إبراهيم الحامد
لا يمكن النظر إلى ملف قوات سوريا الديمقراطية «قسد» باعتباره مجرد ملف كوردي منفصل عن القضية الوطنية السورية، كما لا يجوز اختزال القضية الكوردية السورية كلها في تجربة «قسد» أو في مصير تنظيم سياسي أو عسكري بعينه. فالقضية الكردية أقدم وأعمق من أي تشكيل سياسي أو عسكري، وهي جزء أصيل من قضية الديمقراطية والمواطنة والعدالة والمساواة في سوريا. إن ربط القضية الكوردية السورية بالقضية الوطنية الجامعة لا يعني إنكار خصوصيتها، بل يعني وضعها في إطارها الطبيعي باعتبارها قضية شعب سوري أصيل عانى، إلى جانب مكونات سورية أخرى، من سياسات الاستبداد والإقصاء والتمييز وحرمانه من حقوق ثقافية وسياسية وقومية مشروعة. ومن هنا، فإن الحل العادل للقضية الكوردية في سوريا لا ينبغي أن يكون على حساب وحدة البلاد، كما أن الحفاظ على وحدة سوريا لا يجوز أن يكون ذريعة لإنكار الحقوق القومية والثقافية والسياسية للكورد. المطلوب هو بناء سوريا ديمقراطية تعددية، دولة مواطنة متساوية، تعترف بالتنوع القومي والثقافي والديني والمذهبي، وتضمن الحقوق الفردية والجماعية لجميع مواطنيها. القضية الكوردية ليست قضية «قسد» وحدها من الخطأ السياسي والتاريخي اختزال الشعب الكوردي في سوريا في «قسد»، كما أنه من الخطأ اختزال القضية الكوردية في أي حزب أو تيار سياسي واحد. فالشعب الكوردي في سوريا يضم تيارات سياسية وفكرية واجتماعية متعددة، وله مجتمع مدني وثقافي وسياسي واسع، وله تاريخ طويل من النضال من أجل الاعتراف بوجوده وحقوقه. ولذلك فإن تقييم تجربة «قسد» يجب أن يكون نقدياً وموضوعياً، بعيداً عن التقديس أو التخوين، وبعيداً أيضاً عن تحميل الشعب الكوردي بأكمله مسؤولية خيارات قوة سياسية أو عسكرية بعينها. لقد تشكلت «قسد» في ظروف سورية وإقليمية ودولية استثنائية، وفي ظل الحرب على تنظيم «داعش» وتدخل قوى دولية وإقليمية متعددة في الصراع السوري. وقد أدت دوراً عسكرياً مهماً في مواجهة تنظيم إرهابي شكّل خطراً على السوريين جميعاً، كما تمكنت من حماية مناطق واسعة من الوقوع في مصير الدمار والمجازر التي شهدتها مناطق سورية أخرى. لكن هذا الدور لا يلغي الحاجة إلى مراجعة التجربة، ولا يعفي أي قوة سياسية أو عسكرية من النقد والمساءلة، كما لا يبرر في المقابل إنكار التضحيات التي قدمها الكورد وغيرهم في مواجهة الإرهاب. الكورد جزء من سوريا، وسوريا جزء من الحل إن الدفاع عن حقوق الشعب الكوردي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مشروعاً لتقسيم سوريا، كما أن الدفاع عن وحدة سوريا لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب إنكار للوجود الكوردي. إن المعادلة الديمقراطية الصحيحة تقوم على أن سوريا الموحدة لا يمكن أن تكون قوية إلا إذا كانت لجميع أبنائها، وأن وحدة البلاد لا تُبنى بالقسر، بل بالمواطنة والعدالة والاعتراف المتبادل بالحقوق. ولهذا فإن القضية الكوردية السورية تحتاج إلى معالجة دستورية وسياسية واضحة تتضمن، من بين أمور أخرى: • الاعتراف الدستوري بالوجود القومي والثقافي الكوردي كجزء أصيل من النسيج السوري. • ضمان المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز قومي أو ديني أو مذهبي. • ضمان الحقوق الثقافية واللغوية والتعليمية