ملخص
تملك روسيا أدوات عدة لشن حرب هجينة ضد المملكة المتحدة، من الهجمات السيبرانية والتخريب إلى استهداف البنية الحيوية والمنشآت التجارية. وبينما تعزز أوروبا استعداداتها لمواجهة هذا الخطر، تواصل بريطانيا التقليل من شأن التهديد، رغم هشاشة منشآتها واحتمال أن تتسبب هجمات متزامنة في اضطرابات اقتصادية وذعر واسع.
للتذكير: أطلقت روسيا، بشكل مباشر أو عبر مؤثرين مرتبطين بالكرملين، مختلف أشكال التهديدات للمملكة المتحدة منذ غزت موسكو أوكرانيا في عام 2022. من ضربة نووية إلى زوارق حربية نووية كفيلة بإحداث تسونامي، وغير ذلك الكثير – طالت دائرة التهديدات كل شيء. ومع ذلك، لم تقع حتى الآن أي حادثة كبرى.
إلا أن طبيعة التهديد وحجمه وعواقبه المحتملة تتغير. فقد أفادت التقارير أن الغواصة الروسية الجديدة “خاباروفسك” التي تعمل بالطاقة النووية بدأت تجاربها البحرية في أغسطس (آب) الماضي. وقد صُممت هذه الغواصة خصيصاً لغرض حمل أسلحة “بوسيدون” القادرة، بحسب البروباغندا الروسية، على إحداث تسونامي إشعاعي كفيل بتدمير المدن الساحلية.
في الأسبوع الماضي، حذر رئيس أركان البحرية الملكية البريطانية الجنرال السير غوين جينكينز، من أن قدرات روسيا في مجال الحرب تحت الماء باتت تشكّل مصدر تهديد كبير للبنية التحتية للبيانات والطاقة والاتصالات. وفي حديثه إلى برنامج المدوّنة الصوتية المختص بقضايا الدفاع “ديفينس توكس” Defence Talks، قال إن “التحالفات تبدو هشة”، وإنه يخشى تحقّق “عدد من السيناريوهات المحتملة في المستقبل التي قد تسفر عنها أحداث كارثية، دون أي يقين من قدرتنا على تجنبها”.
فيما يزداد بوتين سخطاً، يصبح من الصعب أكثر فأكثر الاستخفاف بالتهديدات الأخيرة واعتبارها مجرد كلام فارغ. ورغم أن الهجوم النووي قد يبدو غير واقعي، فإن أوروبا بدأت في التعامل مع هذه التهديدات بشكل مباشر. أمس، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين محاولة الهجوم بالطائرات المسيرة على مطار لايبزيغ/هاله التي استخدمت فيها مواد من النوع العسكري، والتي تنسبها السلطات الألمانية إلى روسيا، بأنها تصعيد خطير من جانب روسيا على أراضي الاتحاد الأوروبي.
في بيان صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “الناتو” مارك روته، قالت إن تحركات روسيا تندرج ضمن نمط أوسع من الهجمات والتهديدات الهجينة التي تستهدف أوروبا. وقد دفعت سلسلة من الحوادث التي شهدتها ألمانيا السلطات إلى البحث في سبل تعزيز حماية البنية التحتية الحيوية في مواجهة هذا التهديد المتنامي. ومع تجدد التهديدات التي تتعرض لها المملكة المتحدة بسبب دعمها لأوكرانيا، يتزايد القلق من أن تكون روسيا جادة في تصعيد مثل هذه العمليات، بما قد يترتب عليها من نتائج خطرة، وإن كانت غير معروفة بعد.
