ضمن تصنيف المؤلفات المكتوبة التي توثّق تجربة الاعتقال، على نحو توثيقي أو سردي متخيل، تُمثِّل قراءة ما كتبته نساء كاتبات فرصةً للاطلاع على طبقات مختلفة لهذه التجربة في حالة اعتقال النساء؛ فمن جهة، واجهت المعتقلات – إلى جانب السلطة ونظامها الأمني – مجتمعاتهنّ والصور النمطية التي ترسمها للنساء وتجعل من اعتقالهنَّ وصمة، ومن جهة أخرى، حملت تجربة اعتقالهنّ خصوصيةً في أساليب التعذيب والامتهان المادي والمعنوي، وفي حرمانهنّ من تجربة الأمومة والأسرة، وفي انتهاك الخصوصية عبر أشكال المراقبة المختلفة أو بسبب اكتظاظ أماكن الاحتجاز. كذلك تضيء هذه الكتابات على ظاهرة اعتقال النساء لسنواتٍ طويلة كرهائن للضغط على الزوج أو الأخ أو الابن لتسليم نفسه للسلطات التي تحولها إلى ساحة انتقامٍ وتذنيبٍ لأفراد عائلتها من الذكور مقابل خياراتهم السياسية.

شرنقة تلفّ الخيوط على نفسها

الشرنقة لحسيبة عبد الرحمن تُعدّ من الروايات البارزة عن تجربة السجن، كتبت فيها عن المكان الضيق الذي تُسميه قمقم الموت، وحياة مجتمعٍ يتشكّل خلف الأسوار، إذ يتحول السجن إلى مجتمع إنساني كامل على هامش المجتمع الكبير، متحرك ومتفاعل ومتناقض ومنقسم، تظهر فيه النفس البشرية بكل نوازعها السرية والمكبوتة.

رصدت عبد الرحمن حياة الشخصيات وتحولاتها من مواجهة السجان إلى مواجهة الذات، حيث يُصبح السجن مرآة تكسر الستر عمّا نشأت على كتمانه من تناقضات وتشتت وانفعالات تتجاذب كل معتقلة.

تبرز تقنية تيار أو سيل الوعي الأدبية في الرواية، حيث تسترسل الكاتبة في تداعٍ حر للحديث عن مفاهيم ومفردات مثل السجن والتعذيب، المنفردة والجماعية، ويختلط هذا التداعي بالذكريات البعيدة والقريبة بالطفولة، والألم بالحلم والحلم بالحكايات والأساطير الموروثة والأساطير بالحب والتعذيب في نسيج أدبي بديع، لتدخل من بوابة الحاضر إلى عمق التاريخ فتُفكّك البنية الروحية والاجتماعية للمجتمع وتُعيد قراءة الحاضر من بوابة الإرث التاريخي، فالمعتقل مفتوح على مكونات مستمرة في التدفق الزمني، حملت عبء هذا الإرث عبر اللاوعي الجمعي المتوارث والجينوم الثقافي، ومارست السياسة في الحاضر، للأسف، بالذهنية نفسها، رغم أن الدافع الأول لخروجها على السلطة كان تحطيم القيود الموروثة.

تُسلِّط الكاتبة الضوء في الرواية أيضاً على تجربة التنظيم السياسي الذي تنتمي إليه مع رفيقاتها، والخيانات والأخطاء القاتلة التي أودت بالشخصيات إلى مصائرها المرسومة في الكتاب، مروراً بالواقع السياسي للبلاد خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات، ونشاط التيار الأصولي وعمليات القتل الطائفية التي هزّت المجتمع وأعطت السلطة مبرراً للعنف المتوحش.

حملت النساء إلى السجن الصغير علاقات الخارج أو السجن الكبير بتمايزاتها الطبقية والاجتماعية، في مجتمع يتهم كل امرأة متمردة بالخطيئة، ويُصبح جسد المرأة بأعبائه وسيلة للتعذيب، كالشَّعر مثلاً.

