أعلنت هيئة الطيران المدني السورية عن خُطط لتحويل مطار المزة العسكري إلى مطار مدني مُخصَّص للطائرات الخاصة والتنفيذية، ضمن مشروع أوسع يضم مكاتب ومقرات شركات وفنادق ومعاهد ومُجمَّعات سكنية وتجارية. يصعب فهم الحاجة الاقتصادية والعمرانية إلى مشروع كهذا: ما حجم الطلب الفعلي على الطيران الخاص الذي لا يستطيع مطار دمشق الدولي، الحالي والمستقبلي، تلبيته؟ ثمة منطقٌ معروفٌ في الفقاعات العقارية وحُمّى مشاريع البنية التحتية العملاقة، ومُجرَّب في دول حوض المتوسط في العقدين الأخيرين، يَفترِضُ أن تشييد الشيء كفيلٌ باستدعاء مُستخدميه. يُبنى مطار للطيران الخاص، فلا بد أن تأتي طائرات.

لكن ما يستوقف أكثر هو المخيال الذي اهتدى إلى المكان. يريد القائمون على المشروع مطاراً للطيران الخاص، ثم ينظرون إلى البسيطة السورية كلها فلا يجدون له مساحةً سوى مطار المزة، وفي نطاقه سجن مطار المزة، أحد الأمكنة الأساسية في تاريخ الاعتقال والتعذيب والتغييب السوري. يتكثف في هذا الاختيار تَصوّرٌ للبلد يراه على شكل قطع أرض ومواقع استثمارية وفرص تطوير، فيما يختفي الناس الذين عاشوا في هذه الأماكن، ويختفي ما جرى لهم فيها ومعه الحقوق والذكريات والمعاني التي يحملونها.

ينسجم ذلك مع تحويل أشياء مُنتزَعة من آلات صناعة الموت الأسدية إلى مقتنيات معارض، بينما تُترَك السجون ومراكز الاحتجاز نفسها للإهمال أو الاستثمار أو إعادة الاستخدام. يتجمَّعُ الزوار حول أدوات الرعب ويلتقطون الصور، وينشأ انطباعٌ بأن الواجب تجاه الذاكرة قد أُنجز وأتمَّ الإنجاز. ليس هناك مُقترَح لجواب جاهز عمّا ينبغي فعله بكل سجن وفرع ومركز اعتقال وتغييب، لكن مصيرَ هذه الأمكنة شأنٌ سياسي ووطني، يحتاج إلى نقاش عام ومُؤسِّس، ومشاركة واسعة ومتنوعة، ومعرفة مهنية وتاريخية وحقوقية. أما تركه لمزاجٍ من نوع «من يحرر يستثمر»، فهو يحوّل التعامل مع أثقل ترِكاتنا الوطنية إلى سلسلة وقائع سائلة في بوتقة الترندوقراطيّة، أو «الحكم بالعَبطة».

لا يجري هذا كله بعد أن صارت أهوال السجون شأناً من الماضي. ما زال الاعتقال خارجَ القانون حاضراً، وتتوالى أخبار عن التعذيب وعن محتجزين خرجوا من أماكن احتجازهم جثثاً، أو خرجوا حاملين آثار ما جرى لهم فيها. وفي موازاة الخِفّة التي تتصرف بها السلطة حيال ذاكرة أماكن التغييب وواقع الاحتجاز الحالي، لا تبدو في الشأن العام حساسيةٌ مستقرةٌ تجاه التغييب والقتل تحت التعذيب. تظهر حساسية قوية عندما نرى الضحية، من موقعنا، بريئةً أو قريبةً أو شبيهةً بنا. ظهرَ هذا النقصُ في الحساسية خلال مجازر الساحل، ثم في أحداث السويداء، على اختلاف السياقات والفاعلين والمسؤوليات. قد يجد العنف العسكري خطاباً يُسوِّغه بمقتضيات الصراع؛ لكن استسهال التنكيل والإهانة وكسر الكرامة، وتصوير ذلك والتباهي به، يقول شيئاً آخر. لم تكن الوحشية فعلاً يُرتكَب سراً ويُنكَر، بل أداءً علنياً له جمهور مستعد للشماتة أو التبرير، تتحدَّدُ حساسيته تجاه الإذلال بحسب هوية الضحية وموقعها.

الحساسيات العامة لا تنشأ ولا تُصَان من تلقاء نفسها، ولا يصنعها المُعاش العاري وحده، مهما كان رهيباً. تحتاج إلى سياسة وفكر وثقافة وفن ونشاط حقوقي، وإلى شأن عام متين بالحد الأدنى، يُحوِّلُ التجارب إلى أفكار وقيم وبرامج عمل، ويبني حولها قدرةً على المقاومة والمساءلة. لا تُواجَه خِفّة السلطة بالذكريات وحدها، ولا يكفي حجم ما حدث في الماضي كي يضع حدوداً لما يُمكن أن يحدث اليوم. وهنا يقع الشكل الأهم لاستمرار «الاختفاء السوري» بعد سقوط الأسد: في عطب السياسة والفكر والثقافة والفن والنشاط الحقوقي، وفي غياب شأن عام ينحو نحو التعافي ويشتغل على تكوين الحساسيات وصيانتها. قبل سقوط النظام، كَتبتُ عن «الاختفاء السوري» قاصداً به انمحاءً سورياً أوسعَ يدور حول المركز الرهيب للتغييب: مسحُ الناس من أطر الاستشعار العامة، مما نراه ونرويه ونُوثِّقه ونرعاه. اختفى سوريون كثيرون كيلا يُغيَّبوا، بالصمت والاختباء أو الرحيل، ثم طال اختفاؤهم وتحول لدى كثيرين إلى أفول عن الفعل العام والحياة المُشترَكة.

