
عشية توجه مبعوثي ترامب لزيارة موسكو وكييف، قال ترامب: “لنرَ ما إذا كان بإمكاننا إنجاز شيء، وقد تكون هناك فرصة جيدة لتحقيق ذلك”. أضاف، أن ويتكوف وكوشنر سيحملان “مقترحاً لإنهاء الحرب”، وأن لدى إدارته “فكرة للسلام”. ومن الواضح أن “الشيء” الذي كان ترامب يريد أن يتحقق، و”الفرصة الجيدة” لتحقيقه، كان يقصد بهما مهمتهما في موسكو أكثر مما يقصد بهما مهمتهما في كييف. فوعده الشهير بإنهاء الحرب الأوكرانية “خلال 24 ساعة”، وحتى قبل تسلم مهامه رسمياً، اصطدم بتعنت بوتين منذ الاتصال الهاتفي الأول بينهما في شباط/فبراير 2025، والاتفاق على الاستمرار في التواصل لإنهاء الحرب.
بعد مرور أيام على اختتام ويتكوف وكوشنر زيارتهما، وعلى الرغم من القليل الذي تسرب عن لقائهما مع بوتين، ثمة شبه إجماع في الإعلام على أن الرجلين لم يعثرا في موسكو على أي شيء “لإنجازه”، ولا على أي “فرصة جيدة” لتحقيقه. وجل ما حملاه من موسكو إلى كييف مجموعة من “الأفكار الجديدة” لإحياء المفاوضات الثلاثية -واشنطن وموسكو وكييف- لم يتم الكشف عن تفاصيلها حتى الساعة.
لم يكن في كييف ما يبحث عنه مبعوثا ترامب، بل كانت كييف، ومنذ بداية الغزو الروسي الشامل لأراضيها، تبحث عن أي “شيء” يوقف الحرب عليها. وحرب روسيا على أوكرانيا بدأت عام 2014، منذ انتفاضة الأوكرانيين على التبعية لروسيا، وتوّجت عام 2022 بالغزو الروسي الشامل المستمر للسنة الخامسة على التوالي. وطيلة السنوات الاثنتي عشرة هذه، كانت أوكرانيا تبحث عن أي مبادرة لوقف الحرب عليها. وكان من الطبيعي أن ترحب كييف بمهمة مبعوثي ترامب، وأن تساهم في إنجاح مبادرة ترامب، شرط ألا ينال بوتين ما عجز عن تحقيقه طوال سنوات الغزو.
والجدير بالذكر أن موسكو أيضاً رحبت وترحب بأي زيارة للمسؤولين الأميركيين، خاصة في عهد ترامب، لكن لأسباب تختلف كلياً عن ترحيب كييف. فهي لا تبحث حتى الآن عن نهاية لحربها على أوكرانيا، لكنها حريصة على عدم إغضاب ترامب، الذي بدأ مبادراته لإنهاء الحرب الأوكرانية منذ الأيام الأولى لولايته الثانية، بالضغط على أوكرانيا للإقدام على التنازلات التي ترضي بوتين. ولا يزال عالقاً في أذهان الجميع مشهد اللقاء الأول مع زيلينسكي في المكتب البيضاوي أواخر شباط/فبراير 2025، والاشتباك الكلامي المهين الذي افتعله ترامب ونائبه مع الزعيم الأوكراني. لكن حاجة أوكرانيا إلى ما تمثله الولايات المتحدة من قوة وتأثير في حربها مع روسيا، وبغض النظر عن وقف الدعم المالي الأميركي ومدّها بالسلاح المتقدم في عهد ترامب، اضطرت أوكرانيا إلى ابتلاع الإهانة تلك، وعملت ما بوسعها لإعادة العلاقة إلى القدر من الطبيعية الذي تتيحه شخصية ترامب ومزاجيته.
الجميع يذكر أيضاً القمة الأولى بين بوتين وترامب في ألاسكا، وكيف انتهت قبل موعدها ومن دون تحقيق أي نتيجة بشأن الاتفاق على وقف إطلاق النار والتمهيد لإنهاء الحرب. وخرج ترامب حينها من اللقاء بانطباع أنه كان ضحية خداع بوتين، الذي حصل على الاعتراف الأميركي غير المباشر بأن روسيا دولة عظمى، على خلاف ما كان يقوله بايدن وقبله أوباما من أنها دولة إقليمية كبرى.
