكوف على إطلاع الرئيس الروسي على حقيقة ما يجري، سواء على الخطوط الأمامية أو في العمق الروسي، حيث ألحقت الضربات بعيدة المدى بالصواريخ والطائرات المسيرة الأوكرانية أضراراً جسيمة بالاقتصاد الروسي، باستهداف المصافي ومستودعات التخزين وغيرها. هذه ليست أضراراً هامشية يمكن تجاهلها، بل أضرار خطيرة وقعت بالفعل، ومن شأنها أن تتفاقم أكثر مستقبلاً.
وكما يتضح من فتور جهود ترمب للضغط على بوتين، لا تحتل روسيا ولا أوكرانيا مرتبة متقدمة على سلم الأولويات الأميركية، سواء أكان ذلك صائباً أم خاطئاً. لكن ثمة استثناء واحداً: احتمال انهيار روسيا من الداخل. إذ تسيطر موسكو على أكبر ترسانة نووية في العالم، وتملك قدرات متقدمة عالمياً في مجال الغواصات، فضلاً عن مجموعة واسعة من التقنيات والمواد والأصول الأخرى التي قد تشكل أخطاراً وجودية إذا وقعت في الأيدي الخطأ.
إذا كان التقدير الأميركي هو أن نُذُر الأزمة تتفاقم إلى حد لا يمكن معه استبعاد أي احتمال، تصبح زيارة راتكليف السرية أكثر قابلية للفهم. أتاح له ذهابه شخصياً إلى موسكو التأكد من أن رسالته ستُسمع وتُفهم على النحو المطلوب، وهو ما كان سيصعب ضمانه بوسيلة أخرى.
من خلال الجلوس مع بورتنيكوف وشرح الرؤية الأميركية للأوضاع، وعرض المساعدة، والتحذير من أن عدم توصل روسيا قريباً إلى اتفاق مع أوكرانيا ستكون له تداعيات هائلة يتعذر توقعها، كان راتكليف يطرح مخرجاً من الأزمة. أما السؤال الأهم المطروح هذا الصيف، فهو ما إذا كان بوتين يدرك ذلك، وما إذا كان مستعداً لقبول المقترح.