تذهب الكاتبة إلى التفاصيل اليومية والعلاقات المريضة والمُمرِضة، حيث الضغائن والغيرة والنميمة وتظهر الانقسامات والشللية، ومحاولات التسلط من بعض النساء، وحيث يدفع الإهمال والإقصاء والضعف بعض النساء للإصابة بأمراض نفسية وعصبية، فبقدر ما كان السجن مرآة تتكشف فيها حقيقة البشر، كان في الحقيقة يشوه الذات الإنسانية التي تذهب للغوص إلى الداخل والتفكير بالأنا، فلم يعد الحلم العام والمبادئ ما تشغل السجينات بل صار التساؤل هل العطب بالإنسان أم بالأفكار التي سار خلفها؟

كانوا شباباً وشابات يحلمون ببناء بلد مختلف وحياة أجمل للأجيال اللاحقة فضحّوا أولاً بعالم أطفالهم.
تُشبّه عبد الرحمن حياة المعتقلة في انتظار الحرية، كدودة تتشرنق وتلف الخيوط على نفسها، ومن هنا أتى عنوان الرواية. وفي انتظار الولادة الجديدة تمر بتحولات كثيرة تحت وطأة الزمن.

فالزمن في السجن ثقيل، يُغيّر الأشكال، فكيف بالعوالم الداخلية والخيارات الشخصية؟ تُصبح الحياة قديمة والذكريات بعيدة، وتتلاشى القدرة على الاحتمال. في النهاية المرأة تدفع أثماناً مضاعفة فتخسر أمومتها، وقد تخسر الحب، أمّا الجسد فهو مقموعٌ في الداخل والخارج. تجربة السجن ليست تجربةً يُمكن المرور عليها ببساطة، وكما تروي حسيبة عبد الرحمن عن الجزء المكتوم من الحكاية متسائلة كيف خرج هؤلاء النساء من السجن، وعلى أي حال، وبأي حال يواصلن؟ بعد أن شاهدنَ الوحش بهذا القرب؟ وهو ما نراه في لوحة الغلاف للفنان يوسف عبدلكي.

رسالة إلى ابنتي

كتبت هنادي زحلوط شهادتها عن تجربة السجن إبان بداية الحراك في سورية، في مجموعة من النصوص القصصية، كما ورد في تعريف الكتاب الصادر عن بيت المواطن في سلسلة شهادات سورية، يحمل الكتاب عنوان رسالة إلى ابنتي تُقدّم فيها رسالة إلى الجيل القادم من أطفال سوريا وتطلب منهم عبر ابنتها المتخيلة، قراءة التجربة السورية بشكل جيد للاستفادة من دروسها.

سعت الكاتبة، من خلال تدوين مذكرات اعتقالها بصيغة أقاصيص، إلى توثيق حالة البلاد والوضع السياسي فيها، وتطور الحراك من التظاهرات السلمية إلى حمل السلاح، وشدة القمع والاعتقالات التي كانت تنال عدداً كبيراً من المتظاهرين، وأعداد القتلى التي كانت قد تجاوزت الآلاف، موثّقة التباين في وجهات النظر بين الناشطين وارتباك الرؤية في ضوء متغيرات الواقع.

تابع محامون مثل خليل معتوق وميشال شماس وأنور البني وسيرين الخوري الحالة القانونية للمعتقلين-ات، فقد أخذوا على عاتقهم تبني قضاياهم-ن أمام المحاكم.

منذ اعتقالها على خلفية التظاهر، وحجزها في المنفردة. حاولت هنادي ألا تفقد السيطرة، فعمدت إلى بناء جدار حماية ذاتي يرفع معنوياتها وقدرتها على الاحتمال، مواسيةً نفسها في المنفردة، بتذكر أن صلاح جديد قد قضى هناك ثلاثة وعشرين عاماً، وأنَّ صديقها أبو علي قضى ثلاث سنوات، محاولة عدم الاستسلام لضغط العزلة التي يحشرون بها المعتقل لفك ارتباطه مع المجموع الذي يمنحه القوة، وجعله يقضي الوقت في تخيُّل الأسئلة وتحضير الأجوبة، ممّا يقوده للانهيار تدريجياً.

كانت تشدّ أزر نفسها بالتفكير في الأصدقاء الذين تضمهم المنفردات المجاورة، يأكلون ويشربون مثلها، وقد حرموا من ذويهم مثلها، مستعيدة بذلك إحساس الانتماء ومقاومة العزل. وتتذكّر نصائح صديقتها بمقاومة البشاعة باختراع الجمال، للتغلب على وجود الحشرات والقذارة والحر، لكنّها تؤكد أنّ الاعتقال بحد ذاته اغتصاب، اغتصاب الحرية أولاً.