وعلى غرار قمة ألاسكا ونتائجها، كانت موسكو ترحب بأي اتصال هاتفي من جانب ترامب وأي زيارة لمسؤول أميركي، وكلها كانت تسعى إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب الأوكرانية. لكنها كانت تحرص دائماً، وكما في الزيارة الأخيرة لمبعوثي ترامب، على عدم التجاوب مع المبادرات الأميركية والإصرار على شروطها لإنهاء الحرب الأوكرانية، أو ما تسميه “الأسباب الأولية” للحرب، والتي يمكن إيجازها بجعل أوكرانيا هيكلاً فارغاً من مقومات الدولة المستقلة، يدور في فلك روسيا.
كان يمكن لـ”المدن” أن تستطلع رأي مسؤول أو خبير روسي يدور في فلك الكرملين، لكن ذلك أصبح متعذراً منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، بعد أن أُدرجت “المدن” على قائمة مواقع الإعلام الشرق أوسطي غير المرغوب فيها في روسيا.
لكن هذه الإمكانية تتوفر لـ”المدن” في أوكرانيا، وليس في الحالة الراهنة، لأن أحد واضعي هذا النص مستشرق أوكراني معروف، بل لأن الأوكران على قناعة بأن توسع الإعلام في تناول القضايا المتعلقة بأوكرانيا، انتقاداً أو عرضاً للحدث، يخدم قضيتها. وذلك على عكس ما هي الحال في روسيا، التي أفرغت سلطاتها البلاد من الإعلام المستقل، وما تبقى منه تفبرك له التهم لإقفاله، كما جرى لصحيفة “نوفايا غازيتا”، التي تواصلت مع “المدن” منذ أيام لتطلعها على ما يدبره بوتين لإغلاقها.
في هذا السياق، طلبت “المدن” من الناطق باسم الخارجية الأوكرانية غيورغي تيخي تقييم زيارة مبعوثي ترامب، وما الجديد الذي حملاه إلى كييف من موسكو، وفحوى محادثاتهما في كييف.
أشار تيخي إلى الاجتماع المنفصل الذي عقده الوفد الأميركي مع مستشاري الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا. وقال إن جدول الأعمال مع الجانب الأوكراني كان من شقين. الشق الأول يتعلق بعملية السلام وآفاقها، و”بعض الأفكار الجديدة”، ودينامية تسريعها. والشق الثاني، المتعلق بالأجندة الثنائية الأميركية- الأوكرانية، فكان أكثر تحديداً، وشمل الدفاع الجوي، والحماية من الصواريخ الباليستية، وضمانات الأمن، والتعاون في مجال المعادن الأرضية النادرة، وشراء الأسلحة الأميركية. وشدد تيخي على الأهمية التي تراها أوكرانيا في الاجتماع مع ويتكوف وكوشنر، “الشخصين المقربين جداً” من ترامب.
وأشار إلى أنه تم التوصل إلى اتفاق حول إمكانية عقد لقاء شخصي بين زيلينسكي وترامب على هامش الاجتماع المقبل للجمعية العامة للأمم المتحدة.
ولفت تيخي إلى تمسك الجانب الأوكراني بما يسمى “معادلة كييف”، المتمثلة في لقاء زيلينسكي- بوتين بوساطة ترامب كطرف ثالث. ويعلل هذا التمسك بالقول إن قرارات بهذا الحجم، مثل وقف الأعمال القتالية، لا يتخذها في روسيا سوى “شخص واحد فقط”، بينما لا يملك الآخرون تفويضاً لاتخاذ قرارات بهذه الخطورة. لذلك فإن لقاء القادة وحده قادر على تحريك العملية برمتها من نقطة الصفر.
كما توقف تيخي عند الصيغة التي تكررها كييف منذ سنوات: “عندما تصمت المدافع، يتكلم الدبلوماسيون”، أي وقف الأعمال القتالية أولاً، ثم كل ما عداه، بما في ذلك أكثر القضايا حساسية.