لكن المملكة المتحدة غير مستعدة على الصعيد المادي لمواجهة أي حملة تخريب ممنهجة ومستمرة تستهدفها على نحو مباشر. أما الهجمات السيبرانية؟ فنحن محظوظون بوجود “وكالة الاتصالات الحكومية” (GCHQ) في تشيلتنهام، التي تعد، على الأرجح، من أبرز مؤسسات الأمن السيبراني في العالم. ومع ذلك، تمكن قراصنة من شل عمليات شركة “جاغوار لاند روفر” شبه بالكامل لنحو ستة أسابيع، فيما قُدرت الخسائر التي لحقت بالاقتصاد البريطاني على نطاق أوسع بنحو 1.9 مليار جنيه استرليني.
ولكن ما الذي يمكن أن تفعله المملكة المتحدة في سبيل التصدي لأعمال التخريب أو الهجمات ضد البنية التحتية الوطنية الحيوية مثلاً – أي الهجمات الفعلية على الأرض؟ نشر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، الذي يتخذ من لندن مقراً له عام 2025 أظهر تقريراً كشف أن هجمات “الحرب الهجينة” الروسية على البنية التحتية الأوروبية قد ارتفعت إلى ما بين 30 و35 حادثة سنوياً – فيما وقعت عشرات الحوادث الأخرى التي تعذّر ربطها بموسكو بشكل قاطع، رغم وجود شكوك قوية في ضلوعها فيها.
وفي حين تبنّت الحكومات الأوروبية لهجة صريحة جداً في تحميل روسيا مسؤولية أعمال التخريب – لم يحدث ذلك في المملكة المتحدة. وقد سمعتُ من أشخاص معنيين بهذا المجال أن ردّ الفعل جاء مشابهاً للتبريرات التي وردت في أفلام “رجال في البدلات السوداء” Men in Black بشأن تحركات الكائنات الفضائية قبل القضاء عليها “كان مجرد بالون أرصاد جوية، أو غاز مستنقعات”. باختصار، أي شيء عدا الحقيقة.
وكلما زاد عدد محطات الكهرباء الفرعية التي تشتعل بشكل تلقائي بمعدلات لم نشهدها منذ عقد من الزمن، زاد التساؤل عن سبب هذه الأحداث ومن يقف وراءها. أُبلغ البرلمان في يونيو (حزيران) 2025 عن وقوع خمس حرائق في محطات كهرباء فرعية خلال السنوات الخمس السابقة قُدمت عنها بلاغات للحكومة، في حين وقع حادثان آخران عام 2025 لم يصل مستوى خطورتهما إلى الحد الأدنى المطلوب للإبلاغ عنه وفقاً لمعايير القطاع.
كانت الأسباب المعلنة لهذه الحوادث في الغالب أعطالاً كهربائية أو تقنية، ولم تكن أدلة على هجوم منسق. قد لا يبدو تعطيل مطار لمدة 48 ساعة أمراً خطيراً للغاية بالنسبة لاقتصاد دولة بحجم المملكة المتحدة، ولكن إذا وقعت أحداث مماثلة بوتيرة متتالية وسريعة، فمن شأنها إحداث تأثير اقتصادي أكبر.
وقد تصبح الشركات الخاصة مستهدفة هي الأخرى. فقد استهدفت أوكرانيا بالتحديد شركة “وايلدبيريز” Wildberries، أكبر متجر إلكتروني روسي لمبيعات التجزئة عبر حملة من الضربات بالطائرات المسيرة التي أوقعت أعطالاً كبيرة في شبكته اللوجستية والشركات التي تعتمد عليه. وتُظهر هذه الهجمات التأثير الاقتصادي المحتمل الذي قد ينجم عن استهداف مراكز ضخمة للتوزيع التجاري.