تُورِد القصص لمحاتٍ غير مألوفة من سلوك بعض الحراس، كسيرة شرطي كان يستلقي على الأرض ليتواصل مع سجين من حيّه بعيداً عن الكاميرات الموزعة بين الممرات، متذكرةً أن الشعب السوري الذي اخترع الأبجدية ومنحها للعالم يخترع اليوم أبجديات ملهمة للعالم في التواصل. يعتذر أحد العناصر منها لأنه مضطر لوضع القيود في يديها؛ إنها الأوامر. حارسٌ آخر كان شاهداً على اعتداء إحدى السيدات عليها بالضرب عند باب المحكمة، فأرسل لها اسم السيدة وحثّها على رفع دعوى عليها، مبدياً استعداده للشهادة لصالح زحلوط. تُشير المذكرات إلى أنّ فترة الثورة السلمية حصدت تعاطفاً وصل حتى إلى أفرادٍ في الشرطة.

في واقعةٍ أخرى، كان المحقق يقوم بتعذيب صديقها أمامها، فاعترفت بكل نشاطها، وأنكرت معرفتها بالآخرين. وكأنها تُعيد إنتاج حكاية الفتاة التي تحيك لأخوتها قمصان القريص بيديها لتنقذهم، متحملة الألم، رغم أن هذا سيزيد المسافة بينها وبين أهلها الذين اشتاقت إليهم كثيراً.

شكّل عمل الناشطين في الخارج ضغطاً كبيراً على السلطة التي كانت تحاول التماسك أمام انفلات الواقع من يدها، فرضخت أحياناً للمطالبات بالعناية الصحية للمعتقلين، وهذا يُشكل فارقاً بالمقارنة مع ظروف الاعتقال في الثمانينيات.

كسر السوريون حاجز الخوف، وسنرى ترجمة ذلك في جرأة هنادي على مجادلة المحققين والحراس، والمطالبة بطعام بدل الفاسد، ومحاولتها التواصل مع نزلاء المنفردات الأخرى فتتعرف على لؤي زميلها في المنفردة المقابلة، الذي يستغرب أنها معارضة وعلوية. تُفسّر موقفه بالجدران التي كانت تُبنَى بين السوريين وتشويه صورة الآخر، وتتذكر جراح أهل الساحل ومعاناتهم القديمة.

تظلُّ العائلة ليس فقط نقطة الضعف الأولى لدى السجينة، بل هي أيضاً وسيلة ضغط مضاعفة ضدها. أولاً بيد جهاز الأمن والتحقيق لنيل اعترافاتها، وثانياً بيد المجتمع الذي يُنكر على المرأة ممارسة السياسة وزجَّ نفسها في تجارب تمس العائلة وحضورها الاجتماعي، خاصة في الطائفة العلوية، التي أوهمها النظام أن وجودها مُرتهَن بوجوده، وأنَّ ما يحدث من حراك لتغييره ليس بسبب طبيعته أو واقع البلاد، بل لأن رأسه ينتمي إليها. لهذا ورغم تعاطف أخيها معها، يلومها على الإحراج الذي سببته للعائلة في القرية.

وظّفت السلطة العائلة لإظهار أن ما يحدث ليس إلا مواقف فردية لا جذور لها ضمن الطائفة، فظهر أخو فدوى سليمان مُتبرِئاً من أخته على تلفزيون الدنيا.

كانت العائلة الشغل الشاغل لزحلوط؛ فوالدها مريض على المنفسة، ولم تستطع الاتصال للاطمئنان عليه، ويؤلمها تأخر إخوتها عن الزيارة، لتكتشف أنَّ السبب كان وفاته، فتعيش إحساس الذنب والتقصير، وتشعر بثقل الاعتقال الذي حرمها من وداعه، في غمرة من مشاعر الحنين إلى أمها وأخوتها، لتفقدهم بعد سقوط نظام الأسد في مجازر الساحل.

يقود التذكر السجينة إلى الحنين والضعف والكوابيس والبكاء فتخجل من نفسها ومن رفاقها، بينما تصلها أخبار الخارج الموجعة، عن قتل غياث مطر، واعتقال صديقها يحيى الشربجي بعد تعرضه للضرب المبرح، ومقتل مشعل تمو.

في سجن عدرا يتدفق صوت فيروز من الإذاعة، فيزيد الإحساس بالحرمان ويستفز مشاعر السجينات بقوة. تخبرنا زحلوط عن وجود أطفال هناك دون أن تعرف سبب وجودهم. تخبرنا أن السجينات في قضايا جنائية حظين بحق الخروج للتنفس وإجراء المكالمات الهاتفية بخلاف المعتقلات السياسيات. وفي عدرا أيضاً التقت بشخصيات كانت قد اطّلعت على تجاربهنّ من بينهنّ طل الملوحي.

