توقيعك على قانون العفو العامّ لم يكن توقيع رئيس الجمهوريّة فحسب، بل كان توقيع فخامة الحسّ الوطنيّ، وتوقيع رئيس كلّ الوطن، لكلّ أبنائه وطوائفه ومذاهبه. والأهمّ الأهمّ، كان توقيع الإنسان لكرامته وعدالته وحقّه في أن يشعر بأنّ دولته لا تنظر إليه من نافذة طائفته، بل من بوّابة المواطنة.
سقط المغرضون الذين راهنوا على قوقعتهم وانعزالهم وبُعدهم عن الحسّ الوطنيّ، وسقطت معهم محاولات تحويل قضيّة إنسانيّة ووطنيّة إلى بازار سياسيّ وطائفيّ، تُرفع فيه المتاريس بين اللبنانيّين بدل أن تُفتح بينهم أبواب العدالة.
أسقط رئيس الجمهوريّة، العماد جوزف عون، كلّ التساؤلات والمكائد التي حِيكت في الغرف المغلقة، وسعت إلى المزايدة على الرئاسة الأولى ووطنيّتها، وإلى المزايدة، من باب الشعبويّة، على حقّ الإنسان بوطن، وعلى حقّ أبناء الوطن بعدالة دولتهم.
لم يكن التوقيع حبراً على ورق، ولا إجراءً دستوريّاً عابراً. كان موقفاً يحمل في طيّاته رسالة بأنّ رئاسة الجمهوريّة تستطيع أن تكون على المسافة نفسها من اللبنانيّين، وأنّ العدالة لا تستقيم حين تصبح أسيرة الحسابات السياسيّة والطائفيّة.
رسم خارطة الوطن
في موازاة ذلك، كان مسار مفاوضات روما يرسم وجهاً آخر لهذه الخارطة. خرج كثيرون ليشكّكوا بما تحقّق، فيما كان الإصرار الرئاسيّ على خيار التفاوض المباشر برعاية الولايات المتّحدة ينطلق من هدف واضح: إنقاذ الوطن، وتحرير أرضه، وفكّ أسراه، وتثبيت حقوق لبنان من خلال الدولة ومؤسّساتها.
في هذا المسار، برز أمران لا يمكن القفز فوقهما:
1- التأكيد على الحدود اللبنانيّة وفق المواثيق الدوليّة والاتّفاقيّات المعقودة، بما يثبت أنّ الأرض ليست وجهة نظر، وأنّ السيادة لا يمكن أن تكون بنداً قابلاً للمساومة.
2- فتح ملفّ الأسرى ووضعه في صلب المسار التفاوضيّ، بما يعيد الإنسان إلى قلب أيّ تفاوض سياسيّ أو أمنيّ. فالأرض من دون أبنائها ناقصة، والوطن الذي يستعيد ترابه ولا يستعيد إنسانه يبقى وطنه جريحاً.
ليس صدفة أن تتقاطع هذه الوقائع في زمن واحد. لقد رُسمت خارطة الوطن بتوقيع الرئيس جوزف عون على قانون العفو، ورُسمت من حيث الأرض عبر تثبيت الحقوق والحدود على طاولة التفاوض، ورُسمت من حيث الإنسان عبر وضع كرامته وحرّيته في قلب المعادلة.
إنّها خارطة لا تُرسم بالحبر وحده، بل بالكرامة أيضاً. كلّ أبناء هذه الخارطة لبنانيّون عند رئيس الجمهوريّة. لا فرق بين مسلم ومسيحيّ، ولا بين ابن طائفة وابن طائفة أخرى، ولا حتّى بين مؤمن وملحد ما دام الوطن هو المساحة التي تجمع الجميع. وكما يُقال: الوطن للجميع، والدين للإنسان.
مصالحة مع العدالة
صالح الرئيس عون العدالة التي بحث عنها اللبنانيّون طويلاً، وتحديداً أبناء أهل الأمّة الذين شعر كثيرون منهم، خلال السنوات والعهود السابقة، بأنّهم دفعوا أثماناً باهظة من التنكيل والظلم والشيطنة.
اليوم، يفتح القانون باباً أمام من يشملهم للعودة من غياهب السجون إلى الحرّية، إلى عائلاتهم وأصدقائهم وبيوتهم، وإلى وطن ينتظر منهم أن يبدأوا من جديد، وأن يحاولوا تعويض أيّام سُرقت من أعمارهم.
سيعود آباء كبر أولادهم بعيداً عنهم، وأبناء تبدّلت ملامح آبائهم وهم خلف القضبان. ستُفتح أبواب أُغلقت سنوات، وستسمع بيوت كثيرة خطوات انتظرها أهلها طويلاً. فالحرّية هنا ليست مجرّد باب حديديّ يُفتح. إنّها عمر يعود إلى صاحبه، وكرسيّ فارغ يستعيد صاحبه حول مائدة العائلة، وأمّ تنتظر أن تسمع صوت المفتاح في باب المنزل بدل صوت المفاتيح في ممرّات السجن.
صفحة طُويت من كتاب بقيت فيه بضع صفحات، والأمل في رئيس الوطن أن يستكمل طيّ تلك الصفحات، وأن تتحوّل العدالة من شعار نرفعه إلى ميزان لا يسأل اللبنانيّ عن اسمه أو طائفته قبل أن يمنحه حقّه.