للكورد. • معالجة آثار سياسات التمييز السابقة، بما فيها قضايا الجنسية والملكية والإحصاءات الاستثنائية وغيرها من المظالم التي تعرض لها المواطنون الكورد. • تمثيل سياسي عادل للكورد في مؤسسات الدولة. • اعتماد نظام إداري ديمقراطي يتيح للمناطق إدارة شؤونها المحلية ضمن دولة سورية موحدة. • حماية جميع المكونات السورية من التهجير والتغيير الديموغرافي والتطهير العرقي والطائفي. • إخضاع جميع القوى العسكرية والأمنية لسلطة وطنية دستورية منتخبة، بما يضمن احتكار الدولة للسلاح ضمن إطار قانوني ديمقراطي. لا انتصار قومياً على حساب شعب آخر كما أن من الخطأ النظر إلى التطورات الأخيرة بمنطق «انتصار» أو «هزيمة» الكرد وحدهم. فالملف الكوردي واحد من أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيداً، وهو مرتبط بتوازنات إقليمية ودولية تمتد إلى تركيا وإيران والعراق وسوريا، وإلى علاقات هذه الدول بالقوى الكبرى. وقد أثبت التاريخ الحديث أن الشعب الكوردي كان في كثير من الأحيان موضوعاً لتقاطعات القوى الدولية والإقليمية، واستُخدمت قضيته أحياناً كورقة تفاوض أو ضغط، ثم جرى التخلي عنه عندما تبدلت المصالح. ولهذا فإن المصلحة الحقيقية للكورد لا تكمن في التحول إلى أداة في يد أي قوة دولية أو إقليمية، كما لا تكمن في الدخول في حروب لا تخدم مصالحهم الوطنية. والموقف الوطني الكوردي المسؤول هو الذي يحافظ على استقلالية القرار، ويوازن بين حماية الحقوق وبين تجنيب الشعب الكوردي والمنطقة المزيد من الحروب والدمار. وفي الوقت ذاته، لا ينبغي استخدام هذا الواقع ذريعة لتبرئة القوى الإقليمية والدولية من مسؤولياتها تجاه القضية السورية والكوردية، ولا لتبرير استمرار الاحتلال أو التدخل الخارجي أو فرض خرائط سياسية بالقوة. الكورد ليسوا أعداء إسقاط الاستبداد من المؤسف أن تظهر، في بعض الخطابات السياسية السورية، نزعة تحمل الكورد مسؤولية سقوط أنظمة استبدادية أو تعتبر حصولهم على بعض حقوقهم تهديداً لبقية السوريين.هذه رؤية قومية شوفينية لا تخدم سوريا ولا الكورد. فالكورد لم يكونوا سبب الاستبداد السوري، ولم يكونوا مسؤولين عن عقود القمع والفساد وانتهاك الحريات التي عاشها السوريون جميعاً. كما أن حصول المواطن الكوردي على حقه في لغته وثقافته وهويته لا ينتقص من حقوق المواطن العربي أو السرياني أو الآشوري أو الأرمني أو الشركسي أو التركماني، بل يرسخ مبدأ المساواة للجميع. إن القضية ليست: كوردياً أم عربياً؟ بل: هل نريد دولة مواطنين أم دولة تمييز؟ وليست القضية: من ينتصر على من؟ بل: كيف ينتصر السوريون جميعاً على الاستبداد والفقر والتهميش والتدخل الخارجي؟ القضية الكوردية قضية سورية وإقليمية في آن واحد القضية الكوردية أوسع من حدود سوريا، وهي قضية تاريخية لشعب موزع بين أربع دول رئيسية هي تركيا وإيران والعراق وسوريا. وقد نتج هذا الواقع عن التحولات السياسية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وإعادة رسم حدود المنطقة. لكن خصوصية القضية الكوردية في كل دولة تفرض حلولاً مختلفة. فما يصلح في العراق ليس بالضرورة صالحاً في سوريا، وما يجري في تركيا لا يمكن نسخه في الحالة السورية. ولهذا ينبغي للكورد في سوريا أن يطوروا مشروعاً سياسياً سورياً