ولهذا المنطق جانب عملي أيضاً: فما دامت الصيغة غير متفق عليها، يمكن تفسير غياب أي تقدم بعدم استعداد بوتين لوقف الأعمال القتالية، لا بهيكلية العملية نفسها.
يستحق المقطع المتعلق بمكان انعقاد اللقاء اهتماماً خاصاً من القارئ العربي. فقد استبعد تيخي روسيا وبيلاروسيا وإيران وكوريا الشمالية كأماكن محتملة للقاء، لكنه اعتبر تركيا ودول الشرق الأوسط والخليج وحتى آسيا الوسطى أماكن مقبولة. وأكد بالقول: “نحن مستعدون للقاء في أي مكان”.
ويندرج هذا في توجه أوسع، إذ تسعى دول الخليج إلى تكريس دورها كوسيط محايد في نزاعات لا تشكل طرفاً مباشراً فيها، من إيران إلى أوكرانيا.
يشير تيخي إلى الاتفاق أيضاً مع مبعوثي ترامب بشأن الحماية من الصواريخ الباليستية وتعزيز الدفاعات الجوية، وليس في ما يتعلق بكييف وحدها. ويرى أن أمر الحماية يهم مواطني الدول العربية التي تتلقى ضربات إيران، العاملة بمبدأ “قصف حليف العدو وليس العدو نفسه”. واستناداً إلى نتائج جلسة الاستشراف التي عقدتها “المدرسة الأوكرانية لحفظ السلام”، فإن هناك احتمالاً بنسبة 30 في المئة لأن تتبنى روسيا المبدأ نفسه، وتشن ضربات على حلفاء أوكرانيا، أي بولندا ودول البلطيق، فضلاً عن أوكرانيا نفسها.
يرى تيخي أن مشاركة الترويكا الأوروبية كانت موقفاً مبدئياً وليس شكلياً. فأوروبا يجب أن تكون على طاولة المفاوضات، لأن الأمر يتعلق بأمنها ومستقبلها. كما أن هذه المشاركة هي بمثابة ضمانة ضد سيناريو التوصل إلى تفاهم ثنائي بين واشنطن وموسكو من وراء ظهر أوكرانيا وأوروبا.
كان تيخي صريحاً في تحديد ما تريده كييف من شركائها: تشديد كل أشكال الضغط الاقتصادي والعسكري والسياسي على موسكو، لإفهام بوتين أن ليس لديه أي مخارج أو خيارات أخرى، وأن الأوضاع لن تزداد إلا سوءاً بالنسبة إلى روسيا، وأن لا بديل عن الدبلوماسية.
من جهة أخرى، يخلص محللو “المدرسة الأوكرانية لحفظ السلام” إلى أنه لا يوجد في الكرملين طرفٌ قادرٌ على صياغة استراتيجية بديلة بعد فشل الخطة الأولية المتمثلة في احتلال كييف خلال ثلاثة أيام، ومن ثم الرهان على صفقة مع ترامب تُعدّ “انتصاراً”، إذ لم يظهر أي بديل لهذا التصور. ولهذا السبب تحديداً، يرحّل الخبراء أفق نهاية الحرب إلى عامي 2027-2028، مستبعدين الحسم العسكري الوشيك، ومراهنين بدلاً من ذلك على الدورة الانتخابية الأوروبية والاضطرابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة.
يرى تيخي أن عدم الاستعداد للدبلوماسية تترجمه روسيا باستمرار القصف للعاصمة والمدن الأوكرانية الأخرى. وتُرصد يومياً طائرات مسيّرة نفاثة فوق العاصمة، بينما بات صفير الإنذارات شبه متواصل. ويرى أن روسيا ليست مستعدة لدبلوماسية جادة، بل فقط لمواصلة الإرهاب.
وهذا هو البعد الحقيقي لـ”الدينامية الجديدة”: حزمة وعود دفاعية للشتاء، ومعادلة دبلوماسية للقاء القادة لا تزال بحاجة إلى موافقة موسكو، ومطالبة بالضغط من دون تنازلات… وحرب مستمرة بلا توقف.