سقطَ كبير المُغيِّبين، ولكن ثمة دوامات اختفاء قد بقيت بعده. نراها في التعامل مع الأماكن، حين يُمحى تاريخها كي تظهر أرضاً متاحة للاستثمار. ونراها في زوابع الاغتيال المعنوي ضد أصوات غير منضوية في مساطر سورية مُتعارِضة فيما بينها. تبدو هذه النزعة اليوم أكثر صخباً في أوساط أنصار السلطة، بحكم ما تمنحه لهم لحظتهم السياسية والبُنية التحتية لخطابهم في الإعلام الرسمي والرديف. لكنها ليست مرضاً خاصاً بهم، ولا وُلِدَت مع السلطة الجديدة. أمضت أوساط سورية معارضة سنوات في ممارسة الإقصاء والتخوين والنبش في السِّيَر، وتحويلِ الفروق في التقدير والموقع ودرجة العداء إلى أحكام أخلاقية شاملة، وإلى حروبٍ صفرية سرمدية. انقلبت مواقع القوة والخصومة، وأُعيدَ إنتاج الاصطفافات من جديد، وبقي لدينا مجال عام سوري مريض، قليل الفاعلية والوجدان وكثير التعنيف.

لا يُناقَش كلامُ الشخص بقدر ما تُركَّبُ له شخصية كاملة من جملة أو موقف، أو من تَوقُّعِ الجملة أو الموقف، أو غياب الجملة والموقف، أو من «الجسم اللّبيس» للجملة والموقف. يُعاقَب الاستقلال، وتكفي مسافة صغيرة عن الاصطفاف المرغوب كي تبدأ ماكينة الارتياب والإهانة. يبقى الشخص موجوداً ويتكلم، لكن صورةً مصنوعة عنه تحلُّ محله، ويصير اسمه اختصاراً لتهمة تُغني عن سماعه.

هذه ليست مجرد خشونة في النقاش. إنها ماكينة لتسييل المجال العام، فلا تبقى فيه علاقاتٌ ولا ثقةٌ متراكمة ولا قدرةٌ على العمل، بل أفرادٌ وجماعاتٌ صغيرة يراقب بعضهم بعضاً وينفقون طاقتهم في إثبات أنهم في الموقع الصحيح وبالدرجة الصحيحة من الغضب. يُصبح الاستعراض العقابي بديلاً من الفعل، ويُقاس الموقف بمقدار القسوة على شخص قريب ومُتاح، لا بما يُراكمه من قدرة على مواجهة سلطة فعلية.

السوري، يبدو، لا يخطئ؛ هو فقط إما «صح» أو «واطي». وكلّما عجزنا عن إنتاج أثر سياسي، ازدادت حاجتنا إلى البرهان الأخلاقي على نقائنا، وصار العثورُ على شخص أقل نقاءً مناسبةً لإثباته. يشاهد الآخرون الحفلة، فيصمتُ بعضهم، ويختار بعضهم العبارات التي تضمن سلامته، وينضم إلى الحفلة آخرون طلباً للحماية وإعلاناً لموقعهم داخل الجماعة.

المجال العام المُذرَّر، قليلُ الثقة، الذي يستنزفُ أفرادُهُ أنفسهم في محاكمات متبادلة، هو المجال الأسهل حُكماً. لا تحتاج السلطة إلى تنظيم كل حملة كي تنتفع منها؛ يكفيها أن تجد الطاقات السياسية مُستهلَكةً في امتحانِ راديكالية أصحابها وضبطِ حدود جماعاتهم، عوضاً عن تَحوُّلها إلى معرفة وتنظيم وعمل جماعي.

نحتاج إلى قطيعة مع الغياب. إلى حضور المُغيَّبين في البحث والذاكرة والعدالة، وحضور الأمكنة بما جرى فيها، لا بما يُمكن أن تدرّه بعد إفراغها من تاريخها. ونحتاج إلى حضور الأحياء أيضاً: الكثير من الحضور، والكثير من الأصوات والوجوه والتجارب، والكثير من الاختلاف الذي لا ينتهي بالتنكيل والانسحاب والصمت.

القطيعة مع الاختفاء تقتضي مجالاً عاماً يستطيع الناس أن يظهروا فيه من دون امتحان أو محنة في الهوية والنقاء، وأن يعملوا معاً من دون تطابُق، وأن يكونوا مخطئين من وجهة نظر بعضهم مع احتفاظهم بكرامتهم وأهليتهم للمشاركة. نحتاج إلى لُطف أكثر، وإلى فاعلية أكثر؛ إلى قدرة على تحويل الخلاف إلى سياسة، والغضب إلى عمل، والذاكرة إلى حدود لا تستطيع السلطة، أي سلطة، تجاوزها بسهولة. كان الغيابُ واحداً من أكبر أعمال النظام فينا، ولعلَّ التعافي يبدأ بحضور كثير، مختلف، يرفض أن يُستكمَلَ ذلك العمل.