تُخبرنا هنادي عن الخلافات في وجهات النظر التي كانت تتنازع الناشطين، فمنهم من يُصرّ على البقاء في إطار السلمية، ومنهم من بات ينزع إلى التسلح، وكان ثمة خلاف آخر بين اتجاه يتمسك ببقاء الحل سورياً وآخر يستنجد بالخارج لفرض حل.

تستمر المظاهرات في البلاد، وتشعر هنادي بالحسرة، لأن البلاد في مخاض، والسجن يُقيدها عن حضوره، لكن، ومع تفشي السلاح، باتت هي ورفاقها من المؤمنين والمؤمنات بالسلمية في مأزق حقيقي، وتبدأ الأسئلة تطرح نفسها عن دورهم بعد الخروج من السجن، طالما انتهى الحراك السلمي.

كانت الأقفاص تمتلئ بالمعتقلين كطيور جريحة، ويُعاد اعتقال هنادي مع رفاقها في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير.

خمس دقائق وحسب

تتحدث رواية خمس دقائق وحسب لهبة الدباغ عن تجربتها الشخصية في السجن خلال فترة الثمانينيات، حيث قضت تسع سنوات كرهينة للضغط على أخيها صفوان الدباغ كي يُسلّم نفسه، إذ كان مُلاحَقاً لانتسابه إلى تنظيم الإخوان المسلمين، رغم أنّه كان قد تمكن من الفرار إلى الأردن.

كانت هبة طالبة جامعية في دمشق تعيش مع زميلات لها في شقة سكنية، تمت مداهمة الشقة واعتُقلت مع عدد منهنّ. ثم حُوّلت الشقة إلى كمين لاعتقال من يتردّد عليها، فاعتُقِلَت والدتها مع عائلة صديقة مرّوا بها.

يأتي عنوان الرواية من عبارة الضابط: «خمس دقايق بس»، في جوابه عن سؤالها إلى أين تأخذونني؟ لتقول لنا: تلك الخمس دقائق وحسب امتدت إلى تسع سنوات كاملة، على الرغم من أنه لا علاقة لها بالتنظيم ولا بأي انتماء سياسي. لكن هذا لا يعني التعامي عن الواقع السياسي والقمع والتضييق اللّذين مارسهُما النظام على كل السوريين، واللّذين لم تنجُ منهما حتى طائفة النظام نفسه، كما تقول الكاتبة.

كان مستقبل الإنسان يضيع بتقرير كاذب، أو وشاية مغرضة، كما حدث معها، حيث كانت التهم جاهزة وتنتظرها في فرع السادات: اتهام بالانتساب لجماعة الإخوان، وتوزيع مجلة «النذير»، ونقل سيارة مليئة بالذخيرة للتنظيم مع جهاز إعلام، وشراء شقة للتنظيم، فضلاً عن إعطاء دروسٍ دينية في مساجد دمشق.

كانت عقوبة كل اتهام وجّه إليها تصل إلى الإعدام. وتكشف الدباغ، أن تنظيم الإخوان كان مخترقاً من قبل الأمن، وتذكر بالأسماء أشخاصاً، من أصدقاء أخيها، تبيَّن أنهم كانوا عملاء للأمن، كما تروي لاحقاً كيف تعامل بعض الأهالي وأقارب المطلوبين مع الأمن.

تأخذ الرواية شكل السرد التوثيقي عبر تدوين يوميات السجن، والمعاناة اليومية فيه، وقصص النزيلات من محافظات شتى ومن انتماءات سياسية مختلفة، كالشيوعي وبعث العراق.

وتُحدّثنا عن تعرّضها لأنواع من التعذيب؛ من الضرب بالخيزرانة إلى الصعق بالكهرباء إلى التهديد بالتعرية والاعتداء، إلى التعليق على لوح الخشب، فضلاً عما شاهدته من تعذيب معتقلين آخرين.

بعد كل عملية ينفّذها الإخوان في الخارج، يبدأ التضييق عليهن وحفلة تعذيب انتقاماً، وكأنهن شركاء في العملية، وأثناء التعذيب يقولون لهن إنهنّ يدفعن ثمن فعل الإخوان، بينما كان التنظيم في الخارج يستخدم اعتقال النساء في السجون السورية لنيل التأييد والدعم.

