أصالة والجدل السوري.. حين تصبح الثقافة ساحة للاستقطاب
لبنى الحسين
لبنى الحسين كاتبة سورية… الثورة السورية
سوريا ليست لوناً واحداً، ولا ذائقة واحدة، ولا مجتمعاً يمكن اختزاله في قالب ثقافي أو ديني أو اجتماعي واحد، هي فسيفساء واسعة من الأديان والطوائف والمذاهب والتيارات والأذواق، ومن الطبيعي أن تختلف فيها النظرة إلى الفن، والموسيقى، والاحتفالات، وحتى إلى التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية.
أنا شخصياً وبكل وضوح لا تستهويني أصالة ولا أجد في صوتها ما يجذبني، وهذا رأي شخصي لا أرى فيه ما يستحق أن يتحول إلى قضية عامة فمن لا يحب فناناً يستطيع ببساطة ألا يستمع إليه، ومن لا يرغب بحضور حفلة يستطيع ألا يحضرها، لكن حين يتحول الاختلاف في الذوق إلى محاولة إلغاء الآخر يصبح الأمر أكبر من الفن.
المشكلة ليست في أن يعترض أحد، فحق الاعتراض جزء من المجتمع الصحي وليست في أن يؤيد آخر، فحق الاختيار لا يقل أهمية، المشكلة تبدأ حين يتحول الرأي إلى وصاية والوصاية إلى تحريض، والتحريض إلى تخوين وتكفير واستعداء وكأننا أمام معركة وجود لا أمام حفلة فنية، والأخطر من ذلك أن يُستدعى الدين إلى كل خلاف ثقافي، وكأن الذائقة الفنية لا يمكن أن تُناقش إلا من بوابة الحلال والحرام، وكأن المجتمع السوري كله ينتمي إلى مرجعية دينية واحدة.
سوريا فيها مسلمون ومسيحيون، وفيها تنوع ديني ومذهبي واجتماعي وثقافي لا يجوز تجاهله عند صياغة المشهد العام، ومن حق كل إنسان أن يعيش قناعته ويمارس شعائره ويحافظ على خصوصيته، لكن القناعة الدينية شيء وتحويلها إلى أداة لفرض نمط حياة واحد على مجتمع متنوع شيء آخر، والسلطة أي سلطة لا تُقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار إنما بقدرتها على حماية المساحة المشتركة بين المختلفين.
كون السلطة تنتمي إلى بيئة أو أكثرية دينية معينة لا يعني أن الدولة أصبحت ممثلة لتلك البيئة وحدها، ولا يمنحها حق صياغة المجال العام وفق رؤية فئة واحدة، الدولة التي نريدها لسوريا الجديدة يجب أن تكون أوسع من الطائفة وأرحب من المذهب وأعدل من أن تنحاز إلى ذائقة اجتماعية على حساب أخرى، نحن بحاجة إلى قالب عام يندمج فيه الجميع وليس قالباً واحداً يُجبر الجميع على ارتدائه.
يمكن أن تكون سوريا محافظة في بعض تفاصيلها ومنفتحة في تفاصيل أخرى، ويمكن أن يعيش فيها الفن الراقي إلى جانب التدين والثقافة الحديثة إلى جانب الموروث، وأن يجد كل إنسان مساحته ما دام لا يعتدي على مساحة الآخرين، وهنا تحديداً تأتي مسؤولية الفنان والمؤسسة الثقافية والجمهور والسلطة معاً.
فالفن ليس معركة لكسر المجتمع واستفزازه، كما أن الدين ليس حبلاً يُشد به المجتمع كلما اختلف الناس في قضية ثقافية، ومن الخطير أن يتحول أي طرف إلى لاعب على حبال السلطة مستنداً إلى قربه من مراكز القرار أو إلى خطاب ديني ليمنح نفسه حق تحديد ما يصلح للناس وما لا يصلح لهم، لا نحتاج في سوريا إلى حرب ثقافية جديدة بعد كل ما عشنا من حروب، نحتاج إلى ثقافة تعرف كيف تختلف دون أن تقتتل، وإلى سلطة تعرف أن مهمتها تنظيم الاختلاف وليس إلغاءه وإلى مجتمع يتعلم أن يقول: هذا لا يشبهني، دون أن يضيف إليها: لذلك لا يحق لك أن تفعله.
فالمشكلة الحقيقية ليست في أصالة ولا في حفلتها، ولا حتى فيمن يحب صوتها أو لا يحبه، المشكلة في أن تتحول كل مساحة اختلاف إلى خندق، وكل رأي إلى راية، وكل مناسبة إلى اختبار ولاء وانتماء.
سوريا التي خرجت من سنوات طويلة من الانقسام لا تحتمل أن نعيد إنتاج الانقسام بأدوات جديدة، ولا أن نستبدل الحرب العسكرية بحروب ثقافية واجتماعية تتغذى على التخوين والتحريض، نحن بحاجة إلى أن نتعلم فن العيش معاً قبل أن نتعلم فن الاختلاف، فالألوان الكثيرة لا تفسد اللوحة، ولكن ما يفسدها هوأن يحاول كل لون إقصاء الأخر.