من المفيد التفكير في العواقب التي قد تترتب على تعرّض أحد مراكز خدمات التسوق الإلكتروني الكبرى في المملكة المتحدة، كتلك التابعة لشركة “أمازون”، لهجوم متعمد وتدميره. وعلى عكس المنشآت التي تُعتبر “بنية تحتية وطنية حيوية”، لا تمتلك المنشآت اللوجستية الكبيرة التي تديرها شركات خاصة، في العادة، أنظمة دفاع ميدانية خاصة بها تموّلها الدولة. ولذا فإن السؤال المطروح هو إن كانت الترتيبات الأمنية الحالية كافية لحماية المواقع اللوجستية التجارية ذات الأهمية الاستراتيجية من التهديد المتزايد الذي تشكله الطائرات المسيرة؟
وهل يمكن أن تزود روسيا جهات معادية بطائرات مسيرة من طراز “شاهد”؟ ولم لا؟ فالكثير من الأشياء يدخل المملكة المتحدة من دون أن يتم اعتراضه. وقد “ظهرت” طائرات مسيرة فوق قواعد جوية في أنحاء أوروبا، كما صودرت طائرات مسيرة مسلحة قرب مطارات ألمانية تضم عمليات لوجستية مخصصة لإمداد أوكرانيا. ولا يمكن للمملكة المتحدة أن تفترض، ناهيك بالقول، إنها بمنأى عن مثل هذه العمليات في المستقبل القريب.
كما أنك لا تحتاج إلى عملاء روس فعليين لتنفيذ هجوم. فقد وثقت حالات عدة في أنحاء أوروبا جندت فيها أجهزة الاستخبارات الروسية أو منظمات مرتبطة بالدولة الروسية وسطاء وشبكات إجرامية محلية لتنفيذ أعمال تخريب وإحراق وهجمات أخرى، وغالباً ما جرى ذلك عبر تطبيق “تيليغرام”. وفي بعض الحالات، تلقى المنفذون أموالاً عبر وسطاء على الإنترنت، بينما لا تزال تفاصيل ترتيبات الدفع غير واضحة في حالات أخرى. وقد انتهت عدة عمليات بإدانات جنائية. وما ينطبق على فرنسا وألمانيا وبولندا قد ينطبق على المملكة المتحدة أيضاً.
و”الميزة الكبرى” في مثل هذه العمليات هي أنه ما لم تتمكن من إثبات وجود تحويلات مالية فعلية أو تحويلات مصرفية وما شابه، تستطيع روسيا إنكار كل شيء وأي شيء. فمعيار الإثبات مرتفع للغاية، والدولة الأوروبية التي تتعطل سككها الحديدية لأيام لن تعلن الحرب على روسيا استناداً إلى مجرد اعتقاد أو شعور. لكن الأثر الذي ستخلفه هذه العمليات على الدولة المستهدفة سيكون ملموساً بكل تأكيد.
سيكون من السهل للغاية إثارة الذعر في لندن والمدن الكبرى الأخرى. فكر فيما قد يحدث إذا تعطلت منشأة اتصالات رئيسة تخدم لندن بسبب حريق أو عمل تخريبي. فالمدن الحديثة تعتمد على عدد قليل على نحو مفاجئ من المنشآت شديدة الترابط، ويمكن أن تمتد تداعيات فقدان إحداها إلى ما هو أبعد بكثير من موقعها الفعلي.
ويمر جزء كبير من اتصالات الحكومة البريطانية وحركة الإنترنت، فضلاً عن حركة البيانات التجارية، عبر هذه المنشآت. وبالتالي فإن أي شيء يؤدي إلى توقف إحدى هذه المنشآت عن العمل يمكن أن يكون له تأثير ملموس في الحياة اليومية في لندن والمناطق المحيطة بها. وإذا لم تكن السلطات قد أجرت محاكاة لآثار مثل هذا السيناريو، فمن المرجح أن تصاب بالصدمة أمام ما يمكن أن يترتب على عمل تخريبي كهذا.
كلما أمعنت النظر في البنية التحتية للمملكة المتحدة، رأيت نقاط الضعف والأماكن المعرضة للخطر. توفر قوة الشرطة النووية المدنية حماية مسلحة للمواقع النووية المدنية والمواد النووية، ولكن ماذا عن مراكز التحويل ومحطات الكهرباء الفرعية وخزانات المياه ومنشآت معالجة المياه ومراكز توزيع المواد الغذائية وبعض المصانع؟ إن أي هجوم على هذه المواقع سيخّلف عواقب مدمرة. وهنا يصبح الوضع مثيراً للقلق الشديد.