بعد المنفردة نُقِلت إلى المهجع. ترى الدباغ أن الاكتظاظ أحد أساليب التعذيب أيضاً لأنه يُسبب الحرمان من المساحة والراحة الشخصية ومن الخصوصية في ممارسة الشعائر الدينية أو التعبير عن الذات. وخاصة حين تُجمَع نساء من بيئات مختلفة في طريقة التفكير والعادات ونمط الحياة.

كانت وزميلاتها يُزجين الوقت بقراءة القرآن الذي حصلن عليه سراً من أحد الحراس، كما تعلَّمن صُنع التماثيل والألعاب من العجين، والخياطة وشك الخرز، ولعبن أيضاً لعبة تدوير الكأس.

كما في النماذج الأخرى، ترسم الدباغ فروقاً في تجربتي اعتقال النساء والرجال كما شهدتهما، إذ يتعرّض الرجال لتفاصيل تعذيب إضافية منها إطالة فترات التعذيب وحرمانهم من الماء والحمّام ضمن المهاجع، كما يتم نقل أعداد منهم كل حين إلى تدمر حيث ينتظرهم سوء المصير.

هناك نساء أُصبن بصدمة عصبية نفسية، طويلة الأمد، ولكن، ورغم صعوبة الواقع سنجد نساء يتحدين السجان ويحتَجِجنَ على ظروف الاعتقال، بتنفيذ الإضرابات المتتالية داخل السجن، تساندهنّ الشيوعيات وتلتزمنَ معهنّ.

كانت المرأة ضحية مزدوجة، ضحية السلطة وأساليب التعذيب وضحية خيارات الرجال على اختلاف العلاقة التي تربطها بهم، سواء أكان زوجاً أم أخاً أم ابناً. وكذلك الأطفال، إذ فقدوا أهلهم أو ولدوا في السجن ليقضوا سنوات مع أمهاتهم بعيداً عن الطفولة التي يستحقونها، كما الطفل معقل الذي ولد في السجن وعاش لسنوات فيه، أو الطفلة سمية.

خلال نقل السجينات من سجن إلى آخر، تعرّفت هبة على أسماء الفيصل، زوجة رياض الترك، الذي كانت منفردته بجوار منفردتها في بداية الاعتقال.

يلاحظ القارئ من خلال سرد الدباغ تعاطف بعض السجانين مع النساء، ومدَّهنَّ أحياناً بما يطلبنَ من حاجيات أو طعام وغيرها، حتى إن أحدهم بكى لرؤية آلام النساء. كان الاختلاط بين السجينات القضائيات والسجينات السياسيات ممنوعاً، لكن النساء لم يألُونَ جهداً في مدّ جسور التواصل بعيداً عن الأنظار، حتى استطعن في إحدى المرات إيصال بعض القصص إلى عناية باحثة اجتماعية؛ فالسجينات القضائيات كنّ أيضاً ضحايا للواقع الاجتماعي.

تروي الدباغ كيف تفجّرت أحداث مدينة حماة، حيث فقدت ما تبقى من عائلتها، إذ عمد الملاحقون من حزب الإخوان (وهي هنا لا تُميّز بين الطليعة المقاتلة أو الإخوان) إلى الاحتماء بالأحياء السكنية في المدينة وسوق الطويل، فحاصرت السلطة هذه الأحياء حتى نفدَ الطعام والماء، ومن خرج من بيته قُتل، ومنهم عائلة الكاتبة كاملة، ودُمرت معظم تلك الأحياء.

نيغاتيف

تحت عنوان «رواية توثيقية» تكتب روزا ياسين حسن كتابها نيغاتيف كعمل يستقي مادته من ذاكرة المعتقلات السياسيات في السجون السورية، وتُميّز في مقدمتها بين التوثيق والتخييل الروائي، وتنفي اجتماعهما، ولهذا فقد ضحت بروعة التخييل مقابل حفظ الحقيقة، أمام واقعٍ فاق التخييل الروائي، فإن ما يبدو دونكيشوتيةً في التعامل مع السلطة لا يُلغي قيمة الفعل بل يُعزّزها. على الرغم من أنّ الكتابة لن ترقى إلى نقل حجم الألم والمعاناة المعاشة لحظة بلحظة، لكن بالتدوين ستكون جزءاً من تاريخ التجربة النسوية.