واضحاً، يجمع بين الدفاع عن حقوقهم القومية وبين الانخراط الكامل في بناء الدولة السورية الديمقراطية. كما ينبغي للقوى العربية والسورية الأخرى أن تتخلى عن النظرة التقليدية التي ترى في المطالب الكوردية تهديداً للوحدة الوطنية. الوحدة الوطنية الحقيقية لا تعني صهر الهويات، وإنما تعني إدارة التنوع في إطار المواطنة والحقوق المتساوية. لا لتجارة القضية الكوردية ومن جهة أخرى، فإن الدفاع عن القضية الكوردية لا يعني منح أي حزب أو قيادة أو تنظيم حصانة من النقد. هناك أخطاء ارتكبتها قوى كوردية مختلفة، وهناك خلافات وانقسامات داخل الحركة السياسية الكوردية، وهناك من أخطأ في قراءة التوازنات الدولية والإقليمية، وهناك أيضاً من تعامل مع القضية باعتبارها وسيلة للنفوذ السياسي.والميزان العادل يجب أن يطبق على الجميع.لا يجوز تخوين كل من ينتقد «قسد»، كما لا يجوز اتهام كل من يدافع عن حقوق الكورد بالانفصال. ولا يجوز كذلك استخدام الأخطاء التي ارتكبتها بعض القوى الكوردية لتبرير اضطهاد شعب كامل أو إنكار حقوقه.القضية الكوردية أكبر من الأحزاب، وأبقى من القيادات، وأعمق من الحسابات الآنية. نحو عقد وطني سوري جديد إن سوريا التي نريدها ليست سوريا عربية في مواجهة الكورد، ولا سوريا كوردية في مواجهة العرب، ولا سوريا لطائفة في مواجهة طائفة، بل سوريا لكل أبنائها. نريد دولة ديمقراطية مدنية، تقوم على سيادة القانون، والفصل بين السلطات، والانتخابات الحرة، واستقلال القضاء، والعدالة الاجتماعية، واللامركزية الإدارية الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، والاعتراف بالتعدد القومي والثقافي والديني. وفي هذه الدولة يجب أن يكون الكوردي شريكاً كاملاً، لا ضيفاً مؤقتاً، والعربي شريكاً كاملاً، والسرياني والآشوري والأرمني والتركماني والشركسي وسائر المكونات شركاء متساوين في الوطن. إن المطلوب اليوم ليس البحث عن منتصر ومهزوم، بل البحث عن صيغة تمنع تكرار المآسي. لقد دفع السوريون، ومن بينهم الكورد، ثمناً باهظاً من الدم والتهجير والفقر والدمار. ولذلك فإن استمرار الصراع القومي والطائفي لن يخدم سوى القوى التي تريد إبقاء سوريا ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي والدولي. أما المستقبل، فيجب أن يكون للشعب السوري كله. القضية الكوردية لن تُحل بإنكارها، كما لن تُحل بتخوينها أو عسكرة مطالبها؛ وإنما تُحل بالاعتراف والعدالة والديمقراطية والشراكة الوطنية. والكورد ليسوا ضيوفاً في سوريا، كما أن حقوقهم ليست منّة من أحد. إنهم جزء أصيل من الشعب السوري، وقضيتهم جزء من قضية سوريا في بناء دولة ديمقراطية تتسع للجميع. وإذا كانت صفحات الثورات والحروب قد أغلقت أو ستُغلق، فإن قضية الشعب الكوردي لن تُطوى، لأنها ليست قضية حزب أو قيادة أو سلاح، بل قضية حقوق وكرامة ومواطنة وتاريخ. والطريق الصحيح ليس أن يطلق السوريون النار على بعضهم بعضاً، بل أن يضعوا السلاح جانباً، ويجلسوا إلى طاولة واحدة، ويبني كل منهم مع الآخر وطناً لا يحتاج فيه أي مكوّن إلى حماية خارجية كي يشعر بأنه مواطن كامل الحقوق. سوريا الديمقراطية، الموحدة، المتعددة، العادلة؛ هي الإطار الذي يمكن أن تلتقي فيه القضية الكوردية مع القضية الوطنية السورية، لا أن تتصارعا.