علي حسين….جريدة المدى
إذا كنت محبطاً ومهموماً وأنت تتابع ما يجري في العالم، اسمع هذه الحكاية التي حصلت في “العراق الديمقراطي”: محلل سياسي يتنقل برشاقة بين الفضائيات، يصرخ بوجه فلان، ويشتم علان، ويثير النعرات الطائفية، دون أن يحاسبه أحد. المحلل السياسي المُسمّى بـ”أبو عراق”، قرر أن يصطحب معه قوة عسكرية ليقتحم مؤتمراً تقيمه منظمة عراقية عن الديمقراطية، وأتمنى ألا يعتقد البعض أن “أبو عراق” قرر مداهمة المؤتمر لتصحيح مفهوم الديمقراطية في بلاد الرافدين، فالرجل يعتقد أن الديمقراطية التي وضع أسسها فلاسفة عصر التنوير، لا تنفع في العراق؛ فهو يرى أن الديمقراطية تعني أن يشتم السنة، ويطالب بمعاقبة الكرد، ويتمنى القضاء على التيار الصدري، ويسعى للحصول على قرار بسحب الجنسية من الشباب الذين شاركوا في احتجاجات تشرين.
“أبو عراق” الذي لا أعرف كيف استطاع أن يقود قوة عسكرية لاقتحام فندق الرشيد، أخبرنا بأنه كان يبحث عن مطلوب للقضاء، وهكذا تحول من محلل سياسي إلى رجل شرطة ينفذ قراراً قضائياً.هل انتهت حكاية “كرندايزر القضاء” أبو عراق؟ لا يا سادة، فقد اكتشف أن الشخص الذي يبحث عنه غير موجود وأن هناك شخصاً يرتدي الزي نفسه، وكان لابد أن يوجه أبو عراق تحية للقوات الأمنية التي لبت رغباته واقتحمت معه فندق الرشيد.
بعد حكاية “أبو عراق”، هل تصدقون معي أن أحزابنا السياسية بوضعها الحالي تفتح أبوابها للكفاءات والخبرات، وأنها مشغولة أصلاً ببناء دولة المؤسسات؟ ويكفيني ما نشاهده من إسفاف جوقة “أبو عراق” على الفضائيات دليلاً على ما أقوله. حكاية وحش فندق الرشيد والشخصية الهامة جداً “أبو عراق” تثبت لنا بالدليل القاطع كيف سُرق منا حتى الحلم بمجتمع مستقر مزدهر. وتعالوا نتساءل: لماذا أصبحت غالبية الناس لا تصدق خطب وشعارات دولة “أبو عراق”؟ .
منذ سنواتٍ وأنا أتابع بعض المحللين السياسيين الذين لا أعرف بالضبط ما هي وظيفتهم؛ فهم يتنقلون من فضائية إلى أخرى، يقبضون أموالاً من العراق ويشتمونه بصوتٍ عالٍ وبدون خوف، لا يريدون أن يتحلّوا بقليلٍ من الرحمة والشفقة تجاه هذا الشعب المغلوب على أمره، الذي يُطلب منه دوماً أن يتابع تصريحاتهم، ويصرّون أن يحاصرونا في الفضائيات، ويطلقون سيلاً من الكلمات التي فقدت صلاحيتها منذ مدةٍ طويلة. طبعاً، أتمنى ألاّ يتصوّر البعض أنني أريد أن أسخر من عبقرية “أبو عراق”، ولكنني أؤمن كما يؤمن غيري كثيرون أنّ كلمات وخطب بعض المحللين السياسيين، لو تم إلقاؤها على شعبٍ آخر، لأُصيب معظمه بنوباتٍ من الهستيريا.
اليوم نعيش مع مسؤولين وسياسيين أجهضوا حلم العراقيين بالتغيير الذي بدأ مع إسقاط تمثال صدام، قوى لن تستسلم بسهولة، سياسية ومعها جوقة محللين ينتفعون من الوضع الحالي، طبقات سميكة من أصحاب المصالح، يتسببون كل يوم في قتل آمال وطموح العراقيين.