تنقل روزا تجربة نساء بأسمائهن الحقيقية، عن ألسنتهن، وتارة عبر نقل رسائلهنَّ المكتوبة سراً والمهربة إلى الخارج، أو ما كتبته إحداهن في يومياتها.

هنا أيضاً سنجد الضغط المضاعف على السجينة السياسية؛ ليس فقط مواجهةَ السلطة ومواجهة المجتمع الذي ينكر على المرأة رفضها، بل أيضاً الضغطَ الأخلاقي؛ فهي في السجن مستباحة، وقد يتم الاعتداء عليها، والمجتمع هنا يُحمّل المرأة المسؤولية، فهي من وضعت نفسها في هذا الظرف.

في الزيارات الأولى كان السؤال يتردَّد بخوف على ألسنة الأهل: «هل اقترب منك أحد؟»، والاقتراب هنا بمعنى الاعتداء الجنسي أو المسّ بعفّتها، بينما سيكون بالإمكان التغاضي عن كل التعذيب الحاصل. سنجد أيضاً ضغطاً إضافياً، وهو الرفض من رفيقات السجن تجاه السجينات الشيوعيات.

ترى روزا أنّ الهدف من الاعتقال، هو الحطّ من مكانة الإنسان وتحويله إلى كائن مقهور تُحرِكه غريزة البقاء، والتعذيب لإعادته إلى الحالة البدائية وبالتالي سهولة تنازله عن كل الأفكار.

واجهت النساء المعتقلات التعذيب والإهانة والشتم والإذلال، والحرمان من الراحة، والغذاء اللائق، ومن المكان ذي الشروط الصحية، والحرمان من الأسرة، والأمومة فكثير من المعتقلات تركنَ أطفالهن حتى دون أب؛ لأنه أيضاً كان سجيناً.

من الضرب بالسياط والخيزرانة أو الفلق والكرسي الألماني وضرب الرأس بالحائط، إلى التعذيب بالكهرباء بوصل المقابس بالحلمتين أو اللسان، وإطفاء أعقاب السجائر في الأماكن الحساسة، كان الضرب على القدمين يستمر حتى يتمزق اللحم. ثم يَدَعون المعتقلة تسير على أرض سُكِب عليها الماء والملح. وضعوا رأس إحدى المعتقلات في الفلقة بدل القدمين فكادت تموت خنقاً. كان التعذيب يودي بالبعض إلى الجنون، فقد أُصيبت إحداهن بصدمة عصبية ونفسية ونوبات صرع. تتذكّر روزا، وهي تنقل ذلك، ما كتبته فيليتسيا لانجر في كتابها بأم عيني عن السجناء الفلسطينيين، وعن حالة سالم جاد عيد  في سجون إسرائيل، الذي انتهى إلى الجنون.

كانت المنفردة ضيقة على السجينة، لكنهم أحياناً، وإمعاناً في المضايقة وابتكار أساليب للتعذيب، وضعوا فيها سجينتين.

تنقل روزا كلام السجينات عن التعذيب كما حدث، دون أن يُخفّفه النسيان أو التذكُّر بعد زمن حين تفقد الحوادث حدتها، وبصراحة جارحة تُعري القارئ أمام ذاته وأمام هؤلاء النساء. تقول حسيبة عبد الرحمن التي فقدت حاسة التذوق لفترة بسبب الصعق بالكهرباء على اللسان: «أُفكّر اليوم أني عشت الجحيم بكل معناه».

وجدت السجينات دوماً وسيلة للمقاومة، فكان الإضراب عن الطعام، وكانت الأغاني وسيلة لمواجهة الحرب النفسية؛ في المنفردة لكسر وحشة المكان ودعم الذات، وفي المهجع عوناً للآخر ولبثِّ روح الانتماء في المجموعة، تُشبّه روزا ذلك بأغنية المتمردين في فيلم الأطفال «روبن هود» من ديزني، حيث تجتاز الأغاني كل الحواجز وتصل إلى قلب قصر الملك، ويُغنيها أتباعه رغم أنها تفضح ملكهم؛ فللأغاني قوةٌ رهيبةٌ.

ابتكرت النزيلات أدواتهنَّ لمقاومة الواقع، فأصدرنَ جريدة الجرح المكابر ومثلنَ مسرحيات، وأدرن حلقات ثقافية تناقش قضايا الحزب وقضايا عامة. كما صنعن من العجين قطعاً للشطرنج وموقداً لطهو الطعام أو تسخينه، وعملن بالخرز والصوف لصنع هدايا.