ومن الجدير بالذكر أنه في أعقاب تهديدات موثوقة لحياة الرئيس التنفيذي لشركة الصناعات الدفاعية الألمانية العملاقة “راينميتال“، أرمين بابيرغر، في عام 2024، شوهد رؤساء تنفيذيون لشركات بريطانية في قطاعي الدفاع والتكنولوجيا برفقة حراس حماية شخصيين خلال فعاليات، من بينها معرض فارنبورو الجوي. ولم تختف تهديدات الاغتيال، بل يبدو أنها ازدادت في أعقاب التهديدات باستهداف مصانع الطائرات المسيرة التي تزود أوكرانيا.
وفي مايو (أيار) 2026، ناقش نواب في البرلمان ما إذا كان الجمهور يتلقى معلومات كافية عن التهديد الروسي. وقالت النائبة العمالية ميشيل سكروغهام إنها سألت رئيس هيئة الأركان العامة للدفاع عن سبب عدم إبلاغ الجمهور بمزيد من التفاصيل حول هذه التهديدات. وأضافت أن رده كان: “لا نريد إثارة قلق الناس”. لكنها ردت بأن الناس بالغون، وربما ينبغي أن يكونوا أكثر قلقاً، قائلة إن الجمهور “ربما ينبغي أن يكون أكثر قلقاً بقليل مما هو عليه الآن”.
وعندما ألح عليه أحدهم بشأن تهديدات روسيا تجاه المملكة المتحدة، حذر رئيس الوزراء السابق، السير كير ستارمر، نفسه من أن الحملة الهجينة الروسيّة لم تعد مجرد تهديد عسكري، بل باتت قادرة على “تعطيل حياتنا” و”مفاقمة أزمة تكاليف المعيشة”، في إشارة إلى الهجمات الإلكترونية وأعمال التخريب. تخيل إذاً أن يمتد هذا التخريب إلى رفوف المتاجر الكبرى، فتفرغ من السلع ولا يعاد تموينها، أو تنهار شبكة الاتصالات المحمولة، أو تعجز المستشفيات عن الحصول على الأدوية التي تحتاج إليها. عندها سيتساءل الناس عما فعلته حكومتهم، أو لم تفعله، لمنع هذه التهديدات والحد من تداعياتها.
هل تتطلب زيادة قدرة البنية التحتية الوطنية الحيوية في المملكة المتحدة على الصمود تكاليف؟ بالطبع. ستحتاج إلى مزيد من المراقبة، ومزيد من الدوريات، بل وحتى مزيد من العناصر المسلحة، ليس فقط لردع الهجمات، وإنما للتدخل أيضاً عند وقوعها. وينبغي مساءلة وزارة الخزانة عن هذا الأمر، إذ عليها أن تضع في حساباتها كلفة وقوع اضطراب اقتصادي كبير. فمن الأسهل أن نسحب الغطاء فوق رؤوسنا ونتظاهر، أو نأمل، بأن الأسوأ لن يحدث أبداً. لكن جائحة عالمية علمتنا جيداً إلى أين يقودنا هذا النهج.
في الوقت الذي ترفع فيه أوروبا مستوى جاهزيتها، فإن الاتجاه السائد هنا في المملكة المتحدة هو محاولة التقليل من شأن أي أحداث من هذا القبيل. علمنا الأسبوع الماضي أن الحكومة بصدد إعداد ما يُعرف بـ”كتاب الحرب”، وهو عمل بدأ بالفعل في عهد الحكومة السابقة، استعداداً لتداعيات أي صراع دولي أو حالة طوارئ وطنية خطيرة. لكن في حين يمكننا تخزين المعلبات والبطاريات القابلة للشحن اليدوي وزجاجات المياه، سيكون من المفيد أن نعرف المزيد عما تفعله الحكومة لحمايتنا في المقام الأول.
