يغيب ذكر القرار الدوليّ 1701 بشأن لبنان عن الكثير من التصريحات والبيانات اللبنانيّة والأميركيّة والإسرائيليّة منذ مدّة. كان ذا دلالة تذكير البيان السعوديّ – الفرنسيّ به قبل عشرة أيّام. استبعاد التجديد لقوّات “اليونيفيل” من قبل أميركا وإسرائيل، قد يكون سبب إهماله، لأنّ انتدابها يقع في صلبه. لكنّ تجاوزه كمرجعيّة للحلول يدفع للتساؤل عن البدائل التي تنوي واشنطن وتل أبيب طبخها للبنان. “الحزب” الذي يعارض التفاوض المباشر مع إسرائيل، بات يتمسّك به كبديل لاتّفاق “الإطار”، بعدما حال لعقدين، وإسرائيل، دون تنفيذه.
تجنّب نصّ اتّفاق “الإطار” الثلاثيّ بين لبنان وإسرائيل الذي وُقِّع في 26 حزيران الماضي الإشارة إلى القرار 1701، في تناوله الخطوط العريضة التفاوضيّة بشأن الجنوب، من وقف النار إلى انسحاب إسرائيل وسحب سلاح “الحزب” ومعالجة سائر المشاكل الأخرى والترتيبات الأمنيّة المطلوبة.
“الإطار” والـ1701
اكتفت الفقرة الأولى من “الإطار” بالإشارة إلى أنّه يستند “بعد عدّة جولات من التفاوض المباشر بين الطرفين، إلى اتّفاقات وتفاهمات سابقة ناجحة”. هذه العبارة تحتمل التفسير القائل إنّه يشير إلى القرار الدوليّ وغيره من القرارات، من دون تسميتها، إضافة إلى إعلان 27 تشرين الثاني عام 2024 لوقف الأعمال العدائيّة. الأخير نصّ بوضوح على تنفيذ القرار 1701، مستنسخاً ما تضمّنته الفقرات المخصّصة للانسحاب الإسرائيليّ وخلو جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعيّ، واحتكار الدولة للسلاح على الأراضي اللبنانيّة كافّة لا في الجنوب وحده. ذهب إعلان وقف الأعمال العدائيّة إلى تحديد القوى الشرعيّة التي يحقّ لها حمل السلاح، وصولاً إلى الشرطة البلديّة. إغفال القرار 1701 في اتّفاق “الإطار” يعود إلى رفض إسرائيل أيّ إجماع دوليّ يلزمها الانسحاب، وإلى مراعاة الدبلوماسيّة الأميركيّة لحكومة بنيامين نتنياهو.
مرجعيّة قانونيّة في الاتّفاقات السّابقة
علاوة على ذلك يتسلّح الموقف اللبنانيّ بإعلان تشرين الثاني 2024 لوقف الأعمال العدائيّة، لاستناده إلى القرار الدوليّ الذي يشمل الإشارة إلى اتّفاق الهدنة الموقّع عام 1949 بين البلدين. لهذا السبب يصرّ رئيس البرلمان نبيه برّي عليه فيما يتمسّك الرئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكيّ وليد جنبلاط بالهدنة كمرجعيّة بشأن الحدود.
الجديد في كلّ ذلك أنّ “الحزب”، الذي كان يزدري القرار 1701، ومرجعيّات الأمم المتّحدة، رافعاً الحجّة بأنّ القرارات الدوليّة لم تحرّر الأرض، بل هو من فعلها، بات يتمسّك بالقرار.
لا إسرائيل ولا “الحزب” التزما أيّاً من بنوده. إسرائيل واصلت انتهاكاتها التي كانت تقارير الأمم المتّحدة توثّقها بالآلاف. و”الحزب” استفاد من الهيمنة السوريّة الأسديّة والإيرانيّة على قرارات السلطة اللبنانيّة من أجل تعزيز بناه العسكريّة جنوب وشمال الليطاني، كما أثبتت الحربان الأخيرتان المدمّرتان، لإسناده غزّة والثأر لاغتيال المرشد عليّ خامنئيّ.
إذا كانت انتهاكات إسرائيل تندرج في سياق عدوانيّتها المعهودة، فإنّ لخرق “الحزب” نصوص القرار سياقاً يندرج بحقائق أساسها التحاقه الكامل بالمحور الإيرانيّ:
في الفقرات التسع عشرة التنفيذيّة للـ1701 تنصّ الخامسة عشرة منها على بندين هما الأطولان بين سائر نصّه، وتلزم “كلّ الدول أن تتّخذ الخطوات الضروريّة لمنع، عبر أراضيها أو موانئها أو طائراتها… بيع أو تزويد أيّ مجموعة أو أفراد في لبنان بالأسلحة والآليّات والمعدّات العسكريّة، والتجهيزات التي لها علاقة، بما فيها الذخيرة… والمعدّات المتّصلة بها من كلّ الأنواع”. كما تنصّ على امتناع الدول عن التدريب وتزويد قطع غيار الأسلحة أو معدّات تصنيعها، مستثنية الدولة اللبنانيّة.
استهدفت هذه الفقرة سوريا الأسد وإيران بالذات. وهذا سبب انقلاب “الحزب” على الـ1701 بعد أن ألحّ على حكومة فؤاد السنيورة تسريع إصداره لوقف القصف الإسرائيليّ التدميريّ لأنّ قيادته تريد إنهاء الحرب والحدّ من الخسائر. وافق “الحزب” على نصوصه في مجلس الوزراء برئاسة فؤاد السنيورة مطلع آب 2006، وقال أحد وزرائه لزملاء له “نوافق على ما تقرّرونه”.
في اليوم التالي لموافقته على القرار في جلسة الحكومة آنذاك أعلن “الحزب” أنّ وزيريه تحفّظا على نصّه.
بعد أسابيع نفى الأمين العامّ الراحل السيّد حسن نصرالله في مقابلة مع قناة “الميادين” أن يكون “الحزب” وافق على الـ1701، بحجّة أنّ “المقاومة لا تعلن وقف النار مع العدوّ”. وكانت طهران رفضت إعطاء موافقتها على القرار حين زارها الأمين العامّ للأمم المتّحدة الراحل كوفي أنان لهذا الغرض في حينها. أحاله الرئيس أحمدي نجاد إلى “الحزب”.
وظيفة السّلاح الإيرانيّة هتكت بالقرار الدّوليّ
حقيقة موقف “الحزب” تكتمل مع سرد وقائع الوظيفة الإيرانيّة الإقليميّة لسلاحه، في مقتلة سوريا، واليمن… والخلايا التي أنشأها في الكويت والبحرين وغيرهما من الدول في الإقليم ودول بعيدة. وكلّها كانت باسم شعارات الصلاة في القدس وتدمير الدولة العبريّة، التي بقيت تراقب وتتعايش مع نموّ ترسانته في لبنان، جنوباً وشمالاً. وانتهكت إسرائيل بنود إنهاء الأعمال القتاليّة والانسحاب باسم تهديد أمن شمالها.
هل أعاد “الحزب” النظر بـ”هتكه” المقابل للقرار 1701، لأسباب إيرانيّة، بعد النكبة التي حلّت بالجنوب، بحيث يكون مرجعيّة بديلة لاتّفاق “الإطار” الذي يرفضه؟
عودته المتأخّرة للمطالبة بتنفيذه لا توحي بذلك. ولا يشي استمرار ربطه الحلول للبنان بنتائج التفاوض المفترض الذي تؤخّره حرب أميركا – إيران المتناسلة، بجدّيّة التزامه به. اختلال ميزان القوى في لبنان كان مؤشّراً إلى أنّ القرار لم يعد مرجعيّة قانونيّة بالنسبة إلى الراعي الأميركيّ الذي يفتّش عن “أفكار تجريبيّة” لإخراج اتّفاق “الإطار” من الجمود.
استعادة سعوديّة فرنسيّة لمرجعيّة التّفاوض؟
في خضمّ البحث عن القوّة البديلة لـ”اليونيفيل” برز البيان السعوديّ الفرنسيّ في 24 آب الماضي، الذي يشدّد على التنفيذ الكامل للقرار 1701 وضرورة استكمال نزع سلاح الجماعات المسلّحة، وضرورة الانسحاب الإسرائيليّ الكامل من جميع الأراضي اللبنانيّة.
هل تمهّد إشادة البيان بخطوات رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون والحكومة برئاسة نوّاف سلام، لإعادة بناء مؤسّسات الدولة وبسط سلطتها، وتصحيح المسار التفاوضيّ الذي سلكه لبنان بتأييد من الدولتين، بحيث تسعيان لدى واشنطن لاستعادة الـ1701 كمرجعيّة تفاوضيّة بدلاً من إبقاء جلسات روما رهينة الانتخابات الإسرائيليّة، وحبيسة تلال عليّ الطاهر، وغرق “الحزب” في مياه مضيق هرمز؟