تعترف السجينات أنّ ضغط السجن على الرجال يبدو مضاعفاً وأشدّ، سواء على مستوى قسوة التعذيب أو  طول مدة الاعتقال، لكن لا يمكن أن ينسينا هذا معاناة المرأة المضاعفة نتيجة عدم مراعاة طبيعة جسدها الأنثوي وحاجاته الدورية، أو خلال الحمل والإرضاع. اعتقلت إحدى الفتيات وهي نفساء، وسال دمها على أرض المنفردة حتى بلغ الممر، ملوثاً ثيابها والبطانيات، مما جرَّ عليها معاناة وأمراضاً نسائية استمرت لسنين.

يُضاف إلى ذلك ضغط عاطفة الأمومة القوية وما تتركه من عذاب الحرمان عند الأمهات اللواتي تركنَ أولادهنَّ، أو اللواتي أنجبنَ في السجن، وتخلينَ عن أولادهنّ لبيت الجد، حيث يكبر الطفل بعيداً عن والدته، وتكاد لا تعرفه في الزيارات.

سنرى في شهادات النساء سجانين تعاطفوا معهنَّ؛ كان أحدهم يُسمَّى بالحمام الزاجل، ينقل رسائل السجينات إلى أهاليهن وبالعكس.

تُقاطع روزا بين شهادات النساء ورواياتهنَّ وبين كتاب هبة الدباغ خمس دقائق وحسب، إذ تروي الشهادات والكتاب الفترة الزمنية نفسها، من زاويتين مختلفتين، فتستشهد به لبعض الأحداث. أمّا النساء اللواتي أُخِذن رهائن للضغط على الرجال، فلم يمنع ذلك من أن يتعرضنَ للإهانة والتعذيب على أشدّه.

تعنون روزا أكثر فصول كتابها بالسنوات في إشارة إلى قوة الزمن (الجلاد الأول) كلاعب أساسي، وتأثيره المختلف على النساء، اللواتي يعتقدن أنهن خارج الزمن ويحتفظنَ بصورتهنَّ القديمة عن أنفسهنَّ، لكنَّ المفاجأة حين يكتشفنَ آثار مروره على أجسادهنّ.

يُشابه ذلك المفاجأة حين خرجنَ للشمس بعد أشهر من الاحتجاز في القبو؛ كان العفن قد عششَ في الشعر وزوايا الفم والأسنان والجلد الملتهب، من قلة التهوية وعدم التعرض للشمس، وحين نظرن إلى أجسادهن ووجوه بعضهن، تحولت الفرحة إلى انكسار حقيقي وقهر؛ فقد اكتشفنَ حقيقة الواقع وما فعله في صورتهنَّ.

في سجن المعتقلات لأسبابٍ قضائية، تعمل أساليب الفساد ذاتها التي في الخارج، أما في سجن المعتقلات ذوات التوجه أو التهم الإسلامية، فهناك نماذجُ من التشدّد تفرض سيطرتها، كأن تتحكم (حاجّة) بالحياة في المهجع وسلوك النزيلات. إضافة إلى الموقف المسبق من الشيوعيات، كان الأمن يُحاول استثمار هذا العداء الخفي للحصول على معلومات.

تُسمّي إحدى السجينات السجن بـ«المختبر البشري المركزي»، حيث  يُصبح الإنسان، تحت قسر الواقع، في امتحان حقيقي أمام ذاته، وأفكاره؛ فهناك تظهر كوامن النفس البشرية، وقد يُفاجأ الإنسان بتصرفاته ذاتها.

لا يُغفل الكتاب أيضاً جانباً معنوياً للمعتقل من منظور النساء؛ فالحاجة إلى الحب، والحرمان منه، يُصبحان أمراً فوق الاحتمال، فيعتَري المرأة الحنين إلى تفاصيل الأمكنة في الخارج، وإلى الأشخاص والحب الذي قد يتلاشى مع الزمن.

وثّقت روزا في كتابها شهادات النساء لمرحلة من أهم المراحل التي مرّت بها البلاد، بمهارة أدبية عالية مؤثرة في ربط الأفكار والحوادث والتنقل بينها، قبل أن يمحوها النسيان أو الأحداث الكثيرة التي أتت عليها بعد